د. محمود عباس- الشبكة السورية لحقوق الإنسان وفضل عبد الغني محاكمة مَن هزم داعش وتجاهل مَن صنعه

ظهر فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، من مقرها في الدوحة لا من داخل سوريا، رغم حملها اسم سوريا، عبر قناة «سوريا الثانية»، ليطالب دول التحالف الدولي بإنشاء لجنة مستقلة لتعويض ضحايا عملياته. وجاء ظهوره في سياق بدا منسجمًا مع مساعي الحكومة السورية الانتقالية لتبرئة بيئتها وداعش من جرائمهما، ونقل الاتهام إلى قوات «قسد» والكورد، فيما يشبه محاولة للثأر ممن حطموا دولة التنظيم.

واستند عبد الغني إلى توثيق مقتل 3048 مدنيًا، ووقوع 172 مجزرة و181 اعتداءً على منشآت مدنية. وليس الاعتراض على توثيق الضحايا أو المطالبة بحقوقهم، بل على انتقائية تفصل هذه الأرقام عن سياق الحرب، وتضع مَن حارب داعش في قفص الاتهام، بينما تدفع بالتنظيم وجرائمه وضحاياه إلى هامش المشهد.

بهذه المنهجية، لا تعود الشبكة معنية بكشف الجريمة كاملة، بل بإعادة ترتيب أدوارها، يُقدَّم التحالف الدولي وقوات «قسد» بوصفهما المتهمين، بينما يغيب التنظيم الذي احتل المدن، واتخذ المدنيين دروعًا بشرية، وأقام دولته على الذبح والسبي والتهجير والإبادة.

أين الإيزيديون من هذه العدالة؟ وأين آلاف النساء والأطفال الذين اختطفهم داعش وباعهم في أسواق السبي؟ لقد اختُطف 6417 إيزيديًا، وما يزال أكثر من 2500 منهم مجهولي المصير. فأين مطالبة الشبكة بالبحث عنهم داخل البيوت والشبكات التي أخفتهم؟ وأين ملفات الذين باعوا النساء واشتروهن ونقلوهن بين سوريا والعراق وتركيا؟

وأين جرائم تركيا في غربي كوردستان؟ أين تدمير المنشآت بصورة متكررة، وقتل مئات الكورد في عفرين وكري سبي والجزيرة بالطائرات المسيّرة والقصف المدفعي، ودعم التنظيمات الإجرامية وتسليحها؟ لماذا لا تحضر هذه الجرائم في ميزان الشبكة الحقوقي بالثقل والوضوح نفسيهما؟

وأين جرائم نظام الأسد والتنظيمات السلفية التكفيرية التي عملت تحت غطاء المعارضة؟ أين ضحايا القتل والاختفاء والتهجير وتدمير المدن؟ أم أن محاربة داعش كان ينبغي أن تتم بالأكف المرفوعة والخدود المكشوفة، كيلا تُزعج ضمير منظمة حقوقية استيقظت اليوم لمحاسبة مَن هزم التنظيم، لا مَن أنشأه وموله واحتضنه؟

يا فضل عبد الغني، توثيق ضحايا التحالف واجب، لكن فصلهم عن سياق الحرب تزوير للحقيقة. فالعدالة التي تلاحق نتائج المعركة وتتجاهل أسبابها ليست عدالة، والتقرير الذي يضع قاتل داعش في الواجهة ويُخفي داعش خلف الأرقام لا يحمي المدنيين، بل يمنح التنظيم فرصة للعودة بملابس أنيقة وربطة عنق حقوقية.

داعش يعود إلى سوريا من أبوابها العريضة. لا يعود باسمه ورايته السوداء، بل عبر عناصر خرجت من بيئته العقائدية، وأُعيد توزيعها داخل مؤسسات الحكومة الانتقالية وتشكيلاتها العسكرية والأمنية. وبعض الذين كان ينبغي التحقيق في ماضيهم يتولون اليوم إدارات وقيادة ألوية، فيما تتحول المعركة الحقوقية إلى ملاحقة الكورد والقوى التي حطمت «دولة الخلافة».

المطلوب ليس إعفاء التحالف الدولي، الذي أصبحت سوريا العضو التسعين فيه، من المساءلة عن أي انتهاك ثابت، بل منع تحويل حقوق الإنسان إلى أداة للثأر من الذين قاتلوا داعش. فالإنسانية تبدأ بالبحث عن النساء والأطفال المفقودين، وكشف المقابر الجماعية، ومحاكمة تجار السبي وقادة التنظيم ومَن أعاد تدويرهم، لا باقتطاع أرقام من حرب وجودية واستخدامها لغسل التاريخ الإجرامي لداعش.

على المنظمات الحقوقية الجادة أن تواجه هذا الانحراف، وأن تسأل الشبكة ومديرها: لماذا يُستدعى مَن قاتل داعش إلى المحاكمة، بينما يدخل بعض الخارجين من بيئته إلى مؤسسات الدولة من دون مساءلة؟ وهل الدافع حقوقي فعلًا، أم أن استهداف دول ثرية وقادرة على دفع التعويضات أسهل وأكثر ربحًا؟ أم أننا أمام شبكة تثير خلفياتها وانتقائيتها الشكوك، وتحوّل العمل الحقوقي إلى أداة للثأر من الذين هزموا داعش؟

داعش لم يعد بحاجة إلى الخروج من الصحراء؛ فقد وجد مَن يمنحه منصبًا في الدولة، ومَن يضع على عنقه ربطة حقوقية، ومَن يحاول نقل ضحاياه إلى قفص الاتهام.

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

24/9/2026 م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *