المبارزة لدى الكورد : من فنون القتال والدفاع الى الرياضة الأولمبية- أ. د. قاسم المندلاوي

المبارزة بين التراث والرياضة

تُعدّ المبارزة من أقدم فنون القتال التي عرفتها الشعوب ، ثم تطورت عبر العصور لتتحول من وسيلة للدفاع والقتال إلى رياضة قائمة على المهارة والدقة والسرعة والتركيز . وقد ارتبطت المبارزة تاريخيًا بحياة المجتمعات التي عاشت في بيئات تتطلب القوة والشجاعة والقدرة على الدفاع عن النفس ومواجهة الأخطار

ولدى الكورد تاريخ طويل مع أدوات القتال التقليدية وفنون استخدامها، ارتبط بطبيعة حياتهم الجبلية وموقع مناطقهم الجغرافي، وبالظروف الأمنية والعسكرية التي مرت بها المنطقة عبر العصور. ومن هنا يمكن تناول المبارزة لدى الكورد من  زاويتين متكاملتين : المبارزة بوصفها فنا قتاليا قديما : والمبارزة الحديثة بوصفها رياضة أولمبية لها قواعدها وأسلحتها ومؤسساتها التدريبية والتنافسية .

أولًا: المبارزة لدى الكورد قديمًا

تُعدّ المبارزة من فنون القتال العريقة التي عُرفت في الحضارات القديمة في منطقة بلاد الرافدين ومحيطها، وهي المنطقة التي شهدت تعاقب حضارات وشعوب عديدة، من بينها الميديون والكاشيون والسومريون وغيرهم.

وقد كشفت التنقيبات والبعثات الأثرية عن عدد من الأدوات والأسلحة التقليدية، مثل السيوف والخناجر والسكاكين والرماح والعصي والدروع والخوذ وغيرها، وهي أدوات ارتبط استخدامها بالقتال والدفاع والصيد والحياة اليومية.

كما أسهمت الطبيعة الجبلية لمناطق كوردستان في تكوين نمط حياة يتطلب قدرًا كبيرًا من القوة البدنية والتحمل والشجاعة والقدرة على مواجهة الظروف الطبيعية الصعبة. فإلى جانب الدفاع عن النفس ومواجهة الخصوم، ارتبطت مهارات استخدام الأسلحة بالصيد وتأمين الغذاء ومواجهة الحيوانات البرية، فضلًا عن التكيف مع الظروف المناخية القاسية.

ولهذا اهتم الإنسان الكوردي بتطوير أدواته القتالية وتحسين قدراته البدنية والمهارية، فكانت تدريبات القوة والسرعة والتوازن والتحمل جزءًا من الاستعداد لمواجهة الأخطار المحتملة، سواء كانت أخطارًا طبيعية أم عسكرية.

وتشير الروايات والدراسات المتعلقة بتاريخ المنطقة إلى أن الميديين عُرفوا بمهاراتهم القتالية، ومن بينها استخدام الأسلحة والمبارزة. كما ارتبطت بعض أشكال المنافسات البدنية والمهارية بالمناسبات الاجتماعية والاحتفالات والأعياد والأعراس، حيث كانت القوة والمهارة والشجاعة تحظى بمكانة مهمة في المجتمع

ومن هذا المنطلق، لم تكن مهارات استخدام السيف والخنجر والرماح وغيرها مجرد وسائل للقتال، بل ارتبطت أيضًا بالتدريب البدني وتنمية القدرة على التحمل والتوازن والسرعة والدقة

وهكذا يمكن القول إن فنون القتال واستخدام الأسلحة كانت جزءًا من منظومة الحياة في المجتمعات القديمة، وإن مفهوم المبارزة بصورته الحديثة لم يكن قد تبلور بعد بوصفه رياضة لها قواعدها ومؤسساتها وأدواتها المعتمدة

ثانيًا : من ميادين القتال إلى ميادين الرياضة

مع تطور المجتمعات وتغير طبيعة الحروب، بدأت المبارزة تنتقل تدريجيًا من كونها مهارة قتالية وعسكرية إلى نشاط رياضي تنافسي

وخلال العصور الوسطى ، ارتبطت المبارزة بصورة خاصة بالتدريب العسكري وبالطبقات العسكرية والأرستقراطية في أوروبا. ثم شهدت تحولًا مهمًا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين ، عندما أصبحت رياضة أكثر تنظيمًا وإتاحة لمختلف الفئات الاجتماعية

وكان لاختراع الأسلحة النارية وتطور أساليب الحرب أثر كبير في تراجع الدور العسكري للمبارزة، فتحولت تدريجيًا من ساحات القتال إلى ساحات التدريب والمنافسات والاستعراضات الرياضية.

ومع هذا التحول، جرى تطوير قوانين المبارزة وأسلحتها وملابسها وميادينها وأساليب التدريب والتحكيم، وظهرت مدارس متخصصة للمبارزة في عدد من الدول الأوروبية، ولا سيما فرنسا وألمانيا وإيطاليا، لتصبح المبارزة في ما بعد رياضة تنافسية منظمة وذات قواعد دولية واضحة.

ثالثًا : المبارزة في الألعاب الأولمبية

احتلت المبارزة مكانة مهمة في الحركة الأولمبية الحديثة، إذ أُدرجت ضمن برنامج الألعاب الأولمبية منذ الدورة الأولى في أثينا عام 1896، واستمرت ضمن البرنامج الأولمبي عبر الدورات المختلفة

وتطورت المشاركة الأولمبية في المبارزة تدريجيًا ، كما تطورت أساليب التحكيم والتقنيات المستخدمة في تحديد اللمسات، وصولًا إلى اعتماد التحكيم الكهربائي في أسلحة المبارزة في مراحل مختلفة من القرن العشرين

وتضم المبارزة الأولمبية الحديثة ثلاثة أسلحة رئيسية ( 1 – سيف الشيش  2  –  سيف المبارزة  3  – السابر او سيف المبارزة الخفيف  ) ، وتُقام المنافسات في هذه الأسلحة بصورة فردية وفرقية وفق القواعد الدولية المعتمدة .

كما شهدت مشاركة المرأة في المبارزة الأولمبية تطورًا تدريجيًا حتى أصبحت المرأة تشارك في مختلف أسلحة المبارزة وفي المنافسات الفردية والفرقية

وتتطلب رياضة المبارزة الحديثة مجموعة متكاملة من القدرات البدنية والمهارية والعقلية، من بينها سرعة رد الفعل، والرشاقة، والتوازن، والدقة، والتركيز، والقدرة على قراءة حركة المنافس واتخاذ القرار في أجزاء من الثانية .

ومن الناحية التدريبية ، يُعد البدء المبكر نسبيًا في تعلم أساسيات المبارزة عاملًا مهمًا لبناء المهارات الفنية والبدنية بصورة تدريجية، مع مراعاة العمر والنمو البدني والنفسي للناشئ.

رابعًا : واقع المبارزة الحديثة في إقليم كوردستان

إذا انتقلنا من التاريخ إلى الواقع الرياضي المعاصر، نجد أن رياضة المبارزة الأولمبية لا تزال محدودة الحضور في المشهد الرياضي في إقليم كوردستان مقارنة ببعض الألعاب الرياضية الأخرى، الأمر الذي يستحق الدراسة والبحث في أسبابه وسبل معالجته .

فالمبارزة الحديثة ليست مجرد امتداد لاستخدام السيف في الماضي، وإنما هي رياضة أولمبية متطورة تحتاج إلى بنية مؤسسية متخصصة، ومدربين مؤهلين، وقاعات وتجهيزات مناسبة، وبرامج للفئات العمرية المختلفة، ونظام مستمر لاكتشاف المواهب وإعدادها للمنافسات المحلية والدولية .

كما أن تطوير الرياضات الفردية ، ومنها المبارزة ، يتطلب رؤية رياضية واضحة تتجاوز الاهتمام المؤقت بالنتائج ، وتتجه نحو بناء قاعدة واسعة من الناشئين والموهوبين .

ومن أبرز التحديات التي تواجه انتشار المبارزة وغيرها من الرياضات الفردية الحاجة إلى تعزيز الإدارة الرياضية المتخصصة، وتوفير الكوادر التدريبية المؤهلة ، وإنشاء مراكز تدريب مستدامة، وتنظيم البطولات المحلية، وربطها بالمنافسات الوطنية والدولية .

ولا يمكن بناء رياضة أولمبية متقدمة من دون منظومة متكاملة تشمل الإدارة والتدريب والموهبة والتجهيز والتمويل والبطولات والتحكيم والطب الرياضي والتخطيط طويل الأمد .

ومن هنا، فإن النهوض برياضة المبارزة في كوردستان يحتاج إلى مشروع رياضي واضح ومدروس ، يضع هذه الرياضة ضمن إطار الألعاب الأولمبية التي تستحق الاهتمام والرعاية ، ويعمل على اكتشاف المواهب وتطويرها منذ المراحل العمرية المبكرة .

خامسًا : بين إرث الماضي ومتطلبات المستقبل

إن وجود تاريخ طويل لفنون القتال واستخدام الأسلحة في المنطقة يمثل جانبًا من التراث الرياضي والثقافي، لكنه لا يكفي وحده لبناء رياضة أولمبية حديثة

فالمبارزة المعاصرة تعتمد على العلم والتدريب المتخصص والتكنولوجيا وأساليب القياس والتقويم الحديثة ، فضلًا عن الالتزام بالقوانين الدولية وأنظمة المنافسات والتحكيم .

ومن هنا تبرز أهمية الربط بين التراث الرياضي الكوردي وبين الرياضة الحديثة ، ليس من خلال الخلط بين المفهومين ، وإنما من خلال الاستفادة من الإرث التاريخي في تعزيز الاهتمام بالرياضات التي يمكن أن تجد لها قاعدة جماهيرية ومجتمعية في كوردستان .

إن الاستثمار في الناشئين ، وتأسيس مدارس ومراكز للمبارزة ، وتأهيل المدربين والحكام ، وتنظيم البطولات ، وإقامة علاقات مع الاتحادات والمدارس الدولية المتخصصة ، يمكن أن يشكل خطوات عملية نحو بناء قاعدة حقيقية لهذه الرياضة .

سادسا  :  المبارزة الكوردية بين الذاكرة والطموح الأولمبي

لقد انتقلت المبارزة عبر تاريخها الطويل من ساحات القتال والدفاع عن النفس إلى ساحات الرياضة والمنافسة الأولمبية ، وأصبحت اليوم واحدة من الرياضات التي تجمع بين القوة والسرعة والذكاء والدقة والانضباط .

أما في كوردستان ، فإن استحضار تاريخ فنون القتال واستخدام الأسلحة يمكن أن يكون مدخلًا مهمًا للتعريف بهذه الرياضة وتعزيز الاهتمام بها، لكن التقدم الحقيقي في المبارزة الحديثة يتطلب أكثر من استحضار الماضي  اا  إنه يحتاج إلى مشروع رياضي مؤسسي واضح ، وإدارة متخصصة ، ومدربين مؤهلين ، ومراكز تدريب ، واكتشاف مبكر للمواهب ، واستمرارية في البطولات والمنافسات .

وإذا أردنا أن نرى المبارزة الكوردية حاضرة على الساحات العربية والآسيوية والدولية والأولمبية ، فلا بد من الانتقال من مرحلة الحديث عن أهمية الرياضة إلى مرحلة التخطيط والعمل والتنفيذ والاستثمار في الإنسان الرياضي .

وهذا الموضوع يفتح الباب أمام بحث أوسع في واقع الرياضات الأولمبية في كوردستان ، وأسباب تراجع بعض الألعاب الفردية ، والسبل الكفيلة بإعادة بنائها على أسس علمية ومؤسسية حديثة ، وهو ما سنتناوله بالتفصيل في مقالات قادمة، إن شاء الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *