ما نعرفه كبشر إننا نلجأ إلی الروح، عقيدة كانت أو طبيعة، لكی نستجدي بها كلما زاد بنا الهم من أمور الدنیا ومشاكلها, فنحصل منها علی الراحة و هدوء البال ولو إلی حین. أما أن نتجاهل هذه القابلية فینا ونلجأ إلی العكس كما یحصل الآن لأغنیائنا و قیاداتنا و أصحاب البأس والسلطة والهيمنة فی عالمنا المعاصر، فما هو إلا نذير سوء. علينا أن ننتبه إلیه و نرجع إلی صوابنا قبل فوات الأوان. أنظروا إلی سلوك الفرد المستاء من أمره سواء كان ذلك راتبا لا يستطيع الحصول علیه كما یجب، أو وطنا یعمل المستحيل لمغادرته لكونه لا يوفر له العيش أو الحریة أو الكرامة أو الأمان، فإنه یدیر ظهره للنعمة التی توفر له قابلياته الروحية العفوية و التلقائية و المبرمجة فی جيناته، فهی لاتكلفه شيئا بل تخفف عنه الأعباء لكی یتنفس الصعداء و يستكشف منابع الصحة والسعادة فی ذاته لكی یرضی بما لديه فیرضی من حوله و یبث بالسعادة و الرضا فی المجتمع.
في عالمنا المعاصر، عندما يضيق فيه الإنسان بنفسه لم یعد يلجأ دائمًا إلى الطبيعة أو الغابات أو المنافي أو المدن فی الأوطان البعيدة للراحة و الإستجمام، بل قد يهرب إلى الأشياء، إلى المادة، إلى كل ما هو ملموس، صلب، قابل للإمتلاك و الإحتلال و السيطرة والهيمنة كما یجری الآن فی حرب ضروس بین أمريكا و إیران. وكأن الروح، بما تحمله من قلق و أسئلة و فراغات، أصبحت عبئًا ثقيلًا لا يُحتمل في عالم يقدّس السرعة و الإستهلاك و النتائج الفورية. لقد صار الإنسان الحديث أكثر قربًا من شاشاته، وأبعد عن ذاته. يعرف أسعار السلع، لكنه يجهل ثمن الطمأنينة. يملك وسائل الإتصال كلها، لكنه يعاني عزلةً داخلية عميقة. وهكذا بدأ الهروب الكبير: هروب من الداخل إلى الخارج، من التأمل إلى الإمتلاك، و من الروح إلى المادة.
الروح بطبيعتها تسأل: من أنا؟ لماذا أتألم؟ ما معنى هذا الوجود؟ أما المادة فلا تسأل شيئًا؛ إنها تمنح الإنسان وهم الإكتفاء الذی یبدو أكثر إغراءً. فحين يعجز الإنسان عن مواجهة هشاشته الداخلية، يلجأ إلى تكديس الأشياء، وكأن الممتلكات يمكن أن تملأ فراغ المعنى. مهما تضخّمت المادة تبقى عاجزة عن إشباع الجوع الروحي. فقد يمتلك الإنسان بيتًا فخمًا ويعيش خرابًا داخليًا، وقد يحقق نجاحًا سیاسیا أو إجتماعيًا بينما ينهار بصمت كل ليلة. إن الأزمة الحقيقية ليست فقر الجسد، بل اغتراب الروح عن ذاتها.
لقد تحوّل الإستهلاك في عصرنا إلى شكل من أشكال التخدير النفسي. يشتري الإنسان لا لأنه يحتاج بل لأنه يخشى الفراغ، يعمل بلا توقف لا لأنه يحب العمل بل لأنه يخاف أن يبقى وحيدًا مع أسئلته. حتى الترفيه أحيانًا يصبح وسيلة للهروب، لا للراحة. وهكذا تُستبدل الحياة الداخلية الصامتة بضجيج دائم يمنع الإنسان من سماع نفسه. و لعل أخطر ما في هذا الهروب أن الإنسان يظن نفسه متقدمًا بينما هو يفقد جوهره تدريجيًا. فالحضارة التي تنمو فيها الأشياء أكثر من القيم، وتُقاس فيها قيمة الإنسان بما يملك لا بما يكون، هي حضارة مهددة بالفراغ مهما بلغت من الثراء التقني.
إن العودة إلى الروح لا تعني رفض المادة أو احتقار العالم المادي، فالمادة ضرورة للحياة، لكنها ليست غاية الوجود. المشكلة تبدأ عندما تتحول الوسيلة إلى معبود خفي، وعندما يصبح الإنسان عبدًا لما صنعه بيديه. التوازن وحده هو ما يمنح الحياة معناها: أن نستخدم المادة دون أن تسمح لها بابتلاع أرواحنا. علينا أن نبحث عن المال والنقود لأجل العيش لا أن نعيش لجمع المال والنقود. فالروح تحتاج إلى الصمت، إلى الحب، إلى المعنى، إلى التأمل، إلى شعور الإنسان بأنه أكثر من مجرد كائن يستهلك وينتج ثم يرحل. كل مشروع حضاري لا يمنح الإنسان هذا البعد الروحي سيتركه غنيًا في الظاهر وفقيرًا في الداخل. ربما لا يكون السؤال الحقيقي: لماذا هرب الإنسان نحو المادة؟ بل: ماذا فقد في روحه حتى اضطر إلى هذا الهروب؟

