حين تتحوّل الهوية إلى جسر لا إلى خندق – بوتان زيباري

في الجغرافيا التي أرهقها الدم، لم يعد السؤال الكوردي في تركيا مجرد نزاعٍ على الحقوق أو اعترافٍ بالاسم، بل صار امتحانًا أخلاقيًا لفكرة العيش المشترك نفسها. هناك، بين مدن الجنوب الشرقي وضجيج المتروبولات الكبرى، تتشكّل ملامح وعيٍ جديد لا يشبه خرائط الماضي ولا يطمئن لخطابات الحرب القديمة. الكورد الذين خرجوا من رماد التسعينيات لم يعودوا يرون البندقية قدرًا أبديًا، بل ينظرون إلى السياسة بوصفها مساحةً لإثبات الوجود لا لإنكار الآخر. لقد أدركوا، بعد أعوام طويلة من الخسارات، أن الشعوب لا تنتصر حين ترفع السلاح فقط، بل حين تنجح في تحويل هويتها إلى قوةٍ مدنية قادرة على البقاء داخل الزمن لا خارجه.

تبدّلت البنية الاجتماعية، وتغيّرت اللغة التي يتحدث بها الجيل الجديد مع نفسه ومع الدولة. لم تعد الكوردية نقيضًا للانتماء إلى تركيا، كما حاولت القوميات الصلبة أن توهم الجميع لعقود. على العكس، ثمة شعور متنامٍ بأن الإنسان يستطيع أن يكون كورديًا حتى أعماق روحه، وفي الوقت نفسه جزءًا من هذا البلد، دون أن يشعر بالخيانة أو النقص. هنا تحديدًا تكمن الأزمة الحقيقية للسياسة التركية، لأنها ما زالت أسيرة ثنائية قديمة ترى الهوية الكوردية تهديدًا كلما اشتدت، بينما الواقع الاجتماعي يقول إن الكورد يزدادون تمسكًا بلغتهم وثقافتهم، ويزدادون في الوقت نفسه ارتباطًا بالحياة المشتركة داخل تركيا.

لكن الجدار النفسي بين المجتمعين ما يزال قائمًا. الكوردي ما يزال يشعر أن ثقته تُختبر كل يوم، لأن وجوهًا سياسية مثل صلاح الدين دميرتاش ما تزال خلف القضبان، ولأن البلديات الكوردية ما تزال تُدار بعقلية الوصاية، ولأن الدولة لم ترسل بعد إشارتها الواضحة إلى البيروقراطية بأن زمن الخوف يجب أن ينتهي. وفي المقابل، يخشى جزء واسع من الأتراك أن يكون الحديث عن السلام مجرد هدنة مؤقتة لا أكثر. وهكذا يعيش الجميع داخل دائرة انتظارٍ متعبة، حيث يرتفع الدعم لأي عملية سياسية ثم يتراجع كلما اصطدم الناس ببطء الدولة وترددها.

وسط هذا المشهد، برزت ظواهر اجتماعية تتجاوز السياسة التقليدية، لعل أبرزها Amedspor الذي تحوّل من فريق كرة قدم إلى استعارة جماعية للكرامة الكوردية. لم يعد النادي مجرد ممثل لمدينة دياربكر، بل صار صورةً رمزية لشعبٍ يريد أن يُرى دون خوف. الملايين الذين يلتفون حوله لا يبحثون عن بطولة رياضية فقط، بل عن اعتراف عاطفي بوجودهم داخل المجال العام التركي. ولهذا بدا النادي أشبه بما مثّلته FC Barcelona للكتلان، حيث تتحول المدرجات إلى لغة سياسية ناعمة، ويتحوّل التشجيع إلى شكل من أشكال الدفاع عن الهوية.

المفارقة أن القومية الكوردية الموجودة على وسائل التواصل تبدو أكثر حدّة من المجتمع نفسه. ففي الواقع، معظم الكورد لا يريدون حربًا دائمة مع تركيا، بل يريدون العيش بكرامة دون التخلي عن لغتهم وثقافتهم. إنهم يميلون إلى قومية ثقافية تبحث عن المساواة، لا إلى قومية إقصائية ترى الآخر عدوًا أبديًا. لذلك تبدو الخطابات المتطرفة على الإنترنت معزولة نسبيًا عن المزاج الشعبي الحقيقي، لأن الناس في الحياة اليومية أكثر ميلًا إلى التعايش وأقل انجذابًا إلى الشعارات الراديكالية.

إننا نعيش لحظة تاريخية تجتمع فيها “النجوم” في مدار واحد؛ فمن القوى السياسية الكوردية التي تمد يد السلام، إلى المعارضة التي تطرح رؤى ديمقراطية، وصولاً إلى السلطة التي تملك مفاتيح التغيير. ومع ذلك، يظل التردد البيروقراطي والتمسك بأنماط التفكير القديمة عائقاً أمام هذا الإشراق الإنساني. فالوطن لا يُبنى بالخوف من “ألوان” العلم أو “هوية” الآخر، بل يُبنى بالشجاعة في اتخاذ قرارات تاريخية تنهي عقوداً من الألم. إن المستقبل يطالبنا بصياغة عقد اجتماعي جديد، عقدٍ يرى في “كوردستان” قلباً نابضاً بالجمال، وفي الإنسان الكوردي شريكاً أصيلاً في صياغة قدر المنطقة، بعيداً عن صراعات السلاح وظلمات السجون، لتمضي القافلة نحو أفقٍ يسعه الجميع بسلام.

بوتان زيباري

السويد

10.05.2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *