ديوان «من بعيد»، للشاعر سوران محمد

بطاقة تعريفية:

تنهض مجموعة «من بعيد…» على تجربة شعرية تتخذ من المسافة موقفًا للرؤية، ومن الغربة نافذةً للتأمل في الذات والعالم والذاكرة.
فالشاعر لا يقف بعيدًا عن الأشياء ليصفها، بل يبتعد عنها قليلًا كي يرى ما تخفيه من ندوب، وما يختبئ خلف ظواهرها من أسئلة الوجود والإنسان والمصير.
وتتشكّل القصائد في فضاء شعري متوتر، تتجاور فيه الحياة والموت، والنور والظلام، والحضور والغياب، والحب والخيانة، وكأن الوجود نفسه قائم على حافةٍ لا تستقر على يقين.
وتغدو الذات الشعرية في هذا السياق ذاتًا قلقةً ومتشظية، تبحث عن ملامحها في مرايا الذاكرة، وتعيد مساءلة علاقتها بالمكان والزمن والآخر، حتى يصبح الاغتراب حالةً داخلية قبل أن يكون جغرافيا للمنفى.
وتستحيل الطبيعة في المجموعة إلى لغة ثانية للروح؛ فالماء والورد والمطر والطير والنخيل والريح ليست عناصر للزينة، وإنما كائنات رمزية تنطق بما يعجز الإنسان عن قوله.
أما الحرب والخراب والسلطة والزيف، فتظهر لا باعتبارها وقائع عابرة، بل بوصفها قوىً تشوّه الذاكرة وتعيد تشكيل الوعي، وتترك في اللغة نفسها آثارًا تشبه آثار الجراح في الجسد.
وتتميز التجربة بكثافة الصورة الشعرية وتداخل الرمز بالتناص، وانفتاح النص على الفلسفة والعلم والتاريخ والأسطورة، فيتحول المعنى من حقيقة جاهزة إلى فضاء احتمالي يستدعي القارئ للمشاركة في إنتاج دلالته.
كما تتخذ الكتابة موقفًا أخلاقيًا وجماليًا في آنٍ واحد؛ فالشعر هنا ليس انعزالًا عن الواقع، وإنما محاولة لمقاومة النسيان والخراب، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من إنسانية الإنسان.
ومن خلال لغة تتأرجح بين البوح والتأمل والسرد والمفارقة، يشيّد الشاعر عالمًا تتكسر فيه الحدود بين الواقعي والمتخيل، وبين الخاص والعام، وبين الذاكرة الشخصية والجرح الجمعي.
ومن ثمّ، تبدو «من بعيد…» قصائدَ للبحث عن الضوء في قلب العتمة؛ إذ كلما بدا العالم أكثر انكسارًا، ازدادت الكتابة إصرارًا على أن تمنح الخراب معنى، وأن تجعل من الشعر ذاكرةً تقاوم الموت.

 

من بعيد…

 

سوران محمد

1

(مروءة)

 

كم هي جذابةٌ رائحةُ القرنفل!

تستيقظ وهي تمسح قطراتِ بكاءِ السماءِ
عن خدِّها،

وليس بوسعها العيشُ
في روضتين معًا،

ولكنها أينما وُجدت،
تفوح منها رائحةُ الحياة.

عندما توازي كيمياءُ الجسد
الإيقاعَ الكونيَّ،

وتدور الكتلُ منسجمةً
في مدارٍ آمن،

تُسدل السعادةُ ظلالَها على الوجود،

كلاعبِ سيركٍ
يزيّن الوجه،
ويحتل الكيانَ طولًا وعرضًا،
وربما أكثر…

فهذه موسيقى الجاز؛
نسبةٌ توافقيةٌ
كاثنين وعشرين على سبعة،

لا يمكنها تحمّلَ أي انحراف،
وإلا فإن السعادةَ ستختفي فجأة.

هكذا تلتقي الطفولةُ
في بيجامةٍ مخططة،
على رأس حيٍّ خالٍ،

وتصافح الشيخوخة

هل يتعرّف بعضهم إلى بعض؟

اكتب بخطٍّ عريضٍ على غلاف
دفتر الرياضيات:

لا تنخدع بعدُ
بضجيج أضواء الصباحات الناعمة،

فلربما تتذكّر في نهاية المشوار
ذاك المساء الرمادي
الذي نظرتَ فيه إلى ابتسامة وجهٍ متجعّد
لشمسٍ غدت صفراءَ خافتة،

ثم عبرتَ من شوارع ضيقة
لليلٍ حالك،

مفزوعًا نحو محطة فجرٍ قديم،

دون النظر إلى الوراء،

وقد انصدمت!

يا لها من أزهارٍ منفتحة!

هذا الربيع الكاذب
ليس لك حظٌّ فيه
إلا مشاهدةً عابرة،

ولا يزال قطار الزمن يسير،
وسيتركك في الوراء مهرولًا،

ناهيك عن انتظار
بتلةٍ متساقطة
تخطئ الطريق

وتنمو على صدرك!

ما هذه الشاشة،
العينُ المستشعرة؟

تمر عبرها الجمرات الخبيثة،
والأشباح المقززة،
وسرّاق الطرق،

كلهم معًا
يودّون الاستيلاء على

كرسي هذا القصر المغلق.

بعضها مدمّرة،
والبعض الآخر
كدودةٍ مساخة.

لاداع ان ترفع رأسك وتبصر؟

عناصر الحداثة المعكوسة،
و أنياب وجوهٍ غير مستكشفة؟

 

2

 (مختفي)

 

بالبكاء
وُلدتُ،

وهم ضحكوا.

لقد كبرتُ
ومارستُ الحبَّ،

ولم تكن تبالي.

سرعان ما أتى شبيهُك،

وسوف تتكرر قصتُك…

في حفل زفافه
ضحك الجميع.

تركتَهم خاطفًا
بابتسامةٍ خفية،

وهم يبكون.

هذا ما احتواه
سرُّ مثلث الأضلاع:

فلسفةُ الحياة.

 

 

3

(لا تمش)

 

رغم كل ما يحدث،
أنك لم تغادر بعد،
ما زلت في بدايات الوصول.

إنهم يكررون أنفسهم دائمًا-
في الذاكرة.

الضحك والدموع و…

ماذا عنك؟

هذه المتاهات،
شرر الدنيا السطحي وكفى،
سرعان ما تجرّنا إلى مستنقع
الغرق الكثيف.

زوبعة
تبقينا بعيدًا
عن ضفاف الطمأنينة،

عاصفة متحركة
تبددنا في سهول الاضطراب.

لا شعر
يهدئ من روعة هذا العصر،
باستثناء لطف مفقود،
أو دموع سحب صادقة
في جمل كان…

زمهرير ذات بينكم.

تحت أشجار اللوز،
يشحذون الخناجر،
وتلك المشاعر في الغبار
تبدو وكأنها شاهد قبر من بعيد…

ماذا عسانا أن نفعل
فجأة،
مع وميض قصير
بين جنبات سحب شاحبة؟

يقهقهون
ينسون ظلال الكوابيس الآتية،

وعن طريق خلق سعادة زائفة
يجهلون طوفان الحقائق المريرة
القادمة من الأفق.

من يثق بابتسامة الظالم؟

باستثناء الأقنعة المستعارة،
تتكدس في الضباب،
ولا يبقى إلا الوجوه الحقيقية،

بلا ابتسامة،
دون التلفظ بحرف،
ودون النظر…

مع انحناءة رأس
يغادرون،
ولا يودون النظر
من جديد.

 

4

  (أربعة ـ أن)

 

في البداية كان نسيمًا،

تلك الصاعقة المجنونة
التي أرادت الليلة الماضية
اجتثاث الأبواب من الأُطُر،
كي لا تنسى القلوبُ الانسداد،
دون أن تعرف
بأن الحب والوفاء والإنسان
أصبحوا مثلث برمودا.

 

في البدء، كانت دمعة صغيرة،

تلك العاصفة الصيفية المجنونة
دمّرت أكواخ الثقة،
وانطفأت فوانيس البصر والبصيرة.

إذًا، من أي اتجاه
ستعود طاقة الضياء
إلى مدينة الروح العتيقة،
وقد انكسرت أعمدتها
برهةً من الزمن؟

لم يبقَ شيء للقول،
بعد قول الشاعر:

“إذا يَسْكَرْ أهلُهُ لم أَلُمْهُ”.

إذًا، لم تمرّ من هنا،
وترى الموت طالعًا رأسُه
من شباك آخر طابق
في بناية المعرفة،
وهو يدعو المسافرين، واحدًا تلو الآخر،
لتقبيل رأسه.

كان لونه أزرق داكنًا،
كلون السماء،

ذاك الصديق
الذي أبى أن يرتدي قمصان هذا الموسم.

غادر عاريًا،
وحقيبة العمر محمولةً
على كتفه.

 

في البداية كان ضوء مصباح،

هذا البرق الغاضب!

حرق حقول الكرم
الجافة والرطبة معًا،
لقد دمّر مروج المعارف.

إذًا، إلى أين تعود أصول هذه الخربة المظلمة
إلى نسل النور؟

وساعاتها خاطئة،
وتقاويمها غريبة عن ذاكرتك،

في حين أن نرجس العمر القصير
جالسٌ في مزهرية أمام مرآة
غرفة النوم،

ينظر إلى نفسه
ولا يرى شيئًا!

 

¹ محوي: شاعر عرفاني، 1830.

 

5   

 (ت ر / و ث)

 

رغبةٌ مجنونة في العيش
تقول: اكتب.

دع الذئاب
ينتظرن سفك قطرة دمك الأولى،
دع أنيابها تسطع
إلى أن يتجمّد دفء روحٍ ملتهبة
في آخر ليلة الموت القارسة.

هذا مصنوع من رماد الميتافيزيقا،
والآخر نفخةٌ من الميتافيزيكا،
بينما عبّأت الأكاذيب
شرايين المدينة مدى البصر.

لا أعرف
إذا كان رامبو التاجر آنذاك
قرأ الشعر أم لا.

ولكن، لحماية القبيلة من النمور،
اقترح الشعرَ لأميرهم
بدلًا من الأسلحة.

وهنا يعود التجار
من شارع الموت
بهذه العملة القديمة!

++

رغبةٌ مجنونة في العيش
تدفعك نحو الازدحام..
وتفاهات الظلام
تسترجع خطواتك إلى الوراء.

ارجع، أيها الطائر المستاء،
هناك، على شجر السرو المرتفع،
عشٌّ متبقٍّ
مليء بالإيمان والثقة.

أيها الشاعر المصدوم،
ماذا ستكتب هاهنا،
ولا أحد يمرّ بديوان الشعر؟

مستمرون في المضي قدمًا،
ولا يصلون إلى أي مكان.

من أربيل إلى بغداد،
أو من بغداد إلى أربيل،
هنالك عشرات من الجزر المرجانية
تظهر وتختفي
دون أن يعيش فيها مخلوق،
مثل شجرة برتقال لوركا الأجرد.

++

رغبةٌ مجنونة
تجعلك تكتب
لتبدّل الأوضاع المتعاكسة،
للانقطاع عن صمت الغرف المقفلة،
أو لتهدئة الحشود الفارغة!

ظلُّ ذات قلم
يظهر من أزقة ضيقة،
ودود، متواضع، مستقبلي،
يجمع كل الكلمات المجزأة
على الشوارع العامة.

استمعوا إلى تلك النغمة الهادئة،
يشرق الأمل في قلوبكم،
وينعكس ضوؤها
على التواقيت الصحيحة…

لا أعرف،
هل يتعرّف أحدٌ إلى شيء
من هذه الموسيقى الهادئة؟..

أيها الشاعر المبدع!
لا تنسَ أحاديث القلوب الصادقة،
هي وحدها لا تعرف
لغة الخداع والخيانة.

++

لن نستطيع إيقاف ثانية واحدة
من الأيام.

إذًا، كيف تنتظر الحياة
حصاد رغباتنا اللامتناهية؟

في الليل نمتزج مع حلم
بعيدًا عن النهار.

نسقط من المرتفعات باستمرار،
أو مع الطيور المغرّدة، وئامًا.

إلى متى صولجان صراعات عمياء
يستنزف طاقات النفوس؟

وما تزال
رغبةٌ مجنونة في العيش
تقول لك:

اكتب،
لا يزال هناك الكثير لقوله.

 

6

(الانفصال عن الذات)

 

الوقت يشبه الشريط المطاطي،
ينكمش ويتمدد أحيانًا.

تشعر بقوة الجذب في الدماغ،
والوجود…
والضياع.

كقشعريرة ليالي الحُمّى،
يمتد إلى أقصى الحدود،
وتعظم الجمجمة بحجم الكون،
ثم تصغر تدريجيًا،
وفي النهاية
يبقى منها حجم بيضة.

إلى أين تذهب؟

والعين تنظر إلى الروح،
لا تستطيع أن تخبرها
إلى أين ستذهب…

المشي أصبح تلك الجنية
التي لم تكن تعرف كيف تسبح،
ومع ذلك عبرت المحيطات وحيدة،
وقطعت الجبال في لمح البصر،
مرورًا بصحارٍ قاحلة،
دون الغرق في الرمل الساخن.

ولو أنك رجعت إلى طفولتك،
ما تزال تصاحبك،
وكلما تتذكر،
لم تتركك،
متلاصقةً بك كيدك اليمنى…

لحظة وصولك إلى المبتغى
استرجعتك،
وجعلتك تحلم مع الرؤساء،
ولم تتركك تتنفس الصعداء.

بعد طول انتظار،
وتعب من التكرار،
يأتي الخريف ويغطينا بالثلوج،
وفي الربيع تتفتح الزهور،
وكأنها لم تعذّب قرصًا.

وبنات الرعد، كالياقوت أو النوارس،
لن يهبطن على غصن
كي تستلم منهن رسالة
وتأخذها إلى مدينة غارقة
في النفايات.

يصيبك هذيان وحيرة،
وكأنك شممت
رائحة تفاح حلبجة الزائفة.

لحظة البعد عن الذات
نحو عالم الأشباح،
تأتيك في صورة فشل
ما بعد كل الخيبة،
مستيقظةً مع كل حركة،
تسحبك إلى باحات سجن الحياة.

على الوجه،
الصراخ هو فقط لسرد القصص،
وإلا فإنه لا ينفع شيئًا.

فقد قال «قانع»¹:

“انتقم الله من مسبّبي-
الذي لم يسمح لي أن أكون
نجارًا وإسكافيًا أو صانعَ لبوس”…

وأخيرًا،
إن الحروب والسلام
كثيرٌ منها كانت للحياة،
والقليل جدًا منها للموت،
لكن النتيجة عكسية.

ولكي نجعل أنفسنا سعداء،
حفرنا على خشبة نعش الحياة:
الأمل.

ولكن سرعان ما غطاها الغبار
عندما تركونا الأصدقاء،
في منتصف الطريق

وحيدين.

….

¹ قانع: شاعر المضطهدين، 1898.

 

7

(المصراع)

 

مذ أمدٍ بعيد، والمصراع
يستدير.

لقد التبس عليه عمره الآن،
مع كل دورة،
وانتهاء حقبة،
يذهب أبعد
إلى ما هو خارج الزمن.

 

هنالك العديد من حركات الدوران.

تتباطأ في قمة السرعة،
ثم تموت…
كالصيف بعد أورجازمه،
يتنزّل من جبل الخريف مسرعًا.

فتزل قدمه عند صخرة،
ثم يصبح ريشة
تلعب بها رياح الأفق.

 

وهكذا تقول كل مرة:

هذه آخر قصيدة أكتبها،
وسوف أفك هذا الطوق حول العنق.

لكنه سابق لأوانه.

ما زالت قضايا الوجود
تتحرّش بالشعر،
تلك القصائد التي
تغضب كراسي الأغلبية،

فيتدفق مزيد من الدم
في العيون الحمراء للرأسمالية
القابعة في أحضان الديمقراطية،

مع أن الشعر
لا يحرّك أحدًا ساكنا
هذا الزمن…

 

تهاجم الغربة الشاعر
من كل الأماكن
وفي كل الاتجاهات.

وحتى كلمة “الغربة”
تبدو لا تعني لغربة الشاعر شيئًا،
لأنها عاجزة عن تحديد
الكمّ والنوع والكيفية
مع الأسباب!

تمامًا مثل دوران المصراع:

لا نعرف كم،
ومتى،
وكيف؟

ألقته الأيادي أرضًا…

ولو أنه دومًا
كان يدور بالاتجاه نفسه،
اتجاه أجرام السماء،

مع وجود ظله الخفيف،
وقد امتزج نفثه
مع إيقاع خرير الماء
وتغاريد العصافير،

لكن، مع كل هذا،
لقد امتلأت نفسه المنكسرة
ملء الكون حزنًا.

 

تأوهات الحق
وضحكة الأبله،
عزلة شاردة،
وحشود فارغة…

يتحولون إلى جلادين متوحشين.

في أحلام الشروق
يرمون الروح بأسلحة فتاكة
ويقتلونها،

ثم تنهض تارةً أخرى،
وتحدّق في آخر دورة للمصراع
حين تستكنّ.

 

ملاحظة:
المصراع أو الدوامة: لعبة يتخذها الصبيان، وهي قطعة من الخشب مخروطية الشكل، تشبه الكمثرى، مفلطحة أحد طرفيها وحادة الطرف الآخر. العراقيون يسمونها «المصراع»، وهي تصحيف «المرصاع» بتقديم الصاد على الراء. والكلمة اسم آلة مشتقة من «رصع الشيء»: إذا ضربه بيده.

 

  8   

(عندما يموت شاعر)

 

عندما يموت شاعر،

يختفي سربٌ من الطيور البيضاء
داخل الغيوم،
والغسق النعسان، وحيدًا،
يحمل جثة الليل على كتفه.

 

لن تُنكّس الأعلام،
ولن يُعزف النشيد الوطني.

سيصبح الشاعر رمزًا
في آخر مقطع من قصيدة،
دون أن يجتاز القرّاء
هذه العتبة.

 

عندما يموت شاعر،

تشتعل حربٌ جديدة،
وترتبك الخطوات فتتعثر.

لا ترغب العنق
في حمل رأسك المثقل.

عندما ترى
فراشةَ روح شاعر
تشعّ باهتةً
داخل أشعة غروب برتقالية،
على خطى دودة القز.

 

9

(طقوس الاغتراب)

 

أسمع خشخشة النعال
تهرول ورائي.

ترى، من هو؟
من سلك معي طريق الفراق؟

ألتفت وأتحدّق،
فلا أرى سوى
وريقاتٍ يابسة
تبحث عن قدرها
بعد توديع الأشجار.

 

الأشجار صامتة،
والأرصفة مجمّدة،
والشوارع خالية.

في حيرةٍ تتساءل:
أين ستودّعنا
هذه السبل الضيقة؟

 

والكل على وتيرة
الأشجار الصمّاء،
غرقى في التأمل،

إلا تلك الوردة البنفسجية
على مدار الفصول،
تبتسم لهمهمة النحل
ولا تأبه بالموت.

 

إنها أملٌ
لا تزال تسري في عروقها
الحياة.

 

10

(وجوه الذكريات)

 

بينك وبين الأيام الخوالي
جدارٌ على وشك الانهيار.

ترى من خلاله
أرواحَ الأسْوِجةِ المجتثّة
التي لم تصمد
أمام رعونة الراعي المتهوّر.

هنالك لا ترى
سوى قطًا حزينًا متحيّرًا
يبحث عن الماء
دون جدوى!

 

تعصف الفصول بألاعيبها
نحو السهول الجرداء،
وقد أومأت الأيام المتعبة برأسها
لمنحدرات ضيقة جبلية،
دون انتهاء،
إلى أن غرق النهار
في عتمة الليل الحالك
مستسلمًا.

فلا نغمة تُسمع
من العندليب المختبئ
بين أوراق شجر الجوز
المجروح الساق،
على هذه الخربة النائية!

 

كان الأمس فراشة
لم تتلقّن لغة الآلام.

تعلّمت دروس المحبة
من ضوء الشمعة.

عشق القبلة،
أطارتها…

فأحرقها اللهيب؟!

حيث أصبحت دخنةً بيضاء
غطّت وجوه الذكريات.

 

11

(أجزاء مبعثرة للذات)

 

للغربة مقام،
وللوحدة مقام.

تستولي على الروح قبل الجسد،
نظرة أفقية في الآفاق،
ونظرة عمودية إلى الأعماق.

يكفيك التمعّن في قراءة الأبراج!

هو ذا أنت:
تدور حول العالم
دون كلأ،
والنجوم من حولك بلا حراك.

متى تفيق
من هذه الهجعة العبثية؟

وكأنما تحلم بمفقود
دون الازدراء،
وكل هذه الأسماء المتشابهة؟

لا تعرف منها أحدًا،
فتلقي السلام على الذكريات،
مع قبلة الوداع،
لا يفهمها إلا الأموات.

أيها الغرباء!
هل تتيقنون قواعد الأصقاع؟

حينما يستيقظ الفجر
من جوف الليل،
تنتظر العصافير من إشراقاتها… هبة،
وليس في خاطرها
وجهة أو لقاء…

أين تغادر،
مع كل هذا الود بين جنباتك،
والعالم ينطوي على ذاته،
يتمادى في الشقاء،
ويبتعد بعضه عن بعض:

شروخًا،
وثغورًا،
واستعلاءً.

 

12

 (سبعة أيام الشعر)

 

1 ــ

مررت تحت زخات المطر
نصب عينيك،
لم تكن تراني!

أيها المكان،
لقد كنت تسمع
خفق النعال!

**

2 ــ ضجيج

عندما يغشى الليل
الأبطال الحقيقيين
بلحاف السكينة،
تتناثر أضواء الشمس
مع صباح جديد،
بضجيج أبطال مزيفين…

**

3 ــ الوعي

اخلعوا تلك الأجنحة.

لا حاجة
للتحليق إلى ذلك العالم
ورؤية كل هذه الأشباح
خلف ستائر
الوجوه!

**

4 ــ أربعون فما فوق

انتبه،
أيها الأربعون فما فوق!

رامبو: 37
آلان بو: 41
كافكا: 43
بودلير: 46

عاشوا فقط!

**

5 ــ ؟

قالت:

“كل ليلة
يرفعني ويرميني
مارد”.

لكنك كنت طفلًا،
لم تكن تفهم حينها.

**

6 ــ منطق الطير

قد طارت القماري بعيدًا
من جور الفصول.

رأيت إحداهن اليوم
على طريق الغربة،
وكأنها هي التي
كانت تهبط كل صباح
على شبابيك القلب المنكسرة،
وتغرد لي بسجعها
أنشودة الاغتراب!

**

7 ــ وصية الكَهْدَل

قال لي الكَهْدَل يومًا:

اكتب ـ شاعرًا،
ولا تعش ـ شاعرًا،
وإلا،
كيف تتحمل قساوة الأحباب
وخيانة الأصحاب؟

آه… وا أسفاه!

 

عندما هبّ نسيم الشعر،
نسيت غلظة الأعاصير.

 

13

 (شيزوفرينيا الطواطم)

 

آن الأوان
لتخطّي حاجز
الخمسين + واحد.

وإذ حالف الحظُّ الشركسي،
يصبح المختلُّ علمًا،
والمشاكسُ بيدقًا.

أما الشاهين،
فيهبط من برجه العاجي،
فيبدّل السماءَ أرضًا
للتونس بالسنجاب المجروح.

وهكذا
ديدن العشّاق:

لو اضطرب الحال،
لا يبقى معنى للمحال.

وقد قاله السمعان¹:

الدهر يومان:
يومٌ مشيٌ مع الدواب،
وليلُ طائرٍ مع الإِجْنان.

ولو تغيّرت دفة الأحوال،
لربما قالوا:

لقد كتب التاريخ دمًا،
لكنه قد غدره الرفاق
أو الزمان!

هيهات هيهات لهذا الندال²:
خربشةٌ عند البعض،
وعلى صدور الآخرين
شارةٌ أو ميدال³.

طورًا بعد طور،
ردفًا،
إلى أن تكتب الحضارة
بقلم كهل ختامًا،
ولا يرجع الوشق الهائج دومًا
محمّر الأنياب.

لكن السدود خارج الأمصار
تغيّر جغرافيا الأنداد،
وتبعثر خرائط الكهّان.

بل التذمّر
لعنةٌ تتنزّل على الأصقاع.

لا جمود يعكّر صفو
الأحباب،
بل زيفٌ
يظهر بطلان الأرباب.

هكذا يهرول العالم
نحو جهلٍ معمّم،
وقلّما يُصغى
لنداء وجدانٍ مكمّم.

 

¹ النواس بن سمعان.
² الندال: من الجذر «دال»؛ دالَ، يدول، دولة. «دال الدهر بعد عزّ»: دار، وانقلب، وانتقل من حال إلى حال. «دالت دولة الاستبداد».
³ ميداليا ـ ميدال.

 

14

(رباطة جأش النخيل)

 

أواه…
هذا التشرين الرمادي.

صاح السنونو بوترٍ خافت
في زقاقٍ صاخب:

لا أريد أن أغرق معكم
في غروبٍ سرمدي.

هناك،
عند مساءاتكم الطويلة الباردة،
نداءٌ لم يفهمه
إلا الحلزونات الصغيرة!

برودةٌ على وجوه المارّة،
وخلف الأبواب المقفلة.

يا حبّذا لو تُفتح
شبابيك الشعر.

سرعان ما يطير إلى عشّه،
خائفًا متحيّرًا:

هل تذكرون أنفاق المدينة المظلمة،
المكسوّة بالطحالب منذ عهود؟

تطير الخفافيش
فوق رؤوس ساكنيها
ليلًا،

بينما ترفرف طيور الأماني
فوق باحات القصور
بلا هوادة نهارا،
تحميها صناديد كرتونية.

أواصل بقارب الزمن
نحو جزرٍ خاوية.

لا شيء فيها
يشبه صور الذاكرة.

كل الطرقات تؤدي
إلى نقطة الصفر.

لا الملامح،
ولا الشخصيات
تشبه أصولها.

هل تتعرّف على نفسك
بين تلك الحشود؟

هنالك، من دون رأس،
يغازل الشمس لطول غيابها،
وهناك، من دون قلب،
يودّ العودة إلى أيام الخوالي،
علّه يستعيد فيها
رتم أنفاسه الهادئة.

لكن الماضي مُحي من الوجود.

هذه هي فصول
مسارح الغياب الدرامي:

تحوير وتقلبات،
وشهادات بلا توقيع،
سفر متردّد،
ورحلة دون تحضير،
أو مدّ وجزر الصراعات
قد تحدث مرة في الحياة،
وانعطافة بلا ترجيع.

هلّا أصغيتم إلى نداء السنونو الطليق؟

أم ما زال اليقين
أضغاث أحلام
وأحاديث نفس ملتوية،
تغتال وتهين؟

 

15

(سموم الحب القاتلة)

 

-1-

رقصة الزرازير

…………….

اجمعوا من البديع في أشعاركم،
فلعلّ فصله على مشارف الانتهاء،
كما للرمان والتين والشمّام
خريفٌ وانقضاء.

 

متدنيةٌ سحبٌ تمرّ
فوق هضاب العناوين،
كأنها تودّ تقبيل الوداع.

وقد جابت البيوت الخاوية
والبساتين المهجورة،
دون أن تشقّ السماء برعدها،
أو تأتي بأنباء غدها،
كأمّ تجزم بآخر لقاء
لفلذة كبدها،
وتكتم أنفاسها
مع نبوءة موتها.

 

يا امرأةً سومرية،
ظللتِ الطريق إلينا.

ما زال تنورك دافئًا،
ورائحة الرغيف
تنبعث من روحك.

أين تستديرين
والاتجاهات كلها دائرية؟

هل تلتفتين إلى جواميسك النافقة؟
أم أسوار بيوتك الملغّمة؟
أم لوحة سمائك الرمادية؟
أم تستكملين آخر كلمة
كتبها لأحفاده-
جنديٌّ مجهول في ساتره،
قبل أن يخرّ صريعًا
على تلال خربتك؟

 

هو ذا قدر الأرامل:

يسترددن حبّ العذارى
دون الوقوع في آبار ضحلة،
بدايتها ابتسامة وارتواء،
ونهايتها الانزلاق
في طينة الأنسال.

انهضي بمشيئة الغفران.

لا تخدعنكِ رقصة الزرازير،
وجوفك أنقى وأطيب
من ورد الزعفران.

هكذا ألمح الفجر
في إشراقات أفقه،
وصفاء الدجى
يتشعشع في سمائها بدران.

***

-2 –

اللامكان

………………..

في اللامكان،
صباحٌ باكر.

لا يصل الصوت لأحد.

ينسى الديك الصياح،
وتنسى قناة «تي. في»
أن تذيع خبر الانقلاب على المكان،

ريثما تخلع الحلزونات
أغطيتها
وتعطي معنى آخر للصمت.

 

في هذا اللامكان،
يومًا بعد يوم،
تزداد تشققات الجدران،
ويصبح الشرخ أكبر…

 

في الجزر،
الفزّاعة غريبة عن وطنها.

أصبحت ظلال بستاني خامل،
وهي تحرس موسمًا جديدًا.

المكان!
والذي لا يتضمن مساحة كل شيء.

أيان للشعراء
أن يتحمّلوا رحلة الشمال والجنوب؟

لم تكن تعلم
أنه سيأتي يوم
ينتحر فيه الشعراء كلهم تباعًا،
تنديدًا بوحشية الريح،
وغفوة أغصان الزيتون العالية.

واحدًا تلو الآخر
سوف يصابون بالجنون.

 

إذا كان هناك شيء في الداخل
يقول: أسرع،
ثم هنالك أشياء في الخارج
تقيّد أطراف الأيام.

لا تقلق.

لا يوجد شيء سوى
ضجيج بوق تذروه الرياح
بيد فزّاعة الحقول المهجورة.

طيّرت النوم عن عيون القمر،
أو كسراب شمس عديم الرحمة
تلفّه مساءات برتقالية
تحت سترته ويخفيه.

 

في هذا اللامكان!

لم تكن تعلم لماذا قال الشاعر الحزين:

لم تعد الأرض مكانًا هادئًا.

وقد أراد أن يملأ تشققات الجدران بالشعر.

ختامًا،
تكشّر الأبنية وجهها،
ولا تلتفت إلى الوراء.

نظرت بعضها إلى بعض
متباعدةً.

سدّت أبوابها بقوة،
ثم عادت إلى حضن اللامكان
معًا….

وأُقفلت آذان الأقنعة،
وقرّرن
ألا يسمعن الكلمات فيما بعد.

إذن، لا تسأل بعد الآن:

لماذا شعر قطران الليل
تغطّي وجوه الأماكن قاطبة؟

 

روح…

تستوعب الأماكن كلها
في أمعاء قصيرة لشحرور،
ولا تقول للغابات المضطربة،
والبرك الجافة:

وداعًا.

لا يمكنها الإجابة.

كذّابة الأماكن،
لا تفهم معنى الوفاء.

 

16  

(موسم من الطقوس الأبدية)

 

من نمط قمصانكم
نحو الأنماط داخل النفس ــ
اتركوا الألوان…
للون جديد.

 

يطير الذباب نحو الحلاوة،
والأسماك إلى الطحالب ــ
دروبها تقودها إلى
بنتاغونات العقل والنفس…

وأنا أعود إلى جدران الخيال المنهارة،
التي تُشمّ منها
بنية اللون الجديد.

 

خلف تلك الفيلات الهادئة،
وأمام أبوابها،
هنالك معرض التسوّل
وعالم لفّات الفلافل،
وغرف مظلمة للغاية،
نوافذها مصنوعة من حديد ــ
كي تستلقي السعادة داخلها هادئة.

لا أنوي دخول هذا العالم الفضفاض ــ
غريبًا.

 

كيف تصفرُّ هذه الألوان الجذابة؟
ولا تكون الأوراق ضيوفًا
على الأشجار في الربيع القادم؟

اتجاه السحب
يكشف غناء الارتفاع،
و تظهر هذه الحقيقة
في عين موحلة.

 

حسب هذا الطقس،
تأكل الفراشات بعضها بعضًا ــ
ولا تشبع.

تنفصل أرواحها مرة أخرى،
وتهبط على أزهار ذابلة.

 

قلق الوجوه اليائسة،
وأصفاد الكلمات المضطربة،
ومنافي الروّاد المنسيين ــ
كل شيء في مدرسة بلا صبورة
يعلّمنا دروسًا قديمة.

 

تفوح رائحة التروز
من سفوح النهار،
وتختفي داخل جيوب الليل،
والأضواء الساطعة
تنحني من عيون آذار
إلى مداخن الشتاء.

 

ماذا تجني
من جمع الابتسامات البريئة
التي تشكّلت على وجوه الأزمنة الغابرة؟

 

الكل يستعد
لأمس جديد،
لكنهم يضحكون
عندما أكتب في غدٍ قديم
لأمس جديد.

 

خشخشة الدنانير
لا تعكّر صفو الصمت،
ووميض السراب
لن يبهرني.

كلنا نسير في طريق واحد،
لكنه يؤدي إلى عوالم مختلفة!

 

خذ قسطًا من الراحة أم لا،
ستشعر بالتعب عما قريب.

ها هي لحظة الصمت
تجمع ضجيج الأصوات،
ثم ترميها خارجًا…

لكنك هو أنت،
وحيدًا،
تسقط من فضاءات العقل ــ
ثم توقظك
همسات الحياة من جديد…

 

  17

(خواطر على قدر الالتقاء)

 

مثلكم يا رفاق،
اغترفتُ غرفةً بيدي
من نفس الينبوع الملوّث،
وقد جنّن البعضَ شربُه،
وتسمّم البعضُ به،
ووضع البعضَ في السرير،
ونفى الآخرين بعيدًا…

 

لم يكن سحر هاروت وماروت،
كل ذلك العمى الليلي
و النهار!

ما كانت كل هذه القسوة والنُّصْب؟
كل هذه الصعاب والأنقاض؟

 

الذين مرّوا على هذا الينبوع قبلنا
وضعوا الحجارة فيه،
والبعض الآخر
بقايا العقل المتعفّن.

ثم غسلوا أياديهم فيه.

أيّ مأساة كانت؟

هذه العدمية،
كل هذا الهراء،
وكل هذه المنافي؟

 

أراكم اليوم يا رفاق.

تعرّفتُ على قصاصات أوراقي العتيقة
في جيوبكم الممزقة،
وقد تذكّرتُ نفسي.

لقد مرّ وقت طويل،
رغم انحناءة ظهر قدركم البائس
كعكّازة عتيقة،
وخطوات متواترة غريبة
على طرق قاسية.

صُمّ، بُكم، عُمي
في أمسية اليأس،
متشرّدًا دون مأوى.

إلا أنني أرى صفاء حدقات عيونكم
تسطع الغدوات
خارج تقويم الفصول.

 

18

 (النجوم التائهة(

 

1

هنالك العديد من النجوم التائهة
تبحث عن المدار…

هلّا أصبحتَ مركزًا؟
يجتمع حوله الأنوار.

2

أينما تذهب، بعيدًا أو قريبًا،
في الصحاري والجبال،
والبراري والوديان،
تجد العصافير
لغةً مشتركةً مع الطبيعة
في البقاع.

لكن الغريب الوحيد
هو الإنسان!

3

رقد صاروخ غير منفجر
في حديقة مزدهرة
بضواحي ماريوبول،
وقد غطّته أزهار اللؤلؤة
من كل مكان…

 

هلّا سترتَ الشرور بجمالك
حين ينفجر الكبرياء
داخل الوجدان؟

 

19

(مذهب الماء)

 

في زمن الانحياز والأوبئة
والانتماءات،
قالوا:

كيف أن الماء
عديم اللون ــ
لا منتمٍ؟

لكنه يسقي،
ويزيّن الأوراق والأزهار،
بل الحياة برمّتها
بأجمل الحُلي.

 

قلت:

إن الماء حرّ!

لكنه عندما يُحبس
يركد ويتعفّن،
وإن تُرك طليقًا
لا يتوقف عن الجري
في المسيرات.

 

يغسل أوساخًا متراكمة
عن وجوه سنين عجاف،
وينجرف الأشواك
وحشائش جفاء
نحو محيط النسيان.

 

وهكذا…

كلما يقول لي
الأبيض والأسود:

إنك لست على شاكلتنا،
ولا تنتمي إلينا.

أقول لهم:

هل نسيتم حقيقة الماء؟

هنالك تجدونه
على مذهبه:

انتمائي.

 

20

(المخلوقات العلمية)

 

ذات يوم،
دخلت نفقًا مظلمًا.

رأيت بشرًا
على أشكال قردة،
أصيبوا بسلاح فتاك
حوّلهم إلى مخلوقات جديدة.

يتقاتلون الآن
مع كائنات علمية:

نصفها خنزير،
والنصف الآخر ذئب،
للسيطرة على حقل تفاح ــ
كل تفاحة فيه
بحجم بطيخ،
معدّل جينيًا،
ويُسقى بماء أسود!…

 

أما المدراء،
فيحلّقون في السماء
باستخدام ألواح نفّاثة،
ويسكنون الفضاء…

 

في هذا العالم الجديد
شعرت بغربتي،
وعلمت أنه ليس لي وطن هناك.

سرعان ما خرجت منها،
ووجدت نفسي تائهًا
على مشارف القرن العشرين.

ثم أخذت بيدي الطمأنينة
من جديد،
وأنقذتني
من رعب هذا الكابوس اللعين
خلف قضبان الحديد!

 

21

 (ظل)

 

عندما يحلّ الليل
في صمته،
يمتلئ القلب بالإيقاع.

أنظر خلف النافذة:
هناك ظلّ
يبدّد الوحدة،
لا ينام،
حتى بعد استسلام اليقظة.

إشراقة الصباح
تبتسم بين التلال،
وتجعل ظلك طويلًا
على السبل،
يمشي وراءك.

لكن…
عندما تضلّ الطريق
سيختفي هو.

قبل الوصول إلى كمين العناكب،
تصبح الشمس في الخلف،
والظل أطول،
يمتد أمامك.

قبل الوصول إلى الحشد
يختفي تارةً أخرى.

