قَتْلُ الإِنْسَانِ… مَا أَعْظَمَهُ مِنْ ذَنْبٍ!- بقلم: صبيح الكعبي

{مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}

ليس هناك ذنبٌ أشدُّ وقراً على الضمير الإنساني من قتل إنسانٍ بغير حق؛ فالحياة هبةٌ إلهيةٌ سامية، وليس من حق أحدٍ أن يسلبها، مهما كانت الأسباب والدوافع والخلافات.

إنَّ جريمة قتل الضابط والمفوض، وإصابة آخرين أثناء تأديتهم الواجب، جَرِيرَةٌ شَنْعَاءُ بحق الإنسان والوطن، واجْتِرَاءٌ صريح على حرمة الدم والقانون، واستستهتار بالقيم والمشاعر الإنسانية، وخروجٌ صارخ عن المبادئ التي تربَّينا عليها، بما ينمُّ عن سلوكيات تقع خارج المنظومة الاجتماعية والدينية.

ومهما تسربل البعضُ بأعاليلَ وضغوطاتٍ معيشية أو نفسية أثقلت كاهل الجاني — من ديونٍ متراكمة، أو شعورٍ بالظلم، أو الوقوع ضحية نصبٍ واحتشال، أو خيانة عهد، أو هتك عِرض، أو اعتداء — فإنَّ أياً من هذه الذرائع لا يمكن أن ترتقي، بحالٍ من الأحوال، إلى تسويغ القتل والتمثيل بالإنسان، ولا أن تكون مبرراً لإزهاق روحٍ بريئة؛ فالظلم لا يُعالَج بظلم آخر، والجريمة لا تُعالَج بجريمة أكبر منها.

وما وقع مؤخراً في منطقة (الدورة)، وتحديداً في أراضي (كَرَّارَة) التي بُيعَت للمواطنين ضمن أوراق رسمية من قِبَل مستثمرين كما يدَّعون، يطرح أمام المتابع أسئلة عديدة، ويستوجب سَبْرَ أَغْوَارِ هذا الخرق الإداري والأمني، لكشف الحقيقة ناصعةً للرأي العام.

ومن هذه الأسئلة:

1.   كيف اسْتُثْمِرَت هذه الأرض، ووفق أي نظام وقانون؟

2.   ما مبلغ إيجارها السنوي؟

3.   مَن صاحبها الشرعي؟

4.   كم سنة مضت على عمر الاستثمار فيها؟

5.   هل يمتلك المستثمرون خرائط وموافقات وإجازات بناء؟

6.   مَن الجهة التي منحت إجازات البناء، ومَن المسؤول عنها؟

7.   كيف دخلت مواد البناء إلى المنطقة؟

8.   مَن المسؤول عن تعبيد شوارعها ورصف أرصفتها؟

9.   مَن المسؤول عن مدِّ أنابيب المياه الصالحة للشرب، ونصب أعمدة الكهرباء ومدِّ الأسلاك إليها؟

إنَّ من حق المواطن والمتابع أن يجد إجابات واضحة وحاسمة عن هذه الأسئلة، وألَّا تبقى الأمور معلَّقة في ثغرات إدارية مشهودة دون معرفة الحقيقة وتحديد المسؤوليات.

وهنا تبرز أسئلة أخرى لا تقل أهمية:

1.   القوة الأمنية الماسكة للأرض -التي لا تسمح بمرور الطير والهواء إليها إلا من خلال السيطرات المنصوبة لهذا الغرض- كيف سمحت بدخول مواد البناء، وسمحت للمواطنين بالمباشرة بالبناء؟

2.   ثم تأتي الحلقة المهمة في الموضوع، والتي تقع عليها مسؤولية مباشرة في هذا الخرق، وهي (بلدية الدورة) ممثلة بمديرها العام، وقسم الإجازات، وقسم التجاوزات، وقسم الماء، وقسم الطرق.

3.   صيانة كهرباء الدورة، ومسؤوليتها عن مدِّ الأعمدة والأسلاك والطاقة الكهربائية إليها.

4.   لجان المتابعة في أمانة بغداد، ابتداءً من معالي الأمين ووصولاً إلى أصغر موظف فيها، كلٌّ بحسب مسؤوليته واختصاصه.

5.   السادة أعضاء مجلس النواب العراقي ولجانه المختصة، ودورهم الرقابي في متابعة القضية وكشف ملابساتها.

إنَّ المطالبة المشروعة اليوم ليست اتهام جهة بعينها، وإنما إحرازُ الجَلاَءِ التام في القضية، ومعرفة الجناة، وتحديد المسؤوليات، ومحاسبة كل مَن تثبت إدانته أو تقصيره وفق القانون.

فما كان دمُ الإنسان يوماً متاعاً بخساً، ولا كانت أرواحُ حماة الوطن مجرد أرقام تُضاف إلى صحائف المحاضر والسجلات، كما أنَّ المواطن الذي دفع ماله واشترى أرضاً بوثائق رسمية من حقه أن يعرف حقيقة ما اشتراه، ومن أجاز له البناء، ومن سمح له بالخدمات، ومن يتحمل مسؤولية ما ترتب على ذلك.

إنَّ ما يُثار حول هذه الأرض من تجريف للأرض الزراعية، وتزوير، ونصب واحتيال على المواطنين -إنْ ثَبَتَ- يستوجب تحقيقاً جادّاً وشفافاً، بعيداً عن أروقة التسويف والمجاملات، حتى تظهر الحقيقة ويأخذ كل ذي حقٍّ حقه.

إنَّ كتاب السيدة (آيات) الموجَّه إلى بلدية الدورة مؤخراً ينمُّ عن متابعة ميدانية وحرص شديد، ولكنه جاء -للأسف- بعد فوات الأوان وذهاب النَّفَس.

وهنا نقول:

كم من جريمة كان يمكن منعها لو أُغْلِقَت أبواب التجاوز في وقتها!

وكم من روح كان يمكن أن تبقى بين أهلها لو قامت كل جهة بمسؤوليتها في الوقت المناسب!

إنَّنا لا نريد أن تتحول هذه القضية إلى مجرد خبر عابر ثم تُطوَى صفحته مع مرور الأيام؛ بل نريد حقيقة كاملة، وتحقيقاً ناجزاً، ومحاسبة عادلة، وإنصافاً للمواطن، وحماية لرجال الأمن وهم يؤدون واجبهم في خدمة الوطن.

فمتى ما تبددت المسؤولية وانفرط عقدُ المتابعة، انحسرت الحقيقة وتكررت المأساة؛ وإنّ أد وأدوات الداء التي تصيب الأُمَم هو “انثلام الحسّ” واعتياد المشهد الدامي حتى يمسي الخطبُ الجللُ أمراً مألوفاً.

رحم الله مَن فقدناهم، وشفى الجرحى، وحفظ أبناء قواتنا الأمنية، وجعل دماء الضحايا شاهداً على ضرورة إحقاق الحق، وكشف الحقيقة، ومنع تكرار مثل هذه المآسي.

ويبقى السؤال الأكبر: مَن يتحمل المسؤولية؟

إنَّ الجواب لا ينبغي أن يضيع في أروقة التخمين أو التَّنَصُّل وتبادل الاتهامات، بل يجب أن يخطَّه القانون بالدليل والتحقيق القطعي؛ فالحقيقةُ لا تسقط بالتقادم، والدمُ الذي أُرِيقَ أمانةٌ في أعناق الجميع، ولن يضيع حقٌ وراءه مطالب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *