تعقيب واضافة
عبد الرسول علي المندلاوي
تطرق الكاتب الدكتور قاسم ، في مقال رائع ، إلى جوانب عامة من حياة الشعب الكوردي ، وما تزخر به طبيعة كوردستان من خيرات وثروات ، كالمعادن الثمينة ، والزراعة الوافرة التي تزدهر بها سهولها وجبالها ، فضلًا عن شهرتها بالاصطياف والسياحة. وقبل هذا كله ، أشار إلى الثقافة العالية التي يتحلى بها شعبها ، إذ تشير كتب التاريخ إلى أن الكثير من العلماء والكتاب والفنانين والرياضيين الأبطال المشهورين في العالم ، تعود أصولهم الكريمة إلى الشعب الكوردي ، ومنهم أمير الشعراء أحمد شوقي .
لكن ما يبعث على الألم أن هذا الشعب الغني بثرواته وتاريخه وثقافته ، كان ولا يزال محرومًا من أبسط حقوقه ، وهي الحقوق التي كفلتها القوانين والدساتير الدولية والمنظمات الإنسانية . بل يكاد يكون الشعب الكوردي من أكثر شعوب العالم تعرضًا للحرمان من حقوقه القومية والإنسانية .
ولم تكتفِ الحكومات الشوفينية بحرمان الكورد من حقوقهم ، بل أصبحت مصدر عدوان وتهديد مستمرين على هذا الشعب العريق بتقاليده وثقافته وتاريخه . فقد غدت كوردستان ، بأجزائها المختلفة ، ساحة لاستخدام مختلف أنواع الأسلحة ، حتى المحرمة دوليًا ، على مرأى ومسمع من الذين يدّعون الدفاع عن حقوق الشعوب المظلومة ، من دون أن يحركوا ساكنًا تجاه هذا العدوان الصارخ ، إلا ما ندر
ولعل ما يثير الانتباه في مقال الدكتور قاسم المحترم ، رغم أهمية جميع النقاط التي تناولها، هو تعامل القوى الدولية مع القضية الكوردية وفقًا للمصالح السياسية التي تعود بالنفع والفائدة عليها ، بعيدًا عن المبادئ الإنسانية والعدالة وحقوق الشعوب .
ولنا أن نشير هنا إلى عدد من المواقف التاريخية ، ومنها موقف شاه إيران الذي تعهد بتقديم العون والمساعدة للكورد في مقاومتهم ضد نظام صدام حسين عام 1974، لكنه ما إن حصل على ما يريد من نظام صدام ، بموجب اتفاقية الجزائر المشؤومة ، حتى أوقف دعمه للحركة الكوردية، ليجد الكورد أنفسهم محاصرين من جميع الجبهات ، بعد أن كانوا قاب قوسين أو أدنى من دحر الجيش الصدامي .
ومن التجارب المريرة الأخرى ما حصل في جمهورية مهاباد الفتية ، بقيادة المناضل والقائد الكوردي محمد قاضي ، إذ تمت محاصرة الجمهورية من جميع الاتجاهات ، والقضاء عليها بعد أقل من سنة على إعلانها . ولا ننسى المواقف السوفيتية التي أدت إلى التخلي عنها ، في ظل الحسابات السياسية والمصالح الدولية آنذاك . وقد أُعدم القائد محمد قاضي ورفاقه في ميدان ( جوار جرا) بمدينة مهاباد، ليصبحوا رموزًا خالدة في تاريخ النضال الكوردي .
كما لا يمكن أن ننسى هجوم نظام صدام حسين على كوردستان في تسعينيات القرن الماضي ، وما رافقه من قتل وإعدامات وانتهاكات واسعة بحق الشعب الكوردي . وعلى الرغم من أن كوردستان كانت مشمولة بالحماية الجوية شمال خط العرض 36، بموجب قرارات دولية ، فإن الاعتداءات استمرت ، في ظل مواقف دولية متناقضة كشفت مرة أخرى أن المصالح السياسية كانت تتقدم على الاعتبارات الإنسانية .
إن هذه الوقائع وغيرها ، تمثل دلائل حقيقية ومؤلمة على أن قضية الشعب الكوردي كثيرًا ما خضعت لحسابات المصالح الدولية ، بعيدًا عن العدالة والإنصاف وحقوق الإنسان .
ومع ذلك ، فإن ما جرى من مؤامرات وخيانات وتخلٍّ دولي ، مهما تكرر، لا يمكن أن يلغي حق هذا الشعب في الحرية والكرامة وتقرير المصير . ويمكن إفشال الكثير من هذه المؤامرات حين يتخذ القادة الكورد قرارًا تاريخيًا يقوم على وحدة الصف والكلمة ، وهو ما يتمناه الشعب الكوردي ، ويتطلع إليه كل المخلصين لقضيته العادلة ..
وفي الختام ، أتقدم بالشكر والتقدير إلى الدكتور قاسم المندلاوي ، حفظه الله ، على اهتمامه المتواصل بقضية شعبه العادلة ، وعلى ما يقدمه من مقالات تسلط الضوء على تاريخ الكورد ونضالهم وحقوقهم المشروعة .

