سرّ الفراشة البيضاء -5- رواية واقعية (حلبجة)- تأليف: فرياد ابراهيم

 

 

اخبروهم

ستذهب حلبجة إلى بغداد قريباً

عن طريق غزلان سهول “شيروانه”

حاملة معها سلة من الغيوم البيضاء

وخمسة آلاف فراشة

-شيركو بيكه س-

&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&

 

5

في الظهيرة أعدت زينب غداء شهيا من لحم الحجل. وقالت له وهي تضع الطعام على الأرض: “انها من صيد العم أمين فهو كلف مولع باصطياده. ويلعنه و يصفه بعدو نسله.”

بعد تناول الطعام امسكت مريم الصغيرة بيده وانهضته وسحبته من يده قائلة له وهي تنقل النظر بينه وامها:

” لا تنس وعدك. حقيبتي الوردية.”  من نظرتها فهم انه لا جدوى من المقاومة. رفع رأسه الى زينب، واسترخصت هي منها فلم تبد بدورها اي اعتراض. وبدا له انها ترتاح لعدم وجوده في البيت طويلا. انه غريب ومجهول رغم ادعاعاته واناقة منظره واسلوبه المهذب. الغريب غريب حيثما حل. ومن ثم هو طريد مشبوه ومن يدري متى تصل دورية وتقبض عليه ومن في البيت رغم انها اي زينب اطمأنته بسلامة المكان وبعده عن الشبهات ورجال السلطة.

قلبه حزين رغم جمال الطبيعة وسحرها. الحزن غلب على الخوف. بعد ساعات او ايام تنادينه بابا ولن تجده.  الصورة هذه لا تفارق مخيلته.

الطريق ملتوي.  سارا في طريق صاعد ، الطريق المفضي الى بيت ودائرة عم أمين، كما اخبرته زينب. تعجب من خلو الطريق من المارة. يبدو انهم توجهوا الى الحقول. كانت بداية موسم الزرع والبذار. فأحس براحة نفسية لهذه الظاهرة.

وصلا الى نهاية الطريق. اجال النظرحواليه ثم اعاد النظر الى الامام حيث ينبسط حقل معشب فسيح  يمتد  الى تخوم سفوح الجبال المعشبة والمشجرة. إزدانت الارض بالزهور الصفراء ، والبنفسجية ، والحمراء، والبرتقالية المنتشرة المتبعثرة كمن تنتشر النقوش على السجادة . البلدة كانت اشبه بحديقة غناء تكسو أرضها أعشاب خضراء كأنها زربية متقنة الصنع وانتشرت الأزهار الفواحة التي تدغدغ الأنوف وتهز النفوس فتجعلك تتمايل من النشوة وبدت السماء كعين الطفل صفاء تغطيها العصافير المغردة تخالها في عرس أو مهرجان من الألحان وما ألحانها إلا فيضان ما في قلبها من الغبطة بالوجود. لم يمض وقت طويل على رحيل الشتاء بزوابعه المثقلة ورياحه القارصة ليحل محله الربيع فصل التجديد تستيقظ فيه الطبيعة من نومها وتستبشر بعودة الحياة إلى ربوعها.
إنه فصل الأحلام فالعصافير تحلم بالفراخ ، والأشجار تحلم بالثمار، والحيوانات تحلم بصغارها تدب حواليها والفلاح يحلم بالسنبلة التي دفن أمها في الأرض تلك هي يقظة الحياة بعد هجوعها .
ومن بعيد لاح له  الفلاحون يتكئون بقاماتهم على محاريثهم وينحنون واكياس البذار تتدلى من اياديهم  ، بذار الحنطة والشعير والكتان والقطن وما الى ذلك. وبغتة انبعثت من مريم صرخة قصيرة وهي تمد يدها الى البعيد حيث تجلس فتاة رائعة الجمال.

“هذه هي داده شيرين.” وانطلقت صوبها لا تلوي على شئ. خيل اليه في فستانها الابيض الطويل فراشة تطير.

 كانت الفتاة تجلس على صخرة ضخمة ملاصقة  للجدار الخلفي لبيت من الطين، طويلة الشعر ترتدي فستانا ورديا اهدابه تلامس قدميها. كانت تنظر بتركيز الى نقطة معينة ثابتة فوق قمة الجبل. اتجه نظره في نفس الاتجاه فلاح لي خيال رجل ينحني على صخرة ويمسك بيده معولا يهوى به فوق صخرة ضخمة قائمة امامه،  ضرباته كانت قوية ومنتظمة ايقاعية، وكلما هوت الآلة القاطعة فوق الصخرة انبعث من تحته شعاع وشرر. كانت الشمس دافئة والسماء بلا غيوم.

رفع بصره الى جهة الصخرة التي جلست عليها الفتاة فوجد الصغيرة تتسلقها بخفة الارنب، ثم تعانق الفتاة التي طبعت بدورها قبلات على خديها. وبعد ان تبادلا بضع كلمات نزلت الصغيرة بخفة وعادت اليه مهلهلة.

“وذاك هو كاكه فرهاد عاشق.” قالت ومدت يدها الى قمة الجبل وخيال الحجّار.

ضحكت ثم اردفت بخجل وتلعثم:” عاشق لشيرين.”

ثم حولت وجهتها نحو الحسناء تلوح لها بيدها الصغيرة وتقول لزكي:”وشيرين تعشق فرهاد.”

ثم مرة اخرى سارت لتقف تحت صخرة العاشقة شيرين:”وهذا هو خالو زكي، خالي دكتور جاء من بعيد.”

وحينها خاطبته الفتاة الجميلة وبصوت ساحري:”  أتشرف بك دكتور زكي، اهلا بك ومرحبا في قريتنا.”

صمت لحظة ثم عادت تقول:” لقد سمعت ما روته لك زينب، واسمح لي بأن اوضح لك اكثر : حبيبي فرهاد  يحطم هذه الصخرة الهائلة ليشق الطريق الى نبعة يتدفق ماؤها تحتها، ومن يقوم بشق قناة طويلة تمتد من النبع ويصب في الساقية التي تسقي مزارع البلدة. هذا شرط فرضه  أبي عليه لكي يحضى برضا والدي ويقبل بزواجنا.”

اثارت القصة الغريبة زكي أيما إثارة وخفض رأسه وظل لحظة يعيد تفاصيلها كلمة كلمة. ولم يرفع رأسه الا على صوتها الرقيق وهي تقول: “كاكه زكي، لا تؤاخذني فلا استطيع النزول حاليا كي امد اليك يداي اشد بهما على يديك ترحيبا وتهليلا.”

اجابها زكي بشيئ من الارتباك فقد أخذت قصتها منه كل مأخذ:”لا داعي للإعتذار عزيزتي شيرين، فأنت حاليا في موقف العاشقة المراقبة.”

ابتسمت له كاشفة عن اسنان قُدّت من درر، وقالت له بكلمات مغلفة بحناء العشق:” ايا سيدي اسمح لي ان اصارحك بمهمتي، فمهمتي حاليا هي قليل من المراقبة وكثير من التشجيع والتحفيز، انظر اليه كيف يرفع رأسه بين الفينة والفينة من الصخر ويلتفت ناحيتي كي يطمئن لوجودي ثم يعود الى الضرب.”

يا لصوتها العذب الرخيم كصوت القطا أوان التفقيس، اعتذرت مرتين. منتهى اللباقة. تمتم زكي محدثا نفسه.

رفع رأسه اليها يقول : ” أنكِ إذن لك حصتك من التضحية.”

طأطأت برأسها الأنيق توافقه الرأي.

حينها مال زكي الى الصغيرة التي كانت في قمة السعادة وهي تستمع الى الحوار بفخار وسرور وفضول. ثم رفع رأسه الى الحسناء العاشقة ليقول لها:

” اتمنى لكما التوفيق وادعو لك وله بالصبر والتماسك، نحن ماضون في سبيلنا، في جولة تفقدية ترفيهية حول البلدة. لو سمحتِ.”

ارتسمت ابتسامة خجولةعلى وجهها الجميل ذي الاستدارة الفاتنة. شيرين كانت فتاة باهرة الجمال كأنها القمر المكتمل في السماء أو النجوم اللامعة في الليل الكاحل السواد وجهها مستدير وردي اللون وعيناها خضروان بلون أعشاب البحر وشعرها أصفر كأنه خيوط الذهب. برقت عيناها الوسعتان المكحلتان تحت حاجبيها الهلاليين. ورفعت يدا ناعمة بيضاء كالحرير نحوهما. قابلها بتلويحة من يده خاطفة ثم ودعتهما بإبتسامة مليحة .

واصلا المسير وسط الحشائش والزهور ودارا حول البلدة نصف دورة سالكين طريقا ضيقا وعرا محفوفا بالعشب الكثيف والشوك الناتئ والصخورالصغيرة البارزة وتحت ازيز الحشرات والنحل والزنبور. وفي نهاية الطريق قادته مريم الى حيث شجرتي رمان تنتصبان متلاصقتين كتوأمتين على حافة مقبرة البلدة المؤلفة من قبور متناثرة صغيرة مكومة فوقها التراب الاحمر. على يمين الشجرتين ومن بعيد امتدت سلسلة جبال متفاوتة في الارتفاع ، جبال صخرية عالية ذات ذؤابات حادة ومنحدرات وعرة ورابية عالية هادئة صامتة متوجة بشجر الصنوبر تحتضن امامها تلالا رمادية بلون الغبار ذات احجار ناتئة متفاوتة في الحجم واللون. ترامى اليه مزيج من اصوات النساء وخرير الأنهار والعصافير وصياح المزارعين والأغنام والرعاة والأطفال.  وكالعادة ، فكل من مر امامهما رفعت يدها له او لها قائلة: ” خالي زكي جاء من المدينة.”

افترشا الارض تحت الرمانتين. ولم يكن  قد تثبّتّ بعد في مكانه حتى ارادت مريم ان تظهر مهارتها في التسلق. فتسلقت احدى الشجرتين بخفة السنجاب. وفي تلك اللحظة تناهى اليه صوت رقيق قريب منه. التفت فإذا بطفلة تقف ورائه تلهث آتية من ساحة اللعب المجاورة. طفلة بجديلتين طويلتين ووجه وقامة رشيقة وسيقان وملامح الوجه اشبه بملامح مريم. في نفس اللحظة ارتطمت رمانة صغيرة خضراء صلبة بالارض الى جانبه اخطأته بالكاد. رفع رأسه اليها وصاح بها:” آه ياعفريتة افزعتيني.”

وجاء صوتها تتخلله ضحكة مجلجلة:”  خالو زكي هذه صديقتي صافية افضل صديقاتي.”

 وهبطت بنفس الخفة وخاطبت صديقتها قائلة بجزل:

“صافية اقدم لك خالي زكي وهو دكتوريسكن في مدينة كبيرة جدا. “

اكتفت  صافية بأبتسامة خجولة لاوية عنقها خافضة رأسها.

ثم اقتربت من صافية قائلة لها:”خالي وعدني بشراء حقيبة مدرسية وردية. هل تريدين مثلها؟”

بعد لحظة صمت وتردد رفعت صافية رأسها اليه وخطفت منه نظرة فاحصة ثم اعادت النظر الى صديقتها تقول له هامسة:”نعم.” ثم  جعلت تنظر الى الارض موردة الخدين.

ابتهج زكي لطلبها البسيط والمشروع فقال لها قبل ان يستديرا للعودة:”صافية خذيها وعدا مني سأبتاع لك حقيبة وردية ايضا.”

ازداد وجهها توردا ثم تغلب على خجلها وشكرته بصوت خفيض ثم عادت الى ساحة اللعب.

في الطريق سأل زكي مريم:”الآن قولي لي هل هناك محل لبيع الحقائب هنا في البلدة؟”

أومات براسها بالإيجاب قائلة له: “هيا معي.”

في محل بسيط تقع بجوار مبنى المدرسة في أطراف البلدة ، اشترى زكي حقيبتين ورديتين. قدم أحداها هدية لمريم واحتفظ بالأخرى لحين مجئ صافية. هتفت مريم وقد تهللت أساريرها من الفرح وتلوح بالحقيبة وتلقيها عاليا فوق راسها ثم تقفز اليها لتقلطتها قبل االسقوط.

كانت مريم طفلة بكل ما للطفولة من خصائص : لهجتها في الحديث اشراقة وجهها بتلك البراءة والسذاجة خفة حركتها كأنها الظبي.

*

حين بلغا البيت كان النهار قد اوشك على النهاية. ومن الباب انطلقت الطفلة الى امها تريها الحقيبة. وفرحت زينب بفرحتها ونظرت الى زكي نظرة ثناء وامتنان. كانت زينب قد أعدت في غيابهما كباب ولبن رائب مثلج و سلطة وحساء من اعشاب الجبل وخبز تنور حار محمّر. دعتهما الى الطاولة التي انتصبت تحت شجرة التوت المكان المفضل للمعزة السوداء الكثيفة الشعر. تناولوا الطعام في جو اختفالي بهيج ونالت المعزة نصيبها من الخبز الذي القاه زكي ومريم اليها.

 ومنذ تلك اللحظة لم تفارق الحقيبة الوردية مالكتها لحظة حتى في الفراش . وبمرور الزمن صارت الحقيبة العلامة المميزة لمريم.

بعد الطعام جلسوا تحت شجرة التوت تحت سماء زرقاء ووسط زقزقات الطيور. وصياح الدجاجات والديكة وثغاء المعزة واغاني مريم واناشيدها المدرسية . وأرته مريم رسومها التي رسمتها بيديها. كانت حقيقة رائعة من طفلة بهذا العمر. بعدها وضعت الرسوم  في حقيبتها الوردية وهي تنظر الى امها وزكي ببالغ السرور والبهجة وتطبع بين الحين والآخر قبلات حارة على وجنتيهما.

وقامت زينب بغسل ملابسه واعطته ملابس جديدة . تردد اولا في ارتدائها لشكه انها قد تكون لزوجها الفقيد.

وقرأت ما يجول في فكره. ” لم يلبسها احد من قبل. جديدة.” قالت ولم تزد كلمة واحدة.

شكرها من الصميم وشعر حينها بأن شعورا غريبا نحوها بدأ يتسرب الى داخله.

*

في المساء نامت الطفلة بجانبه في الفراش كالعادة بينما كانت الام تغسل الاطباق في المطبخ. شعر بقلق شديد فوق المعتاد تلك الليلة. بعد ان انتهت من غسل الاطباق جاءت وجلست على الطرف البعيد من السجادة صامتة واجمة تحت ضوء خفيف منبعث من مصباح نفطي مثبت على الجدار. واخيراعبّرت عن مخاوفها التي لم تكن بأقل من مخاوفه.

“غدا سأكلم عم أمين بهذا الشأن واحثه على مرافقتك الى الحدود. أخشى ان تعتاد الطفلة عليك وحينها ستحل الكارثة.”

قطعت حديثها لهنيهة ثم عادت تقول:” عم أمين رجل أمين، بإمكانك الاعتماد عليه.”
واحس بشئ من الراحة.

“وماذا عن الطفلة؟” قال لها بعد تفكير. 

“الطفلة لها امها ويجب ان نصارحها غدا  بعد عودتها من المدرسة.”

“لا أظن انها ستصدق.”

“تصدق او لا تصدق ..يجب ان تصدق.”

علا صوتها عندما نطقت بكلمة”يجب” وكأنها ارادت ان تقول له:” يجب أن ترحل أنت بأقصى سرعة.”

نهضت وانحنت فوق ابنتها النائمة، غطتها جيدا ثم طبعت قبلة على جبينها الذي كان يلمع تحت ضوء المصباح النفطي ثم حملتها بتؤدة وسارت بها ببطئ الى الدرج الخشبي الصاعد الى الغرفة الفوقانية. ومن هناك استدارت وحملقت في وجهه طويلا وكأنها تضمر شيئا.

“طاب ليلك ادعو لك نوما بلاهواجس ولا كوابيس. اغطيتك الجديدة في ركن الغرفة.”

وتركته في هواجسه ساهرا لوحده الى وقت متأخر من الليل.

*

فرياد

 

يتبع——-

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *