هل سيقومون بأنشاء حزب مسلح بديل كي تستمر تجارتهم؟؟؟
في خضم التحولات الجذرية التي تشهدها الساحة الكوردية، تبرز حقيقة صادمة ومُقلقة: هناك من يرفض فكرة إلقاء حزب العمال الكوردستاني للسلاح وبدء عملية سلمية، ليس حباً في المقاومة أو حفاظاً على القضية، بل خوفاً على “تجارة” طالما استنزفت دماء الشعب ومقدراته.
الواقع الجيوسياسي يفرض نفسه بقوة لا تقبل الجدل: من الوهم والخيال السياسي الاعتقاد بأن مجموعة كوردية مسلحة، تفتقر إلى التسليح المتقدم والدعم الاستراتيجي، يمكنها هزيمة آلة الحرب التركية. هذه هي نفس الآلة العسكرية التي تفرض رهبتها وهيمنتها الإقليمية حتى على قوى عظمى ودول إقليمية كأمريكا وإسرائيل وروسيا. والتاريخ الكوردي الحديث يشهد بمرارة أن الكفاح المسلح لم يجلب سوى الويلات، ووفر للعدو الذريعة المثالية والغطاء الدولي لتبرير عمليات الإبادة والتهجير، دون أن يحقق مكاسب استراتيجية حقيقية أو يغير من معادلة القهر شيئاً.
ذعر “تجار الحرب” وانسداد باب الرزق
هنا تكمن المأساة الحقيقية: هناك تيارات وأطراف تحاول جاهدة دفع بعض أجنحة الحزب لعدم الموافقة على نزع السلاح والتحول إلى حركة سلمية. هؤلاء لا يهمهم المصير الكوردي ولا الواقع الميداني، بل يهمهم فقط أن “باب الرزق” قد أُغلق في وجوههم.
لطالما تغذت هذه الأطراف على وجود “العدو المشترك”، وتاجرت بحركة حزب العمال العسكرية كورقة ضغط أو ذريعة لوجودها. فبمجرد إلقاء الحزب لسلاحه والتحول للعمل السياسي، ستفقد تركيا الحاجة إلى هذه الأحزاب الكوردية الهامشية التي كانت تُستخدم كأدوات توازن في المعادلة الأمنية. وبمعنى آخر، السلام يعني نهاية “تجارة” هؤلاء، وانكشاف زيفهم، وسقوطهم من الحسابات السياسية تماماً.
النضال المدني: الطريق الوحيد لكسر طوق “العمالة”
البديل العقلاني والوحيد هو العودة إلى النضال المدني والسياسي. هذا المسار هو الكفيل بجلب الوحدة المفقودة للشعب الكوردي، وهو الضمانة الوحيدة لتفكيك خطاب “العمالة” و”صناعة المخابرات” الذي طالما استخدمه المحتلون لتفكيك الصفوف.
عندما تتحول الأحزاب الكوردية إلى كيانات سياسية حقيقية تناضل بالوسائل المدنية والقانونية والدبلوماسية، سيظهر جلياً ومن دون رتوش: من هو المطالب الحقيقي بحقوق الشعب الكوردي، ومن هو مجرد “مقاول حرب” يتاجر بالقضية ويبيع الوهم. النضال المدني يجرّد العدو من ذرائعه، ويجبر العالم على التعامل مع المطالب الكوردية كقضية حقوقية وسياسية عادلة، لا كملف أمني إرهابي.
مظلوم عبدي و”ذعر فقدان الأهمية”
في هذا السياق بالضبط، يمكن فهم الاعتراضات والهجوم الموجه ضد مظلوم عبدي، وقبوله بمنصب “مستشار” وانخراطه في حوار سلمي مع دمشق وأنقرة. هذا الرفض ليس مبدئياً أو وطنياً، بل هو رد فعل غريزي لخوف هؤلاء من أن سياسة عبدي الحالية “تقطع أرزاقهم”.
فبمجرد أن تتعامل تركيا وسوريا مع عبدي والتيارات السياسية الكوردية بنفس الطريقة التي تتعامل بها مع الأحزاب السياسية العادية والاتفاقات المعترف بها، سيفقد هؤلاء “عملاء الصراع” أهميتهم وقيمتهم “العمالاتية” لدى أنقرة. لم تعد أنقرة بحاجة إلى وسطاء حرب، بل هي تبحث عن شركاء سياسيين مستقرين، وهذا التحول هو ما يهدد وجود من جعلوا من “الفوضى” مهنة ومن “الدم” تجارة.
خاتمة: المستقبل يُصنع بالعقل لا بالسلاح
إن التمسك بوهم الانتصار المسلح في مواجهة دولة إقليمية نووية هو انتحار سياسي ووجودي. المستقبل الكوردي لا يُصنع في الجبال أو عبر تجارة الدم، بل في صناديق الاقتراع، والمفاوضات المدنية، والوحدة الوطنية التي تجرد “تجار الصراع” من أدواتهم، وتضع القضية الكوردية في مسارها الطبيعي نحو الاعتراف الدستوري والحقوق المشروعة. ومن يعارض هذا التحول اليوم، فهو لا يعارض مظلوم عبدي فحسب، بل يعارض مستقبل الشعب الكوردي ذاته.

