سوريا بعد التحولات… هل تغيّرت الدولة أم تغيّرت الوجوه ؟ – محمد ديب أحمد

لم تكن سوريا بحاجة إلى تبديل أسماء على أبواب المؤسسات بقدر حاجتها إلى تغيير الطريقة التي تُدار بها الدولة .
فسقوط نظام وصعود سلطة جديدة لا يعنيان وحدهما أن الدولة تغيّرت .
التغيير الحقيقي يبدأ عندما ينتقل القرار من الشخص إلى المؤسسة، ومن المزاج السياسي إلى القانون، ومن المركزية المفرطة إلى إدارة أكثر توازناً للسلطة والمسؤوليات .
من هنا تبرز أسئلة لا يمكن تأجيلها :
ماذا تغيّر في علاقة الدولة بالمواطن ؟
كيف تُوزّع السلطة ؟
أين تقف المؤسسات أمام صاحب القرار ؟
وأين يقف القانون عندما تتعارض إرادة الشخص مع حقوق المواطن ؟
سوريا دخلت منذ سقوط بشار الأسد في كانون الأول 2024 مرحلة انتقالية مختلفة، وشهدت حل مؤسسات وأحزاب، وإعلاناً دستورياً في آذار 2025 حدد المرحلة الانتقالية بخمس سنوات، ثم بدأت مؤسسات جديدة بالظهور .
لكن السؤال الذي ينخر في نافوخة رؤوسنا المتعبة هو :
هل تكفي هذه التغييرات لبناء دولة مختلفة ؟
وكما يسميها الأستاذ خطيب بدله بسخريته اللطيفة ، «بلاد الجورة التاريخية» ، فإن تغيير الوجوه وحده لا يكفي لتغيير طريقة إدارة الدولة .
وأحياناً لا تحتاج الدولة إلى مؤتمر جديد بقدر حاجتها إلى إصلاح ما هو تحت أقدام الناس .
ولعل حكاية شوارع حلب عند هطول الأمطار تصلح مثالاً ساخراً وجاداً في آن واحد ؛ فالمواطن قد يرى الشوارع تغرق ، بينما قد تبدو شبكة الصرف الصحي وكأنها تعود إلى العهد الروماني .
قد يكون هذا مشهداً صغيراً أمام ملفات الدولة الكبرى، لكنه يطرح سؤالاً كبيراً :
هل تستطيع الدولة الجديدة إدارة التفاصيل اليومية للمواطن، كما تريد إدارة الملفات السياسية والاستراتيجية ؟
نجاح سوريا الجديدة لا يُقاس بعدد الوزارات التي أُعيد ترتيبها ، ولا بعدد السيارات الفاخرة في مرافقة المسؤولين ، ولا بعدد السفراء العائدين أو أبواب العلاقات الدولية التي فُتحت .
النجاح الحقيقي يبدأ عندما يشعر المواطن أن الدولة تعمل بالقانون، وأن حقه لا يتوقف على معرفته بشخص نافذ، وأن القضاء يحميه عندما يختلف مع السلطة، وأن المؤسسات لا تتوقف بتغيّر الأشخاص .
والدولة الحديثة لا ينبغي أن تحتاج في كل مرة إلى «الرجل المناسب» كي تعمل ؛ بل يجب أن تكون المؤسسة هي الضامن، والقانون هو المرجع .
وهنا يأتي الملف الكردي بوصفه أحد الاختبارات المهمة للدولة السورية الجديدة.
المرسوم رقم 13 لعام 2026، الذي اعترف بالكرد جزءاً أصيلاً من الشعب السوري، وأقر حماية هويتهم الثقافية واللغوية وحقهم في تطوير لغتهم الأم، يمثل خطوة مهمة في هذا الاتجاه، لكن الاختبار الحقيقي يبقى في استدامة تطبيقه وتحويل النصوص إلى ممارسة مؤسسية مستقرة، بحيث لا تبقى الحقوق مرتبطة بقرار إداري أو ظرف سياسي، بل تصبح جزءاً ثابتاً من بنية الدولة والقانون .
فالسؤال ليس فقط :
هل اعترفت الدولة بالحق ؟
بل: كيف يستطيع المواطن ممارسة هذا الحق ؟
وكيف تحميه المؤسسات عندما يتحول النص إلى واقع ؟
والأمر نفسه ينطبق على مسألة اللامركزية . فاللامركزية ليست تقسيمًا، كما أن المركزية ليست وحدها ضمانة لوحدة الدولة.
الدولة الواحدة يمكن أن تكون مركزية أو لا مركزية، والفرق الحقيقي يكمن في كيفية توزيع السلطة والموارد والمسؤوليات .
والخطأ أن نعتقد أن وحدة الدولة تعني بالضرورة وحدة القرار في كل شيء .
أما الأمن والجيش، فهما من أهم امتحانات الدولة الجديدة .
جمع السلاح تحت مؤسسة واحدة قد يكون ضرورة، لكن الجيش الوطني لا يُبنى بالسلاح وحده، بل بعقيدة وطنية جامعة ، وبمؤسسة عسكرية غير مؤدلجة ولا تحمل شعارات أو أفكاراً مرتبطة بطائفة أو بأكثرية أو بهوية ضيقة .
سوريا يمكن أن تكون عربية أو كردية، لكن الأفضل أن تكون سورية ولكل السوريين ؛ فالتعدد لا يعني التقسيم، والوطنية لا تحتاج إلى إلغاء أحد .
ومن هنا ، فإن دمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري ، وإنهاء وجودها كقوة مستقلة، يفتح الباب أمام سؤال أوسع من مسألة السلاح :
إذا كان السلاح قد وجد طريقه إلى مؤسسات الدولة عبر مسار الدمج ، فأين ستجد الحقوق طريقها إلى مؤسسات الدولة والقانون ؟
والسلاح يمكن دمجه بقرار سياسي، أما الثقة فلا تُدمج بقرار .
وهذه الثقة تحتاج إلى دولة يرى فيها الكردي والعربي والسرياني والآشوري والتركماني وسائر السوريين أنفسهم داخلها، لا على هامشها.
ثم هناك سؤال آخر لا يقل أهمية:
هل تريد سوريا أن تعيد إنتاج الماضي بأدوات جديدة، أم تريد اللحاق بالعالم؟
العالم يتحدث عن الذكاء الاصطناعي، والحكومة الرقمية، والجامعات ومراكز الأبحاث، بينما لا يزال المواطن في كثير من الأحيان يبحث عن واسطة لإنجاز معاملة.
سوريا التي أنهكتها الحرب تحتاج إلى أن تستثمر في الإنسان والعلم والتكنولوجيا، وفي كفاءات أبنائها داخل البلاد وخارجها. فهي تستحق أن تعيش مثل أقرانها من شعوب العالم، لا أن تبقى أسيرة أسئلة الماضي.
وهنا تحديداً يجب أن ننتبه إلى أن المرحلة الانتقالية ليست مجرد جسر زمني بين نظامين، بل فرصة لإعادة تعريف معنى الدولة نفسها.
فإذا بقيت الإدارة السياسية تقوم على ردود الأفعال، وعلى القرارات التي تتغير بتغير الأشخاص، فإننا قد نكون أمام انتقال في السلطة أكثر من كونه انتقالاً في الدولة.
المواطن السوري لا يريد أن يعرف فقط من جلس في المكتب، بل ماذا سيجد عندما يراجع ذلك المكتب.
يريد مدرسة تعمل، ومستشفى يحترم المريض، وبلدية تستطيع معالجة مشكلة في شارع، وقضاءً لا يسأل المواطن أولاً عن انتمائه. وهذه التفاصيل ليست هامشية؛ منها تُبنى ثقة الناس بالدولة.
كما أن إعادة بناء سوريا لا يمكن أن تقوم على استبعاد الخبرات أو التعامل مع الكفاءة بوصفها مسألة ثانوية. البلد خرج من حرب طويلة، ويحتاج إلى كل عقل قادر، وكل اختصاصي، وكل خبير، وكل يد تستطيع أن تساهم في إعادة البناء . والشتات السوري ليس عبئاً على الدولة، بل يمكن أن يكون خزّاناً للخبرة والمعرفة والاستثمار إذا فُتح له الباب .
والدولة التي تريد أن تدخل العصر لا تستطيع أن تخاف من السؤال أو النقد .
النقد ليس مؤامرة، والاختلاف ليس خيانة، والمعارضة في الرأي لا تعني العداء للوطن .
بل إن الدولة الواثقة من مؤسساتها لا تخشى الأصوات المختلفة، لأنها تعرف أن تصحيح الأخطاء أقل كلفة من تركها تتراكم .
هذه ليست دعوة إلى التشاؤم، ولا محاولة لفتح أبواب الفوضى .
إنها مجرد مشاغبات سياسية نقرأ بها ما نراه، لأن المرارة ليست هي الهدف .
وربما أحياناً يكون طعم المرارة في الدواء ضرورياً، لا لكي نشعر بمرارته، بل لكي نصل إلى التعافي والقوة .
سوريا اليوم أمام فرصة تاريخية .
وقد يكون تغيير الوجوه بداية ضرورية، لكنه ليس نهاية الطريق .
الامتحان الحقيقي هو أن تتغير الدولة نفسها :
مؤسساتها، قوانينها، علاقتها بالمواطن، وطريقة توزيع السلطة فيها .
فالتحول السياسي لحظة تاريخية،
أما بناء الدولة فهو امتحان طويل . والسؤال الذي سيحسم مستقبل سوريا ليس فقط :
من يحكم ؟
بل: كيف تُحكم البلاد ، ولمن تكون الدولة ؟
سوريا تستحق أكثر من مجرد تغيير الوجوه … تستحق دولة .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *