توحيد البيشمركة… حين يصبح الاختلاف السياسي قوةً لا انقساماً- * ماهين شيخاني

 

 

من جرح الانقسام إلى مؤسسة واحدة

في هولير، اليوم، لم يكن المشهد مجرد مراسم عسكرية أو إعلان إداري جديد. كان وراءه تاريخ طويل من الانقسام، ومحاولات متواصلة لإعادة بناء قوة كوردستانية موحدة.

في 21 أيلول/سبتمبر 2026، أُعلن رسمياً اكتمال عملية توحيد وإعادة تنظيم قوات البيشمركة تحت مظلة وزارة البيشمركة في حكومة إقليم كوردستان، بحضور رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني، ورئيس الحكومة مسرور بارزاني، ونائب رئيس الحكومة قوباد طالباني، ووزير البيشمركة شورش إسماعيل، إلى جانب الفريق أول الركن عبد الأمير الشمري، مدير مكتب القائد العام للقوات المسلحة العراقية، وعدد من المسؤولين والقيادات.

وقد شملت العملية دمج قوات الوحدتين 70 و80 ضمن هيكل مؤسساتي موحد للقيادة والسيطرة، مع تنظيم القوات في ألوية وفرق وقيادات مناطقية.

وهنا تكمن أهمية الحدث.

فالمسألة ليست مجرد توحيد تشكيلات عسكرية؛ إنها محاولة لتحويل تاريخ طويل من التعدد في مراكز القوة إلى مؤسسة واحدة تخضع لمرجعية رسمية.

لماذا يمثل هذا اليوم أهمية خاصة للكورد؟

لقد عاشت قوات البيشمركة لعقود واقعاً ارتبط فيه جزء من تشكيلاتها تاريخياً بالقوتين السياسيتين الرئيسيتين في إقليم كوردستان، الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني.

وكان هذا الواقع واحداً من أكثر الملفات تعقيداً في تجربة الإقليم.

فالتعدد السياسي يمكن أن يكون مصدر قوة عندما يتحول إلى تنافس ديمقراطي، لكنه يصبح مشكلة عندما يتحول إلى تعدد في المؤسسات السيادية أو إلى قوى مسلحة مرتبطة بمراكز حزبية مختلفة.

ومن هنا فإن توحيد البيشمركة يحمل معنى يتجاوز البعد العسكري:

أن يكون الانتماء الحزبي حقاً سياسياً، لكن لا يكون الانتماء الحزبي بديلاً عن المؤسسة.

وهذا تحديداً ما أكدته قيادة حكومة إقليم كوردستان في حديثها عن ضرورة أن تكون قوات البيشمركة فوق المصالح الحزبية والشخصية، وأن يكون الانتماء الوطني والكوردستاني هو المعيار داخلها.

الوحدة لا تعني إلغاء الاختلاف

ربما يكون هذا هو الدرس الأهم.

فكوردستان لم تصل إلى هذه اللحظة لأنها ألغت التعدد السياسي، بل لأنها بدأت تضع بعض المؤسسات والقضايا الأساسية فوق التنافس الحزبي.

وهذا فرق جوهري.

الوحدة ليست أن يصبح الجميع حزباً واحداً، ولا أن تتطابق الآراء والمواقف؛ الوحدة أن نتفق على المؤسسات التي لا يجوز أن تكون رهينة للخلافات الحزبية.

ولهذا فإن توحيد البيشمركة لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره انتصاراً لحزب على حزب، بل باعتباره محاولة لترسيخ مبدأ: القوة العسكرية الرسمية يجب أن تكون ملكاً للمؤسسة، لا ملكاً للتنظيم السياسي.

ومن هذه الزاوية، يصبح المشهد أكبر من حدود هولير.

من أيلول إلى اليوم

إذا كانت ثورة أيلول قد تركت في الذاكرة الكوردية معنى التضحية والمقاومة، وإذا كانت انتفاضة 1991 قد فتحت الطريق أمام بناء المؤسسات، فإن تجربة العقود اللاحقة قدمت درساً آخر:

لا يمكن للقضية أن تتحول إلى مشروع مستدام من دون مؤسسات قوية.

لقد دفعت البيشمركة ثمناً باهظاً عبر عقود من الصراع، وواجهت تنظيم داعش إلى جانب القوات العراقية وقوات التحالف، وقدمت تضحيات كبيرة. واليوم تأتي خطوة توحيدها لتضع تلك التضحيات داخل إطار مؤسساتي أكثر وضوحاً.

لكن الاحتفال بالإنجاز لا ينبغي أن يحجب ما بعده.

فتوحيد القوات ليس نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة تحتاج إلى ترسيخ القيادة والسيطرة الموحدة، وتطوير التدريب والتجهيز، وتعزيز التنسيق مع الجيش العراقي، وترجمة التوحيد العسكري إلى مؤسسة مستقرة وقادرة على أداء مهامها ضمن الإطار الدستوري العراقي.

كما أن ملف حقوق البيشمركة ومستحقاتها وعلاقتها بالمنظومة الدفاعية الاتحادية سيبقى جزءاً من التحديات التي تحتاج إلى معالجة مؤسساتية وسياسية.

إذن، اكتمال التوحيد لا يعني انتهاء الطريق، بل بداية مرحلة جديدة عنوانها:

المأسسة، والاحتراف، والقرار المؤسسي.

وما الذي يقوله هذا لكورد سوريا؟

ليس المطلوب من كورد سوريا أن يستنسخوا تجربة كوردستان العراق؛ فالظروف التاريخية والسياسية مختلفة، وكل جزء من كوردستان له خصوصيته.

لكن هناك درساً لا يحتاج إلى استنساخ:

حين تتقدم المصلحة العليا على الحسابات الحزبية، تتحول التضحيات إلى قوة سياسية.

وكورد سوريا، بعد سنوات طويلة من التضحيات والحروب والنزوح والإدارة والمؤسسات، بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى تحويل التعدد السياسي إلى عنصر قوة، لا إلى سبب للتشرذم.

يمكن أن تختلف الأحزاب في البرامج والوسائل والعلاقات السياسية، لكن من الضروري أن يكون هناك اتفاق على الحد الأدنى من الحقوق والمصالح القومية: اللغة، والهوية، والتعليم، والحقوق الدستورية، والأمن، والشراكة السياسية.

فالقضية لا تحتاج إلى حزب واحد.

إنها تحتاج إلى رؤية واحدة في القضايا المصيرية.

الوحدة لا تلغي الاختلاف… بل تمنحه اتجاهاً

فالقوة ليست في أن تتشابه الأصوات، ولا في أن يصبح الجميع على رأي واحد، بل في أن تعرف هذه الأصوات كيف تلتقي عندما يتعلق الأمر بالقضايا المصيرية.

توحيد البيشمركة لا يعني إلغاء التعدد السياسي، بل يعني أن تكون هناك مؤسسات تتجاوز الانتماءات الحزبية، وأن تبقى القضايا الكبرى أكبر من الخلافات الصغيرة.

وهنا تكمن الرسالة الأعمق:

يمكن أن نختلف في السياسة، دون أن نختلف على الوطن.

 

يمكن أن تتعدد الأحزاب، دون أن تتعدد المؤسسات السيادية.

 

ويمكن أن تختلف الرؤى، دون أن تضيع البوصلة.

من أيلول إلى كولان، ومن انتفاضة 1991 إلى بناء مؤسسات كوردستان، ومن سنوات الانقسام إلى توحيد البيشمركة اليوم، يبدو الدرس واضحاً:

القوة وحدها لا تصنع المستقبل…

 

لكن القوة حين تحميها الوحدة والمؤسسات، تستطيع أن تصنع تاريخاً جديداً.

وربما تكون خلاصة هذا اليوم أبسط من كل الشعارات:

الوحدة لا تعني أن نتشابه، بل أن نعرف أين يجب أن نقف معاً.

وتوحيد البيشمركة ليس نهاية تاريخ الانقسام، ولا ضمانة تلقائية للمستقبل، لكنه خطوة مهمة في طريق تحويل القوة من واقع حزبي متشعب إلى مؤسسة رسمية موحدة.

حين تصبح الوحدة مؤسسة، يصبح الاختلاف السياسي قوةً لا انقساماً.

21/9/2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *