تدخل قضية اللاجئين السوريين في أوروبا مرحلة جديدة، مع انتقال النقاش من سؤال «كيف تستقبل أوروبا السوريين؟» إلى سؤال أكثر حساسية: متى وكيف يعود السوريون إلى بلادهم؟
وفي قلب هذا التحول تقف ألمانيا، التي استقبلت العدد الأكبر من السوريين خلال موجة اللجوء التي شهدتها أوروبا منذ عام 2015، قبل أن تتحول اليوم إلى واحدة من أبرز الدول الدافعة باتجاه مراجعة أوضاعهم القانونية وتشجيع عودتهم إلى سوريا.
المستشار الألماني فريدريش ميرتس ذهب إلى أبعد من مجرد الحديث عن العودة الطوعية، عندما تحدث في مارس 2026 عن إمكانية عودة نحو 80% من السوريين الموجودين في ألمانيا خلال السنوات الثلاث المقبلة، في إشارة واضحة إلى أن ملف اللاجئين السوريين لم يعد في برلين قضية إنسانية فقط، وإنما أصبح ملفًا سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا بامتياز.
من «الحماية» إلى مراجعة الحماية
سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 غيّر المعادلة الأوروبية تجاه السوريين.
فخلال السنوات الماضية، كان الاضطهاد والحرب وعدم الاستقرار من أهم أسباب منح السوريين الحماية الدولية. أما بعد التغيير السياسي في دمشق، فقد بدأت الحكومات الأوروبية بإعادة تقييم السؤال الأساسي: هل ما زالت الأسباب التي منحت بسببها الحماية قائمة بالنسبة إلى كل سوري؟
والإجابة الأوروبية لم تعد واحدة.
فالاتحاد الأوروبي يؤكد أن الحماية الدولية يمكن مراجعتها أو إنهاؤها عندما تتغير الظروف التي أدت إلى منحها، لكن ذلك لا يعني تلقائيًا إسقاط الحماية عن جميع السوريين. فبعض الفئات، وفق التقييمات الأوروبية، ما زالت تواجه مخاطر محددة وقد تكون مؤهلة للحصول على الحماية.
وهنا تكمن أهمية المرحلة المقبلة: أوروبا لا تتعامل مع السوريين ككتلة واحدة، وإنما تتجه بصورة متزايدة إلى مراجعة الملفات فرديًا.
ألمانيا.. الاختبار الأكبر
ألمانيا هي الدولة الأكثر أهمية في هذه المعادلة، ليس فقط بسبب العدد الكبير من السوريين الذين يعيشون فيها، وإنما أيضًا بسبب صعود التيار اليميني المتشدد والضغط السياسي المتزايد على الحكومة في ملف الهجرة.
وجاءت الانتخابات الأخيرة في ولاية ساكسونيا أنهالت لتكشف حجم التحول السياسي، بعدما حقق حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف نحو 44% من الأصوات، في نتيجة تاريخية عززت الضغط على الأحزاب التقليدية لتشديد سياسات الهجرة واللجوء.
وهكذا أصبحت قضية إعادة السوريين جزءًا من معركة سياسية أكبر داخل ألمانيا: هل تستمر البلاد في استقبال اللاجئين وتقديم الدعم لهم، أم تنتقل إلى مرحلة جديدة تقوم على تشجيع العودة وإعادة من لم يعد يتمتع بأساس قانوني للبقاء؟
أرقام تكشف حجم التحول
التحول لا يظهر فقط في التصريحات السياسية.
فوفق بيانات يوروستات، انخفض عدد طلبات اللجوء السورية الجديدة في الاتحاد الأوروبي خلال عام 2025 بنحو 73% مقارنة بالعام السابق، إلى حوالي 40 ألف طلب، بعدما كانت سوريا لسنوات المصدر الأول لطالبي اللجوء في أوروبا.
وفي الوقت نفسه، شهدت أوروبا بالفعل موجة عودة واسعة للسوريين من دول الجوار، حيث تشير بيانات أوروبية وأممية إلى عودة أكثر من مليون سوري إلى بلادهم منذ سقوط نظام الأسد، وإن كانت غالبية هذه العودة جاءت من تركيا ولبنان والأردن وليس من أوروبا.
وهذا يضع الحكومات الأوروبية أمام سؤال جديد:
إذا كان مئات الآلاف من السوريين قد بدأوا بالفعل رحلة العودة من دول الجوار، فهل تنتقل المرحلة التالية إلى السوريين الموجودين في أوروبا؟
هل تكون ألمانيا البداية؟
الإجابة الأدق: ألمانيا ليست البداية المطلقة، لكنها قد تكون النموذج الأوروبي الأهم.
فالدنمارك سبقت ألمانيا منذ سنوات في مراجعة بعض إقامات السوريين، بينما اتجهت دول أخرى بعد سقوط الأسد إلى تعليق أو مراجعة إجراءات اللجوء المتعلقة بالسوريين.
لكن ألمانيا تختلف في حجمها وتأثيرها السياسي.
فإذا نجحت برلين في تنفيذ سياسة واسعة لإعادة السوريين، سواء عبر العودة الطوعية أو، في الحالات التي تسمح بها القوانين، عبر الترحيل، فقد تصبح التجربة الألمانية نموذجًا قابلًا للتكرار في دول أوروبية أخرى.
ويعزز هذا الاتجاه أن خمس دول أوروبية، هي ألمانيا والنمسا واليونان والدنمارك وهولندا، اتفقت في سبتمبر 2026 على العمل نحو إنشاء «مراكز عودة» خارج الاتحاد الأوروبي للمهاجرين الذين لا يملكون حقًا قانونيًا في البقاء، في تحول يعكس تشددًا أوسع في سياسة الهجرة الأوروبية.
العامل الاقتصادي يدخل على الخط
وراء الملف السياسي توجد أيضًا حسابات اقتصادية ومالية.
فالدول الأوروبية تواجه ضغوطًا متزايدة على الموازنات العامة، في وقت تتراجع فيه أعداد طلبات اللجوء من جهة، وتتزايد المطالب الشعبية بتوجيه الإنفاق إلى الصحة والإسكان والبنية التحتية والأمن من جهة أخرى.
وفي ألمانيا تحديدًا، أصبحت تكلفة سياسات اللجوء والهجرة جزءًا من النقاش العام والسياسي، بينما تتجه الحكومة إلى تشديد شروط الاستحقاق وإعادة النظر في بعض أوجه الدعم. وتُظهر البيانات أن مساعدات طالبي اللجوء خضعت بالفعل لتغييرات في 2026.
لكن من المهم التمييز بين تكلفة اللاجئين عمومًا وبين «ميزانية مخصصة للسوريين وحدهم»، إذ لا توجد قاعدة أوروبية واحدة تُظهر أن الإنفاق على السوريين تحديدًا أصبح السبب المباشر وراء سياسة العودة.
هل أصبحت سوريا آمنة بالكامل؟
هنا تكمن أكثر النقاط حساسية.
أوروبا باتت تنظر إلى سوريا بصورة مختلفة تمامًا عن السنوات التي كان فيها نظام الأسد يسيطر على البلاد، كما أن الاتحاد الأوروبي أقر بأن الظروف تغيرت بصورة جوهرية.
لكن هذا لا يعني أن سوريا أصبحت، وفق كل التقييمات، دولة آمنة بصورة مطلقة.
فالتقارير الأوروبية تشير إلى تحسن الوضع السياسي، لكنها تتحدث في الوقت نفسه عن استمرار العنف ومخاطر أمنية في بعض المناطق، إضافة إلى مخاطر خاصة تواجهها بعض الأقليات. ولذلك فإن الحديث عن «عودة آمنة» يجب أن يرتبط بالمنطقة والفئة والحالة الفردية، وليس بحكم شامل على جميع السوريين.
أوروبا أمام مرحلة جديدة
المؤكد أن أوروبا دخلت مرحلة مختلفة.
فبعد عقد كامل تقريبًا من سياسة استقبال السوريين، بدأت الأولوية تتحول تدريجيًا إلى مراجعة أوضاع الحماية، وتشجيع العودة الطوعية، وتشديد إجراءات الترحيل بالنسبة إلى من لا يملكون حقًا قانونيًا في الإقامة، وتقليل تدفقات اللجوء الجديدة.
ويأتي ذلك بالتزامن مع صعود الأحزاب اليمينية في عدد من الدول الأوروبية، وتحول الهجرة إلى واحدة من أكثر القضايا تأثيرًا في الانتخابات والسياسات الحكومية.
ولذلك فإن ما يحدث في ألمانيا لا يتعلق بالسوريين وحدهم.
إنه اختبار أوروبي أوسع:
هل تنتقل أوروبا من مرحلة «استقبال اللاجئين السوريين» إلى مرحلة «إعادة اللاجئين السوريين»؟
وإذا نجحت ألمانيا في تنفيذ خطتها، فقد لا يكون السؤال خلال السنوات المقبلة: هل سيعود السوريون؟
بل قد يصبح السؤال:
كم عددهم سيعود؟ ومتى؟ وإلى أي مناطق؟ وهل تتحول التجربة الألمانية إلى النموذج الذي تتبعه بقية أوروبا؟

