أحزاب كردية ترفض تشكيل مجلس الشعب بالتعيين: “يمثلون أنفسهم فقط”.. وتدعو لمؤتمر وطني وانتخابات حرة

الحسكة – أصدرت أحزاب وقوى سياسية كردية بياناً مشتركاً انتقدت فيه بشدة آلية استكمال تشكيل مجلس الشعب السوري عبر التعيينات، معتبرة أن العملية “لا تعبر عن إرادة الشعب الكردي ومكونات المنطقة، ولا تؤسس لعملية سياسية ديمقراطية حقيقية”، في تطور يعكس عمق الجدل حول مسار التمثيل السياسي في سوريا الانتقالية.
جاء البيان في وقت أعلنت فيه القوى الموقعة أنها كانت قد رفضت المشاركة في العملية الانتخابية برمتها، انطلاقاً من معارضتها للآليات المتبعة في توزيع المقاعد وتحديد نسب التمثيل، وخاصة في مناطق روجافا التي تشهد حضوراً كردياً كثيفاً وتاريخاً سياسياً مميزاً في سياق الثورة السورية.

“يمثلون أنفسهم فقط”.. رفض للشرعية التمثيلية للمعينين

وأكد البيان أن الأشخاص الذين جرى تعيينهم في مجلس الشعب “يمثلون أنفسهم فقط”، معتبراً أن ما حدث يعكس استمرار “نهج الإقصاء والتهميش” بحق المكونات السورية، وفي مقدمتها الشعب الكردي الذي “قدم تضحيات كبيرة خلال الثورة السورية وفي روجافا”.
وقال البيان في نصه: «لا يمكن قبول تعيينات انتقائية تُمرر تحت غطاء شرعية زائفة، بينما تُهمش إرادة المكونات التي شكلت عماد النضال من أجل التغيير في سوريا».
وأضاف أن التعيينات جرت “بشكل انتقائي” وبما يتعارض مع مبادئ الديمقراطية والعدالة والشراكة الوطنية، مشيراً إلى أن هذه السياسات تعيد إنتاج “عقلية السلطة المركزية” ولكن “بأدوات وآليات جديدة”، في إشارة إلى مخاوف من استمرار النمط الحاكم السابق بأسماء ووجوه مختلفة.

اتهامات بـ”التغيير الديمغرافي”.. وسري كانيه نموذجاً

وانتقدت القوى السياسية في بيانها محاولات “إضفاء طابع شرعي على العملية السياسية عبر صناديق وآليات فاقدة للمصداقية”، مؤكدة أن الجهات المشرفة استمرت في “مشاريع التغيير الديمغرافي” عبر تعيين أشخاص من “عرب الغمر” ضمن اللجان الانتخابية، إضافة إلى تعيين أحدهم ممثلاً عن منطقة سري كانيه (رأس العين).
ويرى مراقبون أن الإشارة إلى “عرب الغمر” تعكس حساسية ديموغرافية وسياسية عميقة في المنطقة، حيث تتهم أحزاب كردية السلطات السابقة بمحاولات تغيير التركيبة السكانية في مناطق كردية عبر توطين عرب من مناطق أخرى، وهي قضية ظلت محل جدل لسنوات.

دعوة لمؤتمر وطني شامل.. وانتخابات “حرة ونزيهة”

ودعا البيان إلى عقد مؤتمر وطني سوري شامل يضم “الممثلين الحقيقيين لجميع المكونات السورية”، بهدف وضع خارطة طريق للمرحلة الانتقالية، والتحضير لانتخابات “حرة ونزيهة وشفافة”، إلى جانب تشكيل لجنة لصياغة دستور جديد، باعتبار ذلك من “الأولويات الوطنية” في المرحلة الراهنة.
وقال مصدر في الائتلاف الكردي الموقع على البيان لوكالة فرات للأنباء: «لا يمكن بناء دولة ديمقراطية على أنقاض إرادة شعب بأكمله. نريد عملية تأسيسية تشاركية حقيقية، تبدأ بمؤتمر وطني يضم كل من يملك شرعية التمثيل، وتنتهي بدستور يكرس الحقوق للجميع».

رؤية للمستقبل: “سوريا ديمقراطية تعددية لامركزية”

وختمت الأحزاب والقوى الكردية بيانها بالتأكيد على ضرورة بناء “سوريا ديمقراطية تعددية لامركزية” تقوم على الشراكة الحقيقية والاعتراف المتبادل بين جميع مكوناتها، في رسالة تحمل رؤية سياسية واضحة للمرحلة المقبلة.
وأضاف البيان: «نؤمن بسوريا موحدة، لكن وحدتها لا تتحقق بالإقصاء، بل بالاعتراف بتنوعها. اللامركزية ليست ترفاً، بل ضرورة لاستقرار دولة تضم عرباً وكرداً وسرياناً وآشوريين وأرمنًا ومكونات أخرى عريقة».

خلفية: جدل التمثيل في مجلس الشعب الانتقالي

يُذكر أن مجلس الشعب السوري في مرحلته الانتقالية يضم حالياً 210 أعضاء، بينهم 70 عضواً يتم تعيينهم مباشرة من قبل رئيس الحكومة المؤقتة، في آلية تثير جدلاً حول درجة الاستقلالية التمثيلية للمجلس.
وتكتسب قضية التمثيل الكردي حساسية خاصة، نظراً للدور المحوري الذي لعبه المكون الكردي في مناطق شمال وشرق سوريا خلال السنوات الماضية، ومطالباته المتكررة بالاعتراف الدستوري والسياسي بهويته وحقوقه.

قراءة في التداعيات السياسية

ويرى محللون أن بيان الأحزاب الكردية يحمل عدة دلالات مهمة للمشهد السياسي السوري:
أولاً، يعكس استمرار فجوة الثقة بين المكونات الكردية والمؤسسات السياسية الانتقالية، مما قد يقود إلى عزوف كردي عن المشاركة في مسارات قد تُعتبر غير عادلة.
ثانياً، يسلط الضوء على تحدي بناء مؤسسات شاملة في مجتمع متعدد، حيث يتطلب الأمر توازناً دقيقاً بين الكفاءة والإنصاف في التمثيل.
ثالثاً، قد يدفع باتجاه تصعيد المطالب الكردية بمراجعة شاملة لمسار التسوية السياسية، خاصة إذا استمرت آليات التعيين والتمثيل الحالية.
وقال خبير في الشؤون السورية بمركز الدراسات الاستراتيجية لوكالة فرات للأنباء: «عندما تشعر مكونة أساسية بأنها مُقصاة من عملية التأسيس، فإن ذلك يهدد شرعية المؤسسات بأكملها. الحل ليس في تجاهل المطالب، بل في حوار صادق يبني الثقة».

سيناريوهات مقبلة لملف التمثيل السياسي

ومن المتوقع أن تشهد الفترة القادمة تطورات عدة في هذا الملف الحساس:
قد تدعو الحكومة الانتقالية إلى حوار مع الأطراف الكردية لمراجعة آلية التمثيل، سعياً لتوسيع قاعدة المشاركة.
قد تتصاعد احتجاجات الأحزاب الكردية، مما يضع ضغطاً إضافياً على السلطات لإعادة النظر في سياسات التعيين والتمثيل.
قد تتدخل جهات دولية أو إقليمية للوساطة بين الأطراف، بهدف وضع معايير مقبولة للجميع للتمثيل السياسي في المرحلة الانتقالية.
قد تشهد المنطقة انقساماً أعمق إذا استمرت سياسات الإقصاء، مما يعقد أي مسار مستقبلي للمصالحة الوطنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *