الحرب الإلكترونية: المعركة التي لا نراها- الكاتب/ اسعد عبدالله عبدعلي

تخيل معي رعاك الله، أنك مواطن “كادح” تسكن في “حي النصر” القابع على أطراف بغداد، حيث الصراع الأزلي مع الغبار والفقر الذي يمشي جنباً إلى جنب مع الأمية, كأنهما توأمان ملتصقان. تستيقظ في صباح يومٍ مغبر كالعادة، تمد يدك بتثاقل لتتفقد هاتفك لتطالع آخر أخبار العالم، فتجده جثة هامدة بلا إشارة ولا إنترنت. تخرج للشارع فترى العجب العجاب؛ إشارات المرور أصبحت كأضواء الزينة المعطلة، والناس متجمهرون حول جهاز الصراف الآلي الذي صار يخرج “لسانه الرقمي” بدلاً من الدنانير، وحتى “الكيبل الضوئي” الذي دفعنا عليه دم قلبنا صار مجرد حبل غسيل لا نفع منه. أما الطامة الكبرى، فهي أن محطات المياه والكهرباء قررت فجأة أن تأخذ “إجازة مفتوحة” دون سابق إنذار أو “صوت انفجار” يبرر هذا الغياب الدرامي.

في تلك اللحظة، ستجد المشهد سريالياً بامتياز؛ الشبان والكهول في حي النصر يجلسون على “الدكات” بوجوه واجمة وضجر قاتل، ليس لأن الدولة انهارت، بل لأن “إشارة البوبجي” انقطعت! تخيل حجم المأساة، كيف سيقنص “حمودي” خصومه في “المطار”؟ وكيف سيقضي مهند وقته في الصياح خلف الشاشة؟ إنها ليست غارة جوية، ولم تمر طائرات “اف 35” فوق رؤوسنا، ولم تهتز الأرض تحت أقدامنا، لكنك يا صديقي في قلب المعمعة.

هذه هي “الحرب الإلكترونية”، الحرب الصامتة التي لا تترك دخاناً ولا دماءً في البداية، بل تتركك وحيداً مع هاتفك المعطل وصنبور الماء الجاف. إنها معركة لا تُستخدم فيها القنابل والمدافع، بل أسلحتها هي الأكواد المشفرة والبرمجيات الخبيثة التي يرسلها مبرمج جالس خلف شاشته في قارة أخرى، وساحتها ليست الخنادق والساتر، بل هي شبكة الإنترنت والأنظمة الرقمية التي باتت تتحكم في حياتنا وأرزاقنا, وحتى في مزاجنا اليومي في قلب حي النصر.

·     لماذا العراق في “عين العاصفة”؟

إن العراق اليوم، وهو يخطو خطواته الواثقة نحو الحداثة، يشبه من يبني بيتاً زجاجياً أنيقاً وسط عاصفة؛ فهو قد بدأ يعتمد بشكل كلي على التكنولوجيا لترميم مؤسساته وتسهيل حياة مواطنيه، لكن هذا التحول الرقمي البراق، رغم كل ما يحمله من رفاهية وسهولة، قد شرع الأبواب والنوافذ أمام “قراصنة الظلام” والدول التي تتربص بنا الدوائر. تكمن الخطورة الكبرى في أن شريان الحياة العراقي بات مرتبطاً بـ “نقرة زر”؛ فشبكات الكهرباء التي تضيء بيوتنا، والسدود التي تحرس مياهنا، ومنشآت النفط التي تمثل عماد اقتصادنا، كلها باتت تدار عبر أنظمة تحكم رقمية معقدة، وأي اختراق لهذه الأنظمة لا يعني مجرد عطل فني، بل يعني شللاً تاماً يوقف نبض الدولة ويحول أماننا إلى فوضى عارمة في لحظات.

ولا يتوقف الأمر عند تعطيل الماكينات، بل يمتد ليصل إلى “الخزانة السرية” للدولة؛ حيث إن تسريب بيانات المواطنين المليونية أو كشف الأسرار العسكرية يجعل هيبة الوطن مكشوفة وضعيفة أمام الخصوم، وكأننا نسير في ساحة المعركة بلا درع يحمينا. والأدهى من ذلك كله، هو تلك الحرب النفسية الماكرة التي تعتمد على “التضليل والفتنة”، حيث تُستخدم خوارزميات الذكاء الاصطناعي لصناعة أخبار مفبركة وفيديوهات زائفة تضرب السلم الأهلي وتزرع الشك بين أبناء البلد الواحد، محولةً الشاشات الصغيرة إلى فتيل لإشعال الحرائق في الواقع.

ولكن، لكي نجابه هذا الطوفان الرقمي، علينا أن ندرك أن المواجهة لم تعد تحتاج إلى جيوش جرارة أو مدافع ثقيلة تصم الآذان، بل تحتاج إلى “جيش من العقول الذكية” التي تقاتل خلف الشاشات بصمت، وإلى استراتيجيات وطنية بعيدة المدى تحول الفضاء الإلكتروني من ثغرة قاتلة إلى حصن حصين يحمي مستقبل العراق وأجياله القادمة.