لا تعرف…
ربما هناك،
من زاوية بعيدة،
من ينظر إليك خلسة.

حينما تتعثّر قدمك،
فتقع،
لكنه لا يزال واقفًا
ولا يسقط.

يجعل الليل الفرسان
ينامون من جديد،
لكن الظل وحده
لا ينام.

نم تلك اللحظات
التي يوجد خلف النافذة فيها ظلّ
يبدّد الوحدة.

 

22

(انشطار)

 

بين الحياة والموت،
هنالك شعرةٌ غير مرئية.
يهطل مطر السأم
على سُبُلٍ متلاشية،
دون فكّ شيفرات
أحلامٍ متعرجفة…

أما آن الأوان للمسامير
ألّا تدنو رؤوسُها
للمطرقة الهوجاء؟

ريثما يذوب الكابوس
قبل أن يقطع بأنيابه الحادة
كل شرايين الأمل،
مرةً تلو الأخرى.

 

قرفصاء، جالسًا
على كل أنفاس فجرٍ جديد،
تهرب منه،
وصوتك لا يخرج.

تسأل عن كراج وجهة الطفولة،
فيجيبك جنديٌّ هارب:
ليس من هنا.

موقعك ليس في وسط الكون!
ألا تعلم
أن شمس الوجود
على حافة الاضمحلال؟

لقد كسرت أيادي الأحقاب الخشنة
تلك المرآة التي كنت
تشاهد فيها بؤس البلوغ،
مستردًّا فيها شيئًا من الوجود.

لا مكان بعد
للالتقاء بالذات،
كي تسألها عن أخبار

تلك السنين العجاف،
بعدما تركتها حائرةً
في مثلث الذئاب.

حين كانت الحياة تساوي الموت،
لم يعد ثمة تفكيك
لشيفرات أحلام اليقظة.

والكوابيس
تنتقل خلسةً بين طرفَي الليل والنهار،
ولا نداء يعلو
فوق أصوات طلقاتٍ طائشة
تختتم فصول هذه الرواية المفجعة.

 

23

(ميتافيزيقا التأويل)

 

أيتها الروح المذبوحة
خلف أبواب الأهازيج،
ضمّدي جراحك،
واجمعي قطعك المتناثرة
ههنا وهناك.

ربما لا يتوقف نزف هذا الدم الداكن
بمجرد الصياح.

سهامٌ وسكاكين وطلقاتٌ وصمت،
تُشلّع كسوتك وتمزقها،
وترميك عاريةً.

تحوم وتجول دون المنايا،
تنوي رسم دوائر فارغة،
دون معرفة الوجهة.

تدق باب الأماني
غير مستيقنةٍ من الردود،
تنتظر نهاية الأحلام
لتخوض في التأويل.

لكن حلقات الكوابيس
بلا حدود ولا معانٍ…

 

أيتها الروح المرهقة!
حليتك ليست هذه الأتربة المتعفنة؛
فهي لقتلة القوافي
مبتغًى وملاذ.

كم من طيورٍ مصابة طارت عاليةً،
ودماؤها على اليباب
رسمت خارطة الأوجاع.

سافلةٌ،
يتقاسمون المطر والنسائم والضياء معًا،
وأنتِ ترين الألاعيب الهوجاء
تحت طائلة الشرائع،
تُغطي الشرور والخداع والزور والهراء…

دون أن تتلفظي بكلمة،
أو تلوّحي بإيماءة،
خلسةً أو جهارًا.

 

يا لها من بونٍ شاسع
بين تلك العوالم!

ولا يداكِ تقيدهما
سلاسل الزمكان

 

24

(قريحة الأدغال)

 

وقد تآمرت العاصفة
لاغتيال الوردة الزاهية
في جنان الختام،
ثم بكت عليها غيوم السماء؟

لست أدري…
لكنني متيقنٌ
بأن الدموع اختلطت بالدماء،
فأصبحت بركةً
شربوا منها قاطبةً
دون نسيان…

مذ ذاك الزمان،
اتفق النسيم والريح والعاصفة
على ألّا يتفقن…

لا أدري،
أيّها أذبلتِ الزهرة؟

لكن البراعم،
لو تفتحت تارةً أخرى،
ستعيد العاصفة الكرّة.

إذًا، لا داع للنحيب،
ما دامت الزوبعة تضمر في الأعماق
رغبةً في إطفاء الشموع المضيئة
في ليالي شتاءاتنا الطويلة.

ولا بأس!
الرأفة سجال الأنداد،
والروح تطفئ غليلها بالنار…

لا تعلم،
لمَ أطعمت الذئاب الجياع،
دون أن تأبه
بموت العصافير والجداول
وفسائل الرمان،
ريثما تتساوى الحياة والموت
عندهم في الأضلاع…

أليست خربة الأمس
قد أصبحت قصر اليوم،
متعجرفًا يستلقي فيه الكبرياء؟

كل شيءٍ لها رِتمٌ وطقوس،
لكن، عجبًا،
لا تفتح أبوابَ ضمائرَ مؤصدة
مفاتيحُ البيان.

 

25

(تناغم الماء والنار)

 

عندما تبدأ النار
بحرق الأشجار بيديها،
وتنفخ فيها بفمها،
يختفي الماء من الوجود
ويموت.

لا أحد يفكر
بمصير أعشاش الطيور،
ولا أحد يتذكر
الموقد المريح في الشتاء
عندما يغطي الثلج الأشجار خارجًا.

 

كلما غضبت النار،
يهرب الناس من شراستها
نحو الأمان.

 

عندما تغضب قطرات الماء،
تصبح تيارًا ضخمًا وجارفًا،
حتى التربة
تكون عاجزة
عن الدفاع أمام هيمنة جفافها.

في تلك الأثناء،
لا أحد يفكر
بكوب ماء بارد
في صيف حارق.

 

كلما يهيج الماء،
لا أحد يريد السباحة
في التيار السريع.

الكل يركض نحو الأمان.

 

لكن قلّما يهيمن التناغم
على الأرجاء.

يلفت الانتباه:

تغرد الطيور،
وطقطقة المطر،
والناس يزرعون الشتلات
لتلوين الحياة،
ويتذكرون الموقد
في ليلة شتاء مثلجة.

 

عندما يفهم الناس
لغة انسجام الماء والنار،
يبنون منازل
على مسافة من البراكين،
ويسافرون في رحلات بحرية هادئة
للاستمتاع بسحر المحيطات.

 

26

(ما وراء اللغة)

 

كعاشقٍ يائس،
منطوٍ على نفسه،
منكسرٍ بين أصابع
الزمن…

تميل العاصفة
إلى السكون،
وتنتحر
مع كل من ابتلعتها
لحظة الكمد.

**

وهكذا الشاعر،
يهرب من لغته
التي لا تنجذب إليها
الأنوار المنطفئة،
إلى أزقتها المتشابكة
وأبواب بيوتها
المفتوحة…

*

فيكتب بلغة الشعر نفسها،
التي يفهمها
الفلامنغو الحزين
على برج بيزا،
واللقلق التائه
على منارة الحدباء!
إلا الجماجم المتحركة!

*

قصيدة…
مكتوبة بريشة الألم،
وبدماء قناديل منطفئة
على أعمدة
الزنازين النتنة…

ذكريات أحذية ممزقة
رحلت مع الشمس
في غروبها السرمدي.

*

هنا
بدأ التاريخ.

كتابةُ انهيار البلاط
الذي بُني
بأنامل أشاوس الأساطير،
وسكنته أشباح قدر المساء،
وفتحت أبوابه
ظلال أيادي الفجر الكاذب،
دون أن يخرج منه أحد!

*

بلاطٌ
تناثرت فيه
كلمات قصيدة
حُكم عليها بالمؤبد سهوًا،
ولم تُقرأ
بعد…

 

27

 (من أشراط الساعة)

 

حشرات
خرجن من باطن الصحراء،
ينتشرن بسرعة البرق،
لكن دقائقهن سنين،
ولون دمائهن أسود.

حينما يقتحمن الأماكن بالألوف،
يتحول النهار فيها
إلى ليل قاتم.

يعبرن النيل حفاة،
فيتغير لونه
إلى أحمر داكن.

يتسلقن الجبال قبائل،
فلا تبقى شجرة خضراء
واقفة على ساقها،
وتغادر الغيوم،
وتختفي القمم معًا.

لكنهن لن يتجرأن
على اقتحام موطن الثلوج،
وسرعان ما يذبن داخلها.

راياتهن ثالوث سميك،
رمزًا للجهل والظلم والغرور.

هن لسن
من سلالة يأجوج ومأجوج،
بل إنما حشرات
في أشكال بشر،
خرجن من باطن الصحراء،
ولون دمائهن أسود.

 

28

(لغة الصمت)

 

هنالك أعواد ثقاب
جاهزة للاحتراق،
ذرْها في سباتها،
تحلم…

كي تستمر
أسفار الينابيع البيضاء
في أحضان الأنهار الصماء.

كي تجد وجهتها الجديدة،
وتكون بمقدورها
اقتلاع سواد الأشباح
عن أسطح مخيلتها.

كي تحوّل الأحجار
الضجيج
إلى سكينة وقورة،
في هذه الطقوس الأزلية…

 

عندئذ،
يسمع التراب أنفاس السماء
على الأنغام الهارمونية للشواطئ،
حيث يجمعن الكل،
قطعًا متناثرة
من أرواحهن.

 

ما زال الالتقاء يكتنفه الغموض:
نهارٌ ممل،
ليلٌ بلا إرادة،
شتاءٌ مفزوع،
وردةٌ حزينة
تحت خيمة
لقصيدةٍ مهاجرة!

 

29

(ظلام ونور)

 

يبطل سحر الحياة،
وسوف ينفد
ميراث معارك إبليس وآدم.

هنالك بين
النور والظلام،
الليل والنهار،
الطفولة والشيخوخة،
والولادة والموت،
خطٌّ رقيق
سريع الذوبان
في فضاء الزمكان،
عندما تزول من الوجود
كل كوميديات الحياة ومآسيها.

لحظات السعادة الخاطفة،
مثل ضياء الشموع على الكعكة،
تمرّ في لمح البصر،
ثم ترتجف الأرواح المتجمدة
حولها سرمديًا.

 

أولئك الذين رحلوا
دُفنوا مستعجلين،
وتُركوا وحيدين…
صرخاتٌ صامتة
تغلب الاستغاثات.

 

سيخرج صوتٌ قريب
من صمت الليل،
كالناقوس:
حجرٌ أصاب قنفذًا بريئًا،
أو يدٌ قطعت أغصان شجرةٍ مسنّة.

تلك اللحظات التي ترتفع فيها
آهات المستضعفين،
مطالبةً بحقوقهم،
في الظلام الدامس،
حيث الأيادي عاجزة
عن الوصول إلى مبتغاها.

في وضح النهار،
تحت أشعة الشمس الحارقة،
أضواءٌ على وجوهنا،
مثل صقرٍ ينحدر من العدم،
أو وطواطٍ أطرش
في الليل الحالك،
يقبض فريسته
ثم يختفي.

هنا يتدخل الوعي
من باب الفجر،
مع بعض التأني،
لشرح حلمنا السريالي
في لحظة انقلابٍ سلمي
يقلب الأمور رأسًا على عقب،
ويضع الأشياء
في أماكنها المحذوفة

 

30

(كل شيء من أجل النصر)¹

 

سنظل نتوارثه
جيلًا بعد جيل:

نصرٌ
ما زال إيقاعه يعصف بالكوابيس
نحو الأذهان.

وقد سمعته عرائس الربيع
حين طارت بها شظايا الراجمات
في جبهات الأخذال.

أرواحهم بقيت صامدة،
تنتظر الآذان-
آذانًا لمجيء نصرٍ أم قحط!
لم يره من قبلُ إنسٌ ولا جان.

كل شيء من أجل النصر.

جعلتنا نسمي الأسماك
بالسمتيات،
والمجمعات
بالنصر والصمود،
والمركبات الفارهة
بالأشباح…

هكذا قواميس الحروب:

جزرٌ مهجورة،
وأهوارٌ مجففة،
وجثثٌ متعفنة
تتغذى عليها الديدان.

جماجم مكسورة،
ومخلفات أعتدةٍ متهالكة،
أجمل ذكرياتٍ
يلعب بها الأطفال…

لم نكن نعرف النصر
إلا من خلال أهازيج مبتورة،
وأقلامٍ مشلولة
كتبت أسماء ضحاياها
السجّان.

نصرٌ أبدي
تتخلله عناقيد الدموع
لأوجاع الثكالى،
ويتامى في انتظار رغيف-
جوعان ونعسان…

هذه هي رعونة الصخور،
وذاكرة الأحجار البليدة
تعيد الكرّة للأوطان.

¹ كل شيء من أجل النصر: شعار ثماني سنوات عجاف.

* تأريخ كتابة النصوص بين ١٩٩٦-٢٠٢٢

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *