دمشق – أعلن الباحث محمد سليمان، المنحدر من حي الأكراد العريق في العاصمة السورية دمشق، عن توصله إلى وثيقة تاريخية يعود تاريخها إلى نحو قرنين من الزمان، مؤكداً أن هذه الوثيقة تفند بشكل قاطع الادعاءات التي تروّجها بعض الأطراف بأن الأكراد مجرد “ضيوف عابرين” أو وافدين جدد إلى سوريا.
جاء هذا الكشف في تصريحات خاصة لمراسلة شبكة “روداو” الإعلامية في دمشق، سولين محمد، حيث أوضح سليمان أن دافعه الرئيسي للغوص في تاريخ الوجود الكردي في العاصمة السورية جاء كرد فعل على مقولات ترددت في بعض الأوساط تصف الأكراد بالضيوف، في خطوة تهدف إلى توثيق الحضور الكردي العريق في قلب سوريا.
وثيقة عام 1244 هجرية.. شاهد على التعايش الكردي في دمشق
وأسفرت بحوث سليمان المعمقة بين العائلات والعشائر الكردية الدمشقية عن العثور على وثيقة اتفاق تاريخية أُبرمت في الماضي بين تلك الأطراف بهدف إنهاء الخلافات البينية وضمان عيش مشترك كريم.
وأشار الباحث الكردي إلى أن هذه الوثيقة تعود إلى عام 1244 هجرية الموافق للقرن التاسع عشر الميلادي، ما يعني أن عمرها يقارب قرنين من الزمان، الأمر الذي يمنحها قيمة تاريخية بالغة الأهمية تؤكد الجذور الراسخة للأكراد في المنطقة، وتُعد رداً تاريخياً حاسماً على المشككين في عراقة وجودهم.
“الأكراد أصحاب دمشق”.. تفاصيل الوثيقة وأهميتها
وقال سليمان بحسم في تصريحاته: «الأكراد ليسوا ضيوفاً هنا، وهذه الوثيقة هي أحد أهم الأدلة التاريخية التي نمتلكها؛ إذ تحتوي صراحةً على أسماء العائلات والعشائر الكردية، والمناطق التي قطنوها من حي ركن الدين وصولاً إلى جبل قاسيون، فضلاً عن أدوارهم المجتمعية. الأكراد هم من أقدم الشعوب التي عاشت على الأرض السورية».
وأكد الباحث أن الوجود الكردي في دمشق ومحيطها لا يقتصر على الحقبة العثمانية فحسب، بل يمتد إلى فترات أقدم من ذلك بكثير، مما يضعف أي ادعاء بأن الكرد وافدون حديثون على المنطقة.
دور كردي محوري في بناء سوريا الحديثة
وفي سياق متصل، شدد سليمان على الدور المحوري الذي لعبه الأكراد في مسار تأسيس سوريا الحديثة وبنائها، قائلاً: «الأكراد مكون أصيل من مكونات هذا البلد، ونحن نقول إنهم من أصحاب دمشق ولم نكن يوماً ضيوفاً عليها».
واستطرد موضحاً أن الأكراد تركوا بصمات واضحة عبر التاريخ في المجالات الدينية والسياسية والثقافية والاجتماعية، وكانت للعديد من العائلات الكردية كلمة مسموعة وثقل كبير في المنطقة، مما يعكس اندماجاً عميقاً في النسيج السوري.
وثائق الانتداب الفرنسي.. وعي كردي مبكر بالتعليم والتنظيم
ولم تقف الوثائق عند العهد العثماني، بل امتدت لتشمل حقبة الانتداب الفرنسي على سوريا، حيث توثق الأسماء والتواريخ حضوراً لافتاً لشخصيات كردية بارزة تركت أثرًا في تلك المرحلة، من بينها عثمان صبري، وخالد بكداش، إلى جانب العديد من زعماء العشائر الذين انخرطوا بنشاط في الحياة السياسية والتعليمية والمجتمعية.
وكشف الباحث أن الوثائق تظهر تقدم العائلات الكردية في دمشق بطلبات رسمية إلى سلطات الانتداب الفرنسي لافتتاح مدارس وتعليم الأطفال، مما يعكس بوضوح البنية التنظيمية المتقدمة والوعي المبكر للمجتمع الكردي في ذلك الوقت.
الوعي القومي الكردي.. امتداد تاريخي وليس وليد اللحظة
واختتم سليمان حديثه بالإشارة إلى أن هذه الوثائق والملفات تثبت أن الوعي القومي والوطني الكردي ليس وليد القريب العاجل، بل هو امتداد لتاريخ طويل، مستنتجاً: «الأكراد في تلك الحقبة كانوا يتحركون بروح جماعية من خلال هياكلهم الدينية والسياسية والثقافية والعشائرية، وما نراه اليوم من هُوية قومية كردية إنما تأسست ركائزها المتينة خلال تلك الأعوام الممتدة في عمق التاريخ».
دلالات الكشف التاريخي: توثيق الهوية ورد على النفي
ويرى محللون أن الكشف عن هذه الوثيقة التاريخية يحمل عدة دلالات مهمة:
أولاً، يقدم دليلاً مادياً موثقاً على الجذور التاريخية للأكراد في دمشق، مما يقوّض أي سرديات تنكر وجودهم العريق في سوريا.
ثانياً، يعزز مكانة المكون الكردي كجزء أصيل من النسيج السوري، مما قد يساهم في تعزيز الحوار الوطني والشراكة بين المكونات.
ثالثاً، يسلط الضوء على أهمية البحث التاريخي كأداة لحماية الهوية والرد على محاولات التشويه أو النفي.
وقال خبير في التاريخ السوري المعاصر لوكالة فرات للأنباء: «التوثيق التاريخي ليس مجرد استذكار للماضي، بل أداة لبناء مستقبل يقوم على الاعتراف المتبادل والعدالة في التمثيل».
خلفية: حي الأكراد في دمشق.. رمز للوجود العريق
يُذكر أن حي الأكراد في دمشق يعد واحداً من أقدم الأحياء التي استقر فيها المكون الكردي في العاصمة، حيث:
- يقع بالقرب من جبل قاسيون وحي ركن الدين، في موقع استراتيجي وتاريخي
- شهد تعاقب أجيال كردية على مدى قرون، مع اندماج في الحياة الدمشقية
- يضم مساجد ومدارس ومقابر تحمل أسماء عائلات كردية عريقة
- يمثل رمزاً للوجود الكردي المتجذر في قلب سوريا

