هل تتجه البلاد نحو الديكتاتورية أم أن الديمقراطية الكويتية أصبحت مجرد ذكرى؟ – خليل كارده

 

الكويت من ديمقراطية الخليج  إلى دولة بلا برلمان ,لم تكن الكويت تاريخياً دولة عادية في منطقة

الخليج,فقد تميزت بوجود دستور وبرلمان منتخب وحياة سياسية أكثر انفتاحاً من كثير من دول

المنطقة,وكان مجلس الأمة يمثل مساحة حقيقية للنقاش والرقابة والمساءلة,لكن المشهد الكويتي خلال

السنوات الأخيرة شهد تحولات عميقة تطرح سؤالاً لا يمكن تجاهله,إلى أين تتجه الكويت؟وهل نحن أمام

مرحلة انتقال من النظام الدستوري البرلماني إلى حكم تتركز فيه السلطات بصورة متزايدة في يد السلطة

التنفيذية؟

في 10مايو/أيار 2024,صدر قرار بحل مجلس الأمة وتعليق عدد من مواد الدستور لمدة تصل إلى

أربع سنوات,وهو ماأدى عملياً إلى غياب المؤسسة التشريعية المنتخبة ومنح الأمير والحكومة صلاحيات

تشريعية واسعة خلال فترة التعليق.

قد تقول السلطة إن هذه الإجراءات جاءت لتصحيح المسار السياسي وإن الخلافات المتكررة بين

الحكومة ومجلس الأمة عطلت الدولة وأعاقت الإصلاح,لكن السؤال الذي يطرح نفسه,هل يكون علاج

أزمات الديمقراطية بإلغاء إحدى أهم مؤسساتها؟

الديمقراطية قد تكون مليئة بالمشكلات,والبرلمانات قد تخطئ والنواب قد يتجاوزون أحياناً,لكن العلاج

في النظام الديمقراطي لا يكون بإلغاء البرلمان وإيقاف الحياة السياسية وإنما بإصلاح القوانين وتعزيز

المؤسسات والاحتكام الى الشعب. والأخطر من ذلك أن ملف الجنسية الكويتية أصبح خلال السنوات

الأخيرة قضية سياسية وإنسانية شديدة الحساسية.فقد شهدت الكويت حملة واسعة لسحب الجنسية وأكدت

مصادر دولية أن عشرات الآلاف فقدوا الجنسية فيما أشارت تقارير إلى أن نحو 50 ألف شخص جُرّدوا

منها خلال عام 2025 وحده. وبغض النظر عن مبررات السلطة في بعض الحالات,سواء تعلق الأمر

بالتزوير أو الازدواجية أو غيرها من المخالفات,فإن القضية الأساسية هي,هل يمكن أن تتحول الجنسية

من حق قانوني إلى أداة تستخدم في الصراع السياسي؟

الجنسية ليست مجرد ورقة أو جواز سفر إنها هوية الإنسان,وحقه في وطنه ومستقبل أبنائه وحقه في

العمل والتعليم والسكن والتنقل والحياة الطبيعية. وعندما تُسحب الجنسية من شخصوفإن آثار القرار

لا تتوقف عنده بل قد تمتد إلى زوجته وأطفاله وأسرته وأجيال قادمة. ولهذا فإن أي إجراء يتعلق

بالجنسية يجب أن يخضع لأعلى درجات العدالة والشفافية,وأن يكون قابلاً للطعن أمام قضاء مستقل

وألا يتحول إلى عقوبة سياسية أو وسيلة لإسكات المعارضين.

وفي أحدث التطورات أصدرت محكمة التمييز الكويتية في 6 سبتمبر/أيلول 2026 أحكاماً بالسجن

بحق عدد من النواب السابقين,بينهم مهند الساير وصالح الملا وبدر الداهوم,كما قضت بسجن مسلم

البراك وسالم النملان ثلاث سنوات في قضية أخرى,مع أحكام أخرى شملت نواباً سابقين.

إذا كان النائب المنتخب لا يستطيع التعبير عن رأيه,وإذا كان البرلمان مغلقاً,وإذا كان السياسي المعارض

يواجه السجن,وإذا أصبحت الجنسية نفسها عرضة للسحب على نطاق واسع,فإين تقف حدود المعارضة

السياسية؟ وأين تبدأ الديكتاتورية؟

لايعني ذلك بالضرورة أن الكويت أصبحت دولة ديكتاتورية بالمعنى الكامل للكلمة,فالتوصيف السياسي

يحتاج إلى النظر إلى مجمل مؤسسات الدولة والقوانين والممارسات. لكن المؤكد أن المسار الحالي

يحمل مؤشرات واضحة على تراجع الحياة السياسية وتراجع الضوابط الديمقراطية.

الكويت أمام مفترق طرق تاريخي. إما أن تكون المرحلة الحالية إعادة ترتيب مؤقتة للنظام السياسي

يهدف إصلاح الخلل والعودة إلى الحياة الدستورية بصورة أكثر قوة وإما أن تتحول إلى مسار دائم

نحو تركيز السلطة وإضعاف المشاركة الشعبية.

فالكويت التي عرفناها لم تكن مميزة بثروتها النفطية فقط,وإنما كانت مميزة أيضاً بتجربتها السياسية

وبمساحة الحرية التي جعلتها مختلفة عن محيطها الخليجي.

لكن المؤشرات الحالية تستحق القلق وتستحق قبل فوات الأوان أن يفتح الكويتيون أنفسهم حواراً

وطنياً حقيقياً حول مستقبل دولتهم.

 

خليل كارده

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *