الإدارة الذاتية بين الضرورة التاريخية ومأزق العقل الحزبي – محمد ديب أحمد

في السياسة ، ليست المعضلة دائماً في الحب أو الكراهية ، بل في القدرة على رؤية الأشياء خارج الانفعالات العمياء .
فالإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا ليست ملاكاً هبط من السماء ،
 كما أنها ليست ذلك “الوحش الشمولي” الذي يحاول البعض رسمه في مخيلات الناس .
إنها ببساطة نتاج لحظة انهيار تاريخي كامل ، لحظة سقطت فيها الدولة السورية كفكرة قبل أن تسقط كمؤسسات ،
وخرجت منها الكيانات المحلية وهي تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الجغرافيا والهوية والوجود .
لقد انهارت سوريا أولاً بوصفها عقداً سياسياً ، قبل أن تنهار بوصفها دولة .
وحين تفككت السلطة المركزية ، لم تدخل البلاد في فراغ أمني فقط ،
 بل في فراغ وجودي أيضاً ، حيث بدأت الجماعات تبحث عن أي شكل من أشكال الحماية والبقاء .
وفي قلب هذه الفوضى وُلدت الإدارة الذاتية ، لا بوصفها مشروعاً مثالياً ،
 بل بوصفها استجابة لزمن الخراب .
والمفارقة الساخرة أن كثيرين ممن كانوا بالأمس يرفعون شعارات الثورة والحرية والديمقراطية ، تحولوا اليوم إلى خبراء في التحريض على أي مساحة كردية تمتلك حداً أدنى من التنظيم والقوة .
وكأن المطلوب من الكرد دائماً أن يكونوا ضحايا مثاليين فقط :
 يُقتلون بصمت ،
 ويُهجّرون بأدب ،
ثم يُطلب منهم التصفيق لمن يشرح لهم فضائل الإلغاء الوطني باسم الوطنية أو الثورة أو حتى الدين .
وفي الشرق الأوسط تحديداً ، لا يُسامَح الضعيف حتى على ضعفه .
فالجماعات التي لا تمتلك أدوات الدفاع عن نفسها تتحول بسرعة إلى مادة خام في خرائط الآخرين ، وإلى أرقام جديدة في نشرات اللجوء والمقابر الجماعية .
لذلك لم يكن ظهور قوة عسكرية كردية منظمة مجرد تفصيل أمني ،
بل تحول إلى مسألة وجود سياسي بالنسبة لقطاع واسع من الكرد .
صحيح أن الإدارة الذاتية ارتكبت أخطاء كبيرة ، وبعضها أخطاء بنيوية لا يمكن تجاهلها أو التخفيف من أثرها .
العقل الحزبي المغلق ،
وهيمنة الذهنية المريدية ،
وتضخم الخطاب الأيديولوجي ، كلها مشكلات حقيقية أضعفت التجربة وأدخلتها أحياناً في عزلة عن جزء من المجتمع الكردي نفسه .
بل إن بعض مسؤوليها تصرفوا وكأن التاريخ انتهى عند حدود الحزب ، وكأن المجتمع مجرد ملحق تنظيمي لا شريك سياسي .
لقد كان يفترض بالإدارة الذاتية ، بعد سنوات الحرب الطويلة ، أن تنتقل تدريجياً من منطق “التنظيم القائد” إلى منطق “المؤسسات الجامعة”.
والمجتمعات لا تُدار إلى الأبد بعقلية التعبئة الثورية ،
ولا يمكن بناء مشروع مستقر
عبر احتكار المجال السياسي أو تخوين المختلفين .
إذ لا يكفي أن تمتلك السلاح كي تحكم ، بل يجب أن تمتلك أيضاً القدرة على بناء الثقة المجتمعية ، وفتح المجال أمام الكفاءات والتكنوقراط والشخصيات المستقلة لتكون شريكة في صناعة القرار .
وهنا تحديداً تظهر المعضلة الكبرى : فالإدارة الذاتية تحولت مع الوقت إلى ضرورة سياسية للكرد ،
لكنها لم تنجح بالكامل بعد في التحول إلى نموذج سياسي مرن قادر على استيعاب التنوع الكردي والاجتماعي داخل مناطقه .
لكن ، وبرغم كل تلك الملاحظات ،
 يبقى السؤال الأكثر قسوة :
لو سقطت هذه التجربة ، ماذا سيبقى للكرد في سوريا ؟
هنا تبدأ المأساة الحقيقية .
فالذين يهاجمون الإدارة الذاتية ليل نهار ، بعضهم يتصرف بعقلية ذلك الرجل الذي يختلف مع سقف بيته ، فيقرر حرق المنزل كاملاً لإثبات اعتراضه على شكل النوافذ .
 والنتيجة أن الجميع يحترق ،
بينما يقف الجيران للتصفيق الأخلاقي على “حرية التعبير”.
لقد تحولت مناطق الإدارة الذاتية ، شئنا أم أبينا ، إلى آخر مساحة يمتلك فيها الكرد ثقلاً سياسياً وعسكرياً وإدارياً داخل سوريا .
وهذه حقيقة لا تلغي النقد ، لكنها تجعل أي خطاب عدمي أو تخويني نوعاً من الانتحار السياسي الجماعي .
المنطقة لا يحكمها الشعراء ولا دعاة السلام على شاشات الفضائيات ، بل تحكمها موازين القوة والمصالح والخوف .
ومن لا يمتلك قوة تحميه ، يتحول سريعاً إلى مادة في نشرات الأخبار أو إلى لاجئ يبحث عن خيمة جديدة على حدود العالم .
ولعل أكثر ما يثير السخرية السوداء ،
 أن بعض القوى التي تتهم الإدارة الذاتية بالشمولية ، لا تجد أي مشكلة في تلميع شخصيات وقوى أكثر تطرفاً وانغلاقاً ، فقط لأنها تتقن تغيير جلدها السياسي مثل السحالي المحترفة .
فهناك من انتقل خلال سنوات قليلة من البعث إلى الثورة ،
ومن الثورة إلى الإسلام السياسي ،
 ومن الإسلام السياسي إلى حضن الاستخبارات الإقليمية ، بسرعة تجعل الحرب نفسها غير قادرة على مواكبة تبدلاته الفكرية .
إنها كائنات سياسية لا تؤمن إلا بشيء واحد :
البقاء قرب الطبق الذي يحتوي الطعام أو الكرسي ، حتى وإن كان ملطخاً بدماء الشرفاء وآهات الأمهات وصور الشهداء المعلقة على الجدران .
وربما لهذا السبب يبدو بعض الخطاب السياسي السوري وكأنه يعاني حساسية مزمنة تجاه أي حضور كردي منظم .
فحين يتعلق الأمر بالكرد ،
يختفي فجأة حديث الديمقراطية والتعددية واللامركزية ،
 وتعود اللغة القديمة نفسها :
التخوين ، التخويف ، واتهام الضحية بأنها سبب المشكلة .
أما إقليمياً ، فالقصة أكثر تعقيداً .
 فتركيا لا ترى في أي كيان كردي منظم مجرد خطر أمني ، بل تهديداً رمزياً لفكرة الدولة القومية الصلبة نفسها .
ولذلك فإن الحرب على الإدارة الذاتية ليست فقط حرب حدود ،
 بل حرب سرديات ووجود وهوية .
ولهذا جرى استخدام كل شيء ضدها :
الحصار ، الإعلام ، الفصائل المسلحة ، العقوبات ، الاختراقات الأمنية ،
وحتى الخلافات الكردية ـ الكردية التي تحولت أحياناً إلى هدية مجانية لأعداء الجميع .
المشكلة أن الانقسام الكردي لم يعد مجرد خلاف سياسي طبيعي ، بل تحول في بعض الأحيان إلى حالة إنهاك جماعي تهدر ما تبقى من القوة الكردية داخل سوريا .
فبدلاً من بناء عقد سياسي كردي ـ كردي يقوم على الشراكة والتعددية واحترام الاختلاف ، استمر كثيرون في إدارة الخلاف بعقلية الإقصاء أو الثأر أو الانتظار على أبواب العواصم الإقليمية .
بينما الحقيقة الأكثر بساطة تقول :
لا يمكن لأي مشروع كردي أن يستمر إذا بقي الكرد أنفسهم عاجزين عن الاتفاق على الحد الأدنى من المصالح المشتركة .
أما الغرب ، فهو لا يدير المنطقة بمنطق الصداقة أصلاً .
فأمريكا وغيرها من القوى الكبرى تتعامل مع الفاعلين المحليين كأدوات مرحلية ضمن لعبة النفوذ الكبرى .
وحين تنتهي الوظيفة ، يبدأ البحث عن بدائل جديدة .
وهذه حقيقة يجب أن يفهمها الكرد جيداً :
 لا أحد في العالم يمنح الحقوق لشعب لأنه طيب أو مظلوم ،
بل لأن هذا الشعب يمتلك أوراق قوة تمنع تجاهله .
وهنا تصبح المشكلة الأساسية أمام الإدارة الذاتية :
كيف تتحول من “سلطة أمر واقع” إلى مشروع سياسي قابل للحياة التاريخية ؟
الشرعية العسكرية وحدها لا تكفي ، والخطاب الأيديولوجي وحده لا يبني مجتمعاً متماسكاً ، كما أن تخوين المختلفين أو احتكار الحقيقة القومية لا يصنعان مستقبلاً مستقراً .
إن أي مشروع كردي لا يستطيع أن يستمر بعقلية التنظيم المغلق ،
تماماً كما أن أي خطاب كردي عدمي يساهم في تحطيم آخر عناصر القوة المتبقية ، لا يخدم سوى مشاريع المحو الإقليمي .
ولهذا تبدو المرحلة الحالية شديدة الحساسية :
إما مراجعة سياسية حقيقية تُخرج الإدارة الذاتية من عقلية الحزب إلى عقلية الشراكة الوطنية والمجتمعية ، وإما استمرار الدوران داخل الحلقة نفسها حتى يتحول الإنجاز العسكري والسياسي إلى عبء داخلي .
إن مستقبل الإدارة الذاتية لن يتحدد فقط بقدرتها على الصمود العسكري ،
 بل بقدرتها على إنتاج نموذج سياسي أكثر انفتاحاً ومرونة .
نموذج يعترف بأن المجتمع أوسع من الحزب ، وأن القضية الكردية أكبر من أي تنظيم ،
وأن بناء المؤسسات الحقيقية يحتاج إلى الكفاءة بقدر حاجته إلى التضحيات .
فلا يمكن الحديث عن مشروع ديمقراطي دون توسيع هامش الحريات السياسية والإعلامية ،
ولا يمكن بناء شرعية طويلة الأمد دون فصل تدريجي بين الحزب والمؤسسات ، وإفساح المجال أمام الشخصيات الأكاديمية والتكنوقراطية والمستقلة للمشاركة الفعلية في الإدارة وصناعة القرار .
كما أن أي استقرار حقيقي في شمال وشرق سوريا يبقى مرتبطاً بقدرة الإدارة الذاتية على إعادة صياغة علاقتها مع العرب والسريان وبقية المكونات على أساس الشراكة السياسية لا مجرد التعايش الأمني .
والمجتمعات لا تبنى بالخوف المتبادل ،
 بل بعقد سياسي واضح يشعر الجميع داخله أنهم شركاء في الأرض والمصير .
وربما هنا تكمن المفارقة المؤلمة :
الكرد اليوم لا يملكون رفاهية الكراهية الكاملة للإدارة الذاتية ، كما لا يملكون رفاهية تقديسها .
إنهم عالقون بين خوفين :
الخوف من شمولية الداخل ،
والخوف من وحشية الخارج .
لكن بين الخوفين ، تبقى الحقيقة الأكثر قسوة :
حين يسقط الكرد من السياسة ،
 لا يجدهم أحد في التاريخ .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *