الانسحاب الأمريكي والسيادة العراقية: هل يبدأ الاستقرار من هنا؟- جورج منصور

 

بعد أكثر من ثلاثة وعشرين عاماً على التحول السياسي الذي شهده العراق عام 2003، يجد العراقيون أنفسهم أمام لحظة تحمل قدراً كبيراً من الرمزية السياسية والتاريخية. فمع اكتمال انسحاب قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، وانتهاء المهمة العسكرية للتحالف في العراق، أعلنت الدولة العراقية يوم السيادة الوطنية، في إشارة إلى انتقال البلاد إلى مرحلة جديدة تتحمل فيها مؤسساتها الأمنية والسياسية المسؤولية الكاملة عن حماية الدولة وإدارة شؤونها.

ولا شك أن هذه اللحظة تمثل تحولاً مهماً في مسار العراق الحديث. فالبلاد التي كانت في مراحل سابقة تعتمد على وجود عسكري دولي واسع في مواجهة تنظيم داعش، أصبحت اليوم أمام واقع أمني مختلف، تتحمل فيه القوات العراقية المسؤولية الأساسية عن حماية البلاد، فيما تستمر أشكال من التعاون الأمني والعسكري الثنائي مع الولايات المتحدة وفق احتياجات الطرفين.

لكن انتهاء المهمة العسكرية للتحالف، على أهميته، يفتح سؤالاً أوسع من مسألة الوجود الأجنبي: هل تكفي استعادة السيادة الأمنية لإنتاج الاستقرار السياسي؟

هنا تكمن المفارقة العراقية.

فقد استطاع العراق خلال السنوات الماضية أن يقطع شوطاً مهماً في استعادة قدرته على إدارة ملفه الأمني، وأن يتجاوز واحدة من أخطر المراحل في تاريخه الحديث، عندما سيطر تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه. كما نجحت القوات العراقية، بدعم التحالف الدولي، في استعادة المدن والمناطق التي سيطر عليها التنظيم، ثم تطورت قدرات المؤسسات الأمنية تدريجياً حتى أصبحت الدولة أكثر قدرة على تحمل مسؤولياتها الأمنية.

غير أن بناء الدولