معركة باب المندب: صمود اليمن يكسر الحصار الإمبريالي بقلم الناصر خشيني

مقدمة : في وقت تتهاوى فيه أوهام الاستقرار التي فرضتها العولمة الرأسمالية المتوحشة، ينهض اليمن من وسط الحصار والعدوان ليعيد صياغة خطوط الجغرافيا السياسية الدولية من بوابة البحر الأحمر ومضيق باب المندب. إن المعركة الراهنة ليست مجرد مواجهة عسكرية موضعية، بل هي انفجار ثوري يضع النظام الإمبريالي العالمي في مأزق بنيوي خانق، حيث تحولت السيطرة الميدانية المباشرة لقوى المقاومة الوطنية على المنافذ البحرية والجزر الإستراتيجية إلى مطرقة تسحق كبرياء الهيمنة الصهيو-أمريكية وتُهدد عصب الاقتصاد الرأسمالي المعولم. ومن رحم هذا المخاض الجيوسياسي، يبرز صمود الحاضنة الشعبية محلياً وعربياً كصخرة صماء تتحطم عليها مؤامرات التركيع، لتؤكد هذه الملحمة أن بحار العرب وأرضهم لن تكون بعد اليوم ممرات آمنة لنهب الثروات، بل ساحة لانتزاع السيادة الكاملة وفجراً جديداً يكتبه الثوار بسواعدهم الحرّة.

 

تتسارع الخطى الميدانية في جنوب البحر الأحمر ومضيق باب المندب لتضع الأمة العربية والعالم أجمع أمام منعطف تاريخي وجيوسياسي غير مسبوق. إن ما تشهده الساحة اليمنية والخطوط الملاحية الدولية في سبتمبر 2026 ليس مجرد جولة أخرى من الحرب الأهلية أو الصراعات الإقليمية بالوكالة، بل هو زلزال إستراتيجي يعيد رسم موازين القوى، ويضرب في العمق المنظومة الرأسمالية الإمبريالية التي طالما استغلت هذه الممرات الحيوية لنهب ثروات الشعوب وفرض الهيمنة الغربية لقرون طويلة.

1. زلزال باب المندب: الجغرافيا السياسية تقهر أدوات التبعية

لقد نجحت حركة أنصار الله في إحداث تحول دراماتيكي مفاجئ وخاطف عبر إحكام سيطرتها الميدانية المباشرة على مضيق باب المندب، والسيطرة على جزر إستراتيجية مثل ميون وحنيش الكبرى والصغرى، فضلاً عن سقوط ميناء المخا ومدينتي حيس والخوخة، والتمدد برياً في مديرية الوازعية وذوباب غربي محافظة تعز. هذا التقدم البري والبحري لا يمثل فقط انكساراً للقوى المحلية المدعومة من التحالف الإقليمي، بل يمثل إعلان جغرافيا سياسية جديدة تُمسك فيها قوة وطنية محلية بمفاتيح أحد أهم الشرايين الاقتصادية في العالم. إن هذا التحول ينهي عقوداً من الارتهان للقرار الخارجي، ويعيد رسم الخارطة الميدانية عبر فرض واقع عسكري جديد يجبر القوى الكبرى على إعادة حساباتها.

2. شريان الرأسمالية في قفص الاتهام: كيف يخنق البحر الأحمر أوهام العولمة؟

تثبت القراءة التقدمية والقومية للأحداث أن المنظومة الرأسمالية العالمية تعيش اليوم حالة من الاختناق الذاتي؛ فالأمن البحري الذي طالما تباهت الإمبريالية بحمايته لضمان تدفق ثروات الشعوب نحو العواصم الغربية، قد سقط كلياً. إن فرض الحظر الملاحي على السفن المرتبطة بالتحالف والشركات المتواطئة معه سينعكس كارثياً على مراكز النفوذ الرأسمالي من خلال:

التضخم الرأسمالي المتوحش وبؤس الطبقات الكادحة: مع قفز أسعار النفط والغاز إلى مستويات قياسية نتيجة التهديد المباشر لإمدادات الطاقة، لن تتوقف الآثار عند حدود البورصات العالمية، بل ستتحمل الطبقات الكادحة والعمالية في الغرب وفي دول الجنوب على حد سواء فاتورة هذا الارتفاع من قوت يومها، مما يعمق أزمة الرأسمالية الهيكلية ويسرع من انهيار نموذجها الاستهلاكي.

شلل خطوط الإمداد وموت “العولمة القسرية”: إن اضطرار أساطيل الشحن التجاري للالتفاف حول طريق رأس الرجاء الصالح يضيف أسابيع من الإبحار وملايين الدولارات في تكاليف الشحن والتأمين. هذا الأمر لا يعيق التجارة الدولية فحسب، بل يمثل إعلاناً رسمياً عن موت منظومة “الإنتاج في الوقت المحدد” التي فرضتها الشركات العابرة للقارات، مما يسرّع من تفتت السوق الرأسمالية الواحدة وولادة عالم متعدد الأقطاب والسيادات المشتركة.

3. ذعر في عواصم الإمبريالية: التخبط الغربي والرهانات الدولية الصاعدة

أحدث هذا التغيير الجذري على الأرض صدمة عنيفة في عواصم القرار الدولي، وتفاوتت ردود الفعل بين الذعر الاستعماري ومحاولات الاستثمار الجيوسياسي:

الولايات المتحدة والغرب الاستعماري (تخبط عسكري وسياسي): تحاول واشنطن وعواصم الغرب الرأسمالي إظهار القوة عبر تفعيل البوارج البحرية وتشديد مهام بعثة “أسبيدس” الأوروبية، لكنها تقف عاجزة ميدانياً. إن هذا الرد العسكري المتشنج والغارات الجوية المكثفة لا تهدف لحماية “الملاحة الدولية” كما يزعمون، بل تهدف إلى محاولة إنقاذ كبرياء الإمبريالية المهدور وحماية الأنظمة الوظيفية التابعة لها في المنطقة. إلا أن هذا التخبط يثبت أن السلاح التكنولوجي المتفوق يفقد فاعليته بالكامل أمام التلاحم الشعبي والإرادة القتالية الصلبة.

القوى الدولية الصاعدة (روسيا والصين – براغماتية المسافة الحذرة): تراقب بكين وموسكو هذا الانهيار التدريجي للنفوذ الأمريكي في البحار العربية بكثير من الارتياح الإستراتيجي، وإن كان بحذر اقتصادي. فالصين ترى في هذا التحول دليلاً إضافياً على ضرورة تسريع بناء “حزام الأطلسي والحرير” البري والبحري بعيداً عن الهيمنة الأمريكية المطلقة، بينما تجد روسيا في انشغال وتخبط الغرب في البحر الأحمر فرصة لتثبيت مواقفها في صراعها الأشمل ضد حلف الناتو، معتبرة أن هذه التطورات هي المسمار الأخير في نعش القطبية الواحدة.

الأمم المتحدة والمنظمات الدولية (أدوات الشرعية الزائفة): كالعادة، تكتفي هذه المنظمات بإصدار بيانات القلق والدعوة إلى “التهدئة وضمان حرية الملاحة”، محاوِلةً تغليف المصالح الرأسمالية الكبرى بلغة القانون الدولي. إنها ردود فعل منافقة تتجاهل جذور الصراع المتمثلة في سنوات العدوان والحصار على الشعب اليمني، ولا تتحرك إلا عندما تتضرر مصالح الشركات الاحتكارية الكبرى.

4. صخرة اليمن الصماء: الحاضنة الشعبية والوعي القومي يكسران الحصار

إن الإنجازات العسكرية والسياسية التي تحققت في البحر الأحمر لم تكن لتصمد أو تتبلور لولا وجود حاضنة شعبية صلبة على المستويين المحلي والقومي، تمثل عمقاً إستراتيجياً للمواجهة:

الصمود الأسطوري محلياً (اليمن العميق): على الصعيد المحلي، يعكس هذا الانتصار إرادة شعبية يمنية تأبى الانكسار أو المساومة على سيادتها. فرغم سنوات طويلة من الحصار الاقتصادي الخانق، والعدوان العسكري الممنهج، ومحاولات التجويع الرأسمالية لتركيع الإرادة اليمنية، أثبتت الجماهير الكادحة من عمال وفلاحين وقوى تقدمية في اليمن قدرة استثنائية على تحمل شظف العيش والالتفاف الكامل حول خيار المقاومة والسيادة الوطنية. إن هذا الصمود ليس مجرد حالة انفعالية، بل هو وعي مجتمعي عميق بأن كلفة الاستسلام تفوق بكثير كلفة المواجهة. لقد تحول الحصار، بفعل تلاحم الحاضنة الشعبية مع القوى المقاتلة على الأرض، من أداة ضغط استعمارية لكسر الإرادة إلى وقود دافع نحو الاعتماد على الذات وتطوير وتصنيع ترسانة عسكرية جبارة قادرة على قلب موازين القوى الإقليمية والدولية.

الالتفاف والوعي القومي عربياً: على الصعيد العربي، تلتقي هذه الملحمة مع تطلعات الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج، وهي الجماهير التي عانت طويلاً من سياسات الهوان والتطبيع والتبعية التي تمارسها الأنظمة الرجعية. إن الشارع العربي بنبضه القومي والتقدمي يرى في السيطرة اليمنية على منافذ البحر الأحمر استعادةً تاريخية لكرامة الأمة المستباحة، وتأكيداً عملياً على الحقيقة التي طالما غيبها الاستعمار: أن هذا البحر هو بحيرة عربية خالصة وعمق إستراتيجي للأمة يجب أن يُدار لخدمة قضاياها وتحررها، وليس ممراً آمناً لحلفاء الاستعمار والصهيونية. هذا التضامن الشعبي العربي العارم، الممتد عبر النخب الفكرية والجماهير الشعبية، يمثل حائط صد فكري وسياسي يفشل محاولات الإعلام الإمبريالي لتشويه نضال الشعب اليمني، ويعيد تصويب البوصلة نحو معركة التحرر القومي الشامل ضد الوجود الاستعماري في المنطقة.

خاتمة: نحو عالم جديد يكتبه الثوار

إن ردود الفعل الدولية المتخبطة والمآلات الاقتصادية المظلمة التي تنتظر النظام الرأسمالي العالمي تكشف بوضوح أن العالم يمر بمرحلة مخاض ثوري واقتصادي جديد. إن السيادة العربية والمحلية على مضيق باب المندب، المدعومة بصمود يمني أسطوري ووعي قومي متجذر، هي خطوة متقدمة نحو انتزاع الجغرافيا من براثن الهيمنة الصهيو-أمريكية والتبعية الإقليمية. ولن يفلح الحشد الاستعماري في تغيير حقيقة تاريخية متجددة: أن إرادة الشعوب الحرة هي التي تصنع القوانين في بحارها وأرضها، وأن فجر التحرر التقدمي العربي قد بدأ يشرق من بوابة البحر الأحمر ليعلن للعالم أن عهد الاملاءات قد ولى إلى غير رجعة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *