في سوريا ، لا تموت الأنظمة بسهولة ، بل تتقن فن التنكّر .
تخلع بزّتها العسكرية حين تصبح مكلفة ، وتلبس قميص الدين حين يصبح أكثر رواجاً ، لكنها تحتفظ دائماً بالعقلية نفسها :
عقلية الاحتكار ، والتخوين ، واعتبار الدولة مزرعة سياسية لا عقداً اجتماعياً بين الشعوب .
ما يجري اليوم تحت عنوان “المرحلة الانتقالية” لا يبدو انتقالاً فعلياً بقدر ما يبدو إعادة تدوير لنفس المدرسة السلطوية ، لكن بلهجة مختلفة ولحية أطول قليلاً .
فالسلطة التي عجزت لعقود عن بناء دولة مواطنة ، تحاول اليوم إقناع السوريين بأنها جاءت لإنقاذهم عبر الآليات نفسها التي أوصلت البلاد إلى الكارثة أصلاً :
التعيين بدل الانتخاب ، الإقصاء بدل الشراكة ، والولاء بدل التمثيل الشعبي .
ولهذا لم يكن رفض الأحزاب الكردية لما يسمى ” انتخابات مجلس الشعب ” مجرد خلاف على عدد المقاعد ، بل اعتراضاً على الفكرة كلها .
و ما يُطرح ليس انتخابات ، بل عملية توزيع مقاعد بطريقة تشبه تعيين مختار لحيّ صغير أكثر مما تشبه تأسيس برلمان لدولة مدمّرة تبحث عن شرعية جديدة .
أن تمنح ملايين الكرد أربعة مقاعد فقط ، فهذا ليس سوء تقدير سياسي ، بل رسالة واضحة تقول :
“نريدكم ديكوراً وطنياً لا شركاء في الوطن” .
والمفارقة أن السلطة التي تتحدث صباحاً عن المشاركة ، تعود مساءً لتوزع المقاعد بعقلية مختار الحارة . وكأن السوريين لم يثوروا على الاستبداد ، بل على سوء الإخراج فقط .
والأطرف ــ أو ربما الأكثر مأساوية ــ أن هذه السلطة تتحدث طوال الوقت عن “سوريا الجديدة” بينما تتصرف بعقلية “القيادة القطرية” نفسها ، مع استبدال الشعارات القومية بشعارات دينية .
حتى إن المرء يكاد يشعر أن ميشيل عفلق لم يغادر المشهد فعلاً ، بل غيّر عباءته فقط ، وانتقل من خطاب الأمة الواحدة ذات الرسالة الخالدة إلى خطابات أكثر وعظاً وأقل حداثة ، لكن بالروح الإقصائية ذاتها .
المشكلة ليست في الإسلام كدين ، بل في تحويله إلى غطاء سياسي لعقل سلطوي قديم .
فالاستبداد لا يصبح أقل قبحاً حين يضع مسبحة في يده .
والديكتاتورية لا تتحول إلى عدالة لأنها بدأت خطاباتها بـ “بسم الله” بدل “أمة عربية واحدة” .
وبعض القوى الحاكمة تتصرف وكأن سقوط البعث كان مشكلة أسماء لا مشكلة عقلية ، لذلك استبدلت الشعارات فقط ، بينما أبقت على الفوقية نفسها ، والتخوين نفسه ، والاحتقار نفسه لأي شراكة حقيقية خارج مركز السلطة .
ما يحدث اليوم يذكّر السوريين بأن الأنظمة العقائدية جميعها تتشابه في النهاية ، مهما اختلفت راياتها .
فحين تعتبر السلطة نفسها وصية على الشعب ، وتتعامل مع المكونات القومية والسياسية كضيوف مؤقتين داخل البلاد ، فإنها تعيد إنتاج الأزمة نفسها التي فجّرت سوريا منذ البداية .
الكرد اليوم لا يطالبون بمعجزة ، بل باعتراف سياسي حقيقي بحجمهم ودورهم وشراكتهم .
وحين تطالب الأحزاب الكردية بأربعين مقعداً ، فهي لا تطلب صدقة سياسية ، بل تقول إن زمن التعامل مع الكرد كملف أمني أو هامش جغرافي يجب أن ينتهي .
لكن يبدو أن بعض العقول في دمشق ما زالت تعتقد أن بالإمكان بناء “سوريا جديدة” عبر الأدوات القديمة نفسها :
مركزية خانقة ،
عقلية فوقية ،
وتمثيل صوري لا يختلف كثيراً عن المسرحيات الانتخابية التي عرفها السوريون لعقود .
وحين تتحول الانتخابات إلى عملية تعيين مقنّعة ، يصبح البرلمان أشبه بقاعة انتظار للولاء السياسي ، لا مؤسسة تمثل شعباً خرج من واحدة من أكبر الكوارث في العصر الحديث .
والحقيقة أن أخطر ما في السلطة الحالية ليس ضعف خبرتها السياسية فقط ، بل إصرارها المذهل على السير داخل النفق نفسه الذي سقط فيه من سبقها ، وكأن البلاد تحتاج نسخة جديدة من الكارثة لكن بديكور مختلف .
حتى إن السوري بات يشعر أحياناً أن الدولة لا تُدار بعقل سياسي ، بل بعناد دونكيشوتي يقاتل طواحين الهواء بينما البلاد كلها تتحول إلى ركام .
فبدلاً من بناء عقد وطني جديد ، يجري ترميم الخراب بلغة انتقامية وإقصائية ،
وكأن المطلوب من السوريين أن يصفقوا لمجرد أن القمع غيّر صوته لا طبيعته .
السوريون لم يثوروا على الاستبداد بسبب سوء الإخراج ، بل لأنهم تعبوا من المسرحية كلها .
تعبوا من سلطات تتبدل فيها الوجوه بينما تبقى عقلية الاحتكار نفسها ، ويتغير فيها الشعار بينما يبقى المواطن مجرد رقم مطلوب منه التصفيق في الوقت المناسب فقط .
إن أي سلطة لا تفهم التعدد القومي والسياسي في سوريا محكومة بالفشل ، مهما امتلكت من شعارات دينية أو ثورية .
سوريا ليست ثكنة عسكرية ، ولا مزرعة أيديولوجية ، ولا إمارة مغلقة .
بل بلد متنوع لا يمكن إنقاذه إلا بالشراكة الحقيقية والاعتراف المتبادل واللامركزية السياسية العادلة .
أما الاستمرار في عقلية “نحن نمثل الدولة وأنتم تمثلون المشكلة” ، فلن ينتج إلا نسخة جديدة من الانفجار السوري ، وربما بصورة أكثر خطورة هذه المرة .
لقد جرّبت سوريا لعقود حكم الحزب الواحد ، والقائد الواحد ، والصوت الواحد ، وكانت النتيجة بلداً ممزقاً وشعباً منهكاً وملايين اللاجئين .
ومن العبث التاريخي أن يأتي من يظن أن الحل هو إعادة إنتاج النموذج نفسه ولكن بعمامة بدل القبعة العسكرية .
التاريخ لا يرحم السلطات التي تعتقد أن بإمكانها خداع الشعوب بتغيير الأقنعة فقط .
فالسوريون الذين دفنوا أبناءهم تحت أنقاض الاستبداد ، لن يقبلوا نسخة معدّلة منه ، حتى لو جاءت هذه المرة وهي ترفع المصحف بدل صورة القائد .
وبعض السلطات تتصرف وكأن المشكلة في صورة القائد المعلقة على الجدار ، لا في العقلية التي علّقت البلاد كلها على حبل السلطة لعقود .
لأن الطنبور السوري لم يعد يحتمل نغماً إضافياً من العناد السياسي .
ما يحتاجه السوريون اليوم ليس سلطة تعيد تدوير أناشيد الماضي ، بل دولة تمتلك شجاعة الاعتراف بأن البلاد لا تُحكم بالإقصاء ، ولا تُبنى بالتعيين ، ولا تستقر بابتلاع حقوق شعوبها .
فالدولة التي لا ترى في الكرد والعرب والسريان والدروز وسائر المكونات شركاء متساوين ، ليست دولة وطنية ، بل مشروع أزمة مؤجلة .
وأي سلطة تصرّ على النظر إلى سوريا بعين مغبشة لا تفرّق بين الألوان ، لن ترى في النهاية سوى صورة فشلها وهي تتكرر أمامها مرة أخرى .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي


السيد محمد ديب أحمد المحترم.
تحية.
أحسنت كالمعتاد.
“من البعث إلى العمامة : حين تغيّر السلطة ثيابها وتحتفظ بالعقل نفسه “.
من القومجية إلى الاسلاموية : حين تغيّر السلطة ثيابها وتحتفظ بالعقلية نفسها.
محمد توفيق علي
السيد محمد توفيق علي
مساء الخير والمحبة
أشكركم على قراءتكم وعلى هذا التعليق الذي يحمل بعداً فكرياً كما سعدت بتفاعلكم مع النص ، وبالمقاربة التي أضفتموها ، وتفهمكم لظاهر التحولات إلى جوهر العقليات التي تعيد إنتاج نفسها بأسماء مختلفة.
مروركم موضع احترام وامتنان
دمتم بخير
🌹