·     بناء “الدرع الرقمي”:

إن فكرة تأسيس مركز وطني قوي للأمن السيبراني في العراق ليست مجرد ترف تقني، بل هي ضرورة قصوى تفرضها تحديات العصر، حيث يجب أن يعمل هذا المركز كـ “جهاز مكافحة إرهاب رقمي” متكامل الأركان. هذا الجهاز لا ينتظر وقوع الكارثة ليعالج أثارها، بل يتبنى استراتيجية استباقية تعتمد على المراقبة اللحظية والشاملة لكافة المنافذ الرقمية للدولة، تماماً كما تفعل القوات النخبوية في تأمين الحدود.

فهو يقوم بمسح مستمر للثغرات البرمجية في أنظمة الوزارات والبنك المركزي ومؤسسات الطاقة، ويعمل على سدها وتحصينها قبل أن يكتشفها المتربصون...

إن هذا المركز يمثل “العقل المدبر” الذي يجمع بين التكنولوجيا المتطورة والخبرات البشرية الفذة، ليخلق بيئة دفاعية قادرة على تحليل أنماط الهجمات السيبرانية المعقدة والتنبؤ بها، مما يجعل عملية صد الهجوم تتم في أجزاء من الثانية قبل أن تصل إلى أهدافها الحيوية. وبذلك، يتحول هذا المركز من مجرد جدار حماية إلى “درع ذكي” يضمن استمرارية الخدمات الأساسية للمواطنين ويحمي سيادة الدولة في الفضاء الافتراضي، محولاً العراق من بلد يحاول اللحاق بالركب التقني إلى حصن رقمي منيع يصعب اختراقه أو النيل من استقراره الرقمي.

·     السيادة على البيانات:

 إن مفهوم السيادة الوطنية في العصر الحديث لم يعد يقتصر على حماية الحدود البرية والمياه الإقليمية فحسب، بل امتد ليشمل “السيادة الرقمية” التي تبدأ من ضرورة توطين خوادم البيانات داخل الأراضي العراقية. فوجود هذه الخوادم، التي تمثل المستودعات الرقمية لكل أسرار الدولة وبيانات المواطنين، داخل حدود الوطن يضمن بقاء “مفاتيح البيت” بيد أصحاب الأرض، بعيداً عن تقلبات السياسة الدولية أو احتمالات الابتزاز الإلكتروني من قبل شركات أو دول خارجية.

إن هذا الإجراء الجوهري يتيح للحكومة فرض إشراف وطني كامل ومباشر، ويسمح للخبراء العراقيين بالتحكم في مستويات التشفير والحماية وفقاً للمعايير الوطنية الصارمة، مما يقلل إلى أدنى المستويات الاعتماد على الخارج الذي قد يقطع الخدمة أو يسرب المعلومات في أي لحظة حرجة. علاوة على ذلك، فإن توطين البيانات يسرع من عمليات الاستجابة التقنية ويحسن جودة الخدمات الرقمية المحلية، محولاً العراق من “مستأجر” لمساحات تخزينية في فضاءات الغرب والشرق إلى “مالك” حقيقي لبنيته التحتية المعلوماتية، وهو ما يمثل حائط الصد الأول ضد أي محاولة للاختراق أو التجسس العابر للحدود، ويحفظ كرامة وخصوصية المواطن العراقي في عالم رقمي لا يرحم الضعفاء.

·     خاتمة: من “دكّات” حي النصر إلى حصون المستقبل

في نهاية المطاف، يجب أن ندرك أن تلك الصورة السريالية في “حي النصر”؛ حيث الشباب الواجمون أمام شاشات هواتفهم الميتة وصنابير المياه الجافة، ليست مجرد مشهد من فيلم خيال علمي، بل هي جرس إنذار يقرع بعنف خلف أبوابنا. إن معركتنا القادمة لن تُخاض بصدورٍ عارية فحسب، بل ببرمجيات وطنية وعقولٍ لا تنام، تراقب كل “كود” يدخل إلى سماء العراق الرقمية.

إن حماية سيادتنا، من خوادم بياناتنا إلى استقرار شبكاتنا، هي الضمان الوحيد لكي لا يتحول طموحنا نحو الحداثة إلى فخٍ يسلبنا أماننا ومزاجنا اليومي. فالعراق الذي صمد أمام أعاصير التاريخ، قادرٌ اليوم على بناء “سواتر رقمية” لا تقل شموخاً عن سواتره الترابية.

نحتاج فقط أن نؤمن بأن الحفاظ على “إشارة الإنترنت” في هاتف ذلك الشاب في أطراف بغداد، هو جزء لا يتجزأ من الحفاظ على هيبة الدولة وكرامة الوطن.

هي دعوة لنستيقظ قبل أن يسبقنا “القراصنة” بخطوة، ولنصنع مستقبلاً يكون فيه التطور التقني مصدر قوةٍ لنا، لا ثغرةً يُنفذ منها إلينا. فهل سنسمح للأكواد الغريبة أن تطفئ أنوارنا، أم سنكون نحن ملوك الشفرة وحرّاس الضوء؟ 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *