الحسكة – شهدت عملية اختيار ممثلين عن المكون الكردي في البرلمان السوري من قبل الحكومة الانتقالية جدلاً واسعاً، بعد اتهامات بتعيين الأسماء مسبقاً قبل عملية التصويت، رغم اعتماد آلية اقتراع معلنة، في تطور يثير تساؤلات حول مصداقية المسار التمثيلي في مناطق شمال وشرق سوريا.
جاءت هذه الانتقادات في ظل مخاوف من أن وجود صندوق الاقتراع لم يكن سوى إجراء شكلي لا يعكس حقيقة اختيار ممثلي الشعب، مما يقوض ثقة المكونات المحلية في المؤسسات السياسية الانتقالية.
اتهامات بـ”التعيين المسبق”.. وصندوق اقتراع “شكلي”
وتصاعدت الانتقادات الموجهة للحكومة الانتقالية حول طريقة اختيار الممثلين الكرد، حيث اتهم نشطاء وسياسيون محليون بأن الأسماء الفائزة كانت محددة سلفاً قبل إجراء عملية التصويت، مما حول آلية الاقتراع المعلنة إلى مجرد غطاء شكلي لإضفاء شرعية على قرارات مسبقة.
وقال ناشط سياسي من القامشلي طلب عدم نشر اسمه لوكالة فرات للأنباء: «كان المفترض أن تكون الانتخابات فرصة حقيقية لتمثيل إرادة الناس، لكن ما حدث كان مسرحية محبطة. الأسماء كانت معروفة قبل يوم من التصويت، فماذا يعني صندوق الاقتراع في هذه الحالة؟».
وأضاف: «عندما يفقد المواطن الثقة في عملية الاختيار، يفقد الثقة في المؤسسة بأكملها. هذه ليست مسألة تقنية، بل مسألة مبدأ تتعلق بحق الناس في اختيار من يمثلهم».
غياب المكونات الأساسية.. مخاوف من استمرار الإقصاء
وتصاعدت الانتقادات أيضاً بشأن غياب تمثيل عدد من المكونات الأساسية في منطقة الجزيرة السورية، ولا سيما السريان-الآشوريين والأرمن، إضافة إلى المكون الكردي الإيزيدي، ما أثار مخاوف من استمرار سياسة الإقصاء وعدم تحقيق التمثيل المتوازن الذي يعكس التنوع الفعلي للمنطقة.
ويرى مراقبون أن هذا الغياب يعكس إشكالية هيكلية في عملية تشكيل التمثيل السياسي، حيث قد تطغى الاعتبارات الحزبية أو الضيقة على مبدأ التمثيل العادل لجميع المكونات القومية والدينية.
وقال ممثل عن المجتمع السرياني-الآشوري في الحسكة في تصريح لوكالة فرات: «نحن جزء أصيل من نسيج هذه المنطقة، وتاريخنا يمتد لآلاف السنين قبل أي حدود حديثة. غياب أصواتنا عن البرلمان يعني تهميشاً لقضايانا ومخاوفنا، وهذا لا يخدم الاستقرار بل يعمق الشرخ بين المكونات».
مطالبات بتمثيل أوسع يعكس التنوع السوري
وتشير هذه التطورات إلى استمرار الجدل حول آليات تشكيل التمثيل السياسي في مناطق شمال وشرق سوريا، في ظل مطالبات متكررة بضمان مشاركة أوسع تعكس التنوع القومي والديني في البلاد.
وتشمل أبرز المطالب التي يرفعها نشطاء ومكونات محلية:
- اعتماد آلية انتخابية شفافة وخاضعة للرقابة المستقلة
- ضمان تمثيل عادل لجميع المكونات القومية والدينية، بما في ذلك الأقليات الصغيرة
- إنشاء هيئة مستقلة للإشراف على عمليات الاختيار والانتخاب
- إشراك المجتمع المدني في تصميم آليات التمثيل السياسي
- وضع معايير واضحة للكفاءة والنزاهة بعيداً عن المحاصصة الحزبية الضيقة
قراءة في التداعيات السياسية
ويرى محللون أن الجدل حول اختيار الممثلين الكرد يحمل عدة دلالات مهمة للمشهد السياسي السوري:
أولاً، يعكس فجوة ثقة بين المواطنين والمؤسسات الانتقالية، حيث يشكك كثيرون في جدية الإصلاحات السياسية المعلنة.
ثانياً، يسلط الضوء على تحدي التمثيل في مجتمع متعدد المكونات، حيث يتطلب بناء مؤسسات شاملة توازناً دقيقاً بين الكفاءة والإنصاف.
ثالثاً، قد يؤثر سلباً على مسار المصالحة الوطنية إذا استمر شعور بعض المكونات بالإقصاء أو التهميش.
وقال خبير في الشؤون السياسية السورية بمركز الدراسات الاستراتيجية لوكالة فرات للأنباء: «التمثيل السياسي ليس مجرد أرقام ومقاعد، بل هو عقد ثقة بين الحاكم والمحكوم. عندما يفقد الناس الإيمان بأن أصواتهم تُحسب، يفقد النظام شرعيته في أعينهم».
سيناريوهات مقبلة لملف التمثيل السياسي
ومن المتوقع أن تشهد الفترة القادمة تطورات عدة في هذا الملف الحساس:
قد تدعو الحكومة الانتقالية إلى مراجعة آلية الاختيار استجابة للانتقادات، مع إعلان ضمانات جديدة لشفافية العملية.
قد تتصاعد احتجاجات المكونات المهمشة، مما يضع ضغطاً إضافياً على السلطات لإعادة النظر في سياسات التمثيل.
قد تتدخل جهات دولية أو إقليمية للوساطة بين الأطراف، بهدف وضع معايير مقبولة للجميع للتمثيل السياسي.
قد تشهد المنطقة انقساماً أعمق إذا استمرت سياسات الإقصاء، مما يعقد أي مسار مستقبلي للمصالحة الوطنية.
خلفية: التنوع في منطقة الجزيرة السورية
تُعد منطقة الجزيرة السورية، التي تشمل محافظات الحسكة والرقة ودير الزور، واحدة من أكثر المناطق تنوعاً في سوريا، حيث تتعايش مكونات متعددة:
- العرب، بمختلف قبائلهم وانتماءاتهم
- الكرد، بمكوناتهم المختلفة بما في ذلك الإيزيديين
- السريان-الآشوريين، أصحاب التاريخ العريق في المنطقة
- الأرمن، الذين استقروا في المنطقة منذ عقود
- مكونات أخرى أصغر مثل الشبك والتركمان
أي عملية تمثيل سياسي في هذه المنطقة تتطلب حساسية عالية لهذا التنوع، وقدرة على بناء مؤسسات شاملة تحترم جميع الهويات.

