منذ اعتقال عبد الله أوجلان عام 1999، دخلت القضية الكردية المرتبطة بـ حزب العمال الكردستاني مرحلة مختلفة تماماً عن العقود السابقة. فالرجل الذي كان يقود مشروع الكفاح المسلح من اجل تحرير كردستان الكبرى ويصدر الاوامر من مقره في دمشق معزز ومكرم كزعيم كردي كبير، أصبح اليوم أسيراً بين أربعة جدران، معزولاً عن الميدان، يراجع تجربته السياسية والفكرية بعد أكثر من أربعة عقود من الصراع الدموي مع الدولة التركية.
ويبدو، وفقاً لخطابات أوجلان ورسائله الأخيرة، أنه بات مقتنعاً بأن العمل المسلح لم يحقق الأهداف المرجوة للشعب الكردي، وأن حصيلة تلك السنوات الطويلة كانت الاعتقال والقتل والدمار والتشرد، دون الوصول إلى حل سياسي حقيقي. ومن هذا المنطلق، بدأ يدعو إلى الحلول السلمية والاعتماد على الأنظمة الديمقراطية كوسيلة لنيل الحقوق، مقتدياً بتجارب شخصيات تاريخية مثل المهاتما غاندي.
غير أن هذا التحول الفكري يثير جدلاً واسعاً داخل الأوساط الكردية، إذ يرى منتقدوه أن ما يطرحه أوجلان اليوم ليس نابعاً من قوة سياسية أو رؤية استراتيجية جديدة، بل نتيجة حالة العجز التي يعيشها بعد فقدانه حريته ودوره المباشر في قيادة الحركة. فالرجل الذي كان يمتلك القرار والنفوذ، يحاول استعادة تأثيره بأي وسيلة ممكنة، حتى لو تطلب الأمر تقديم تنازلات كبيرة.
ومنذ اعتقاله، ظل أنصار أوجلان متمسكين به بصورة مطلقة، ينفذون توجيهاته دون اعتراض، وهو ما يعتبره بعض الكتّاب والمراقبين سبباً في إضعاف الحزب والقضية الكردية معاً. فربط مصير تنظيم كامل بشخص واحد جعل الحركة عرضة للاهتزاز بمجرد غياب القائد، وهو ما أدركته الدولة التركية مبكراً، حين اعتبرت أن القبض على العقل المدبر كفيل بشل الحركة وإضعافها على المدى الطويل.
ويرى أصحاب هذا الطرح أن الخطأ الأكبر الذي وقع فيه الحزب هو عدم إنتاج قيادة بديلة مستقلة بعد اعتقال أوجلان، الأمر الذي جعل مقاتلي الكريلا يتحولون تدريجياً إلى قوة محاصرة في جبال قنديل، تفتقر إلى المبادرة السياسية والعسكرية، في ظل غياب القيادة الحقيقية الفاعلة.
وكلنا شهود عيان عندما كان الحزب باوج قوته وخاصة بفترة الرئيس التركي الراحل تورغوت أوزال، حينها كانت هناك مؤشرات على إمكانية التوصل إلى تسوية سياسية مع الكرد. ففي تلك المرحلة، كانت المفاوضات جارية، وكان أوجلان قد صرّح آنذاك بأن الكرد قد يصبحون “أصحاب جزء من الأرض” بحلول عام 2000. لكن وفاة أوزال المفاجئة، والتي يعتقد البعض أنها جاءت نتيجة عملية تسميم نفذتها ما يعرف بـ”الدولة العميقة”، أنهت تلك المرحلة وأعادت الصراع إلى نقطة الصفر.
وبعد اعتقال أوجلان، تراجع نفوذ الحزب تدريجياً، وفقد جزءاً كبيراً من ثقله السياسي والعسكري، ما دفع أوجلان إلى إطلاق عدة مبادرات سلام من معتقله في جزيرة ايمرالي أملاً في إعادة إحياء دوره السياسي، إلا أن جميع تلك المبادرات انتهت بالفشل، بسبب غياب الثقة بين الطرفين وعدم وجود إرادة سياسية حقيقية لإنهاء الصراع.
أما العملية الجارية حالياً، فينظر إليها كثيرون على أنها ليست “عملية سلام” بالمعنى الحقيقي، بل مشروع تركي تحت عنوان “تركيا خالية من الإرهاب”، هدفه النهائي تفكيك الحزب وإنهاء العمل المسلح وتسليم السلاح. ويستدل أصحاب هذا الرأي بتصريحات دولت بهتشلي، الذي دعا مؤخراً إلى منح أوجلان دوراً شرعياً داخل البرلمان لتسريع إنهاء الملف والوصول إلى تسوية نهائية.
ويحذر المنتقدون من أن قبول أوجلان بهذا المسار يفسرعلى أنه اعتراف رسمي من قيادة الحزب بأن الكفاح المسلح الذي استمر لعقود كان “عملاً إرهابياً”، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام مطالبات قانونية وتعويضات مالية وملاحقات واسعة تطال شبكات الحزب وأمواله ومؤسساته في الخارج.
بينما الحقيقة هي عكس ذلك وأن الدولة التركية هي الطرف الذي يتحمل المسؤولية التاريخية الكبرى عما تعرض له الشعب الكردي خلال قرن كامل من سياسات الإنكار والقمع والتهميش، وأن أي حل عادل يجب أن يبدأ بالاعتراف بالحقوق القومية للكرد وتعويض المتضررين عن عقود من المعاناة.
كما يرى أصحاب هذا التوجه أن ما يجري في شمال شرق سوريا، وخاصة في روج آفا، يمثل محاولة لتطبيق نموذج “الاندماج الديمقراطي” الذي طرحه أوجلان، وأن المنطقة تحولت إلى حقل تجارب عملي لأفكاره السياسية الجديدة قبل محاولة نقلها إلى الداخل التركي.
وفي المحصلة، تبقى القضية الكردية واحدة من أعقد قضايا المنطقة، بين من يرى في التحول الفكري لأوجلان مراجعة سياسية واقعية فرضتها التجربة، وبين من يعتبره انعكاساً لحالة الضعف والاستسلام بعد سنوات طويلة من الصراع. لكن المؤكد أن مستقبل القضية لن يتحدد فقط بمصير شخص واحد، مهما كان تأثيره، بل بقدرة الكرد على بناء مشروع سياسي موحد ومستقل يستند إلى رؤية واضحة وإرادة جماعية قادرة على مواجهة تحديات المرحلة المقبلة.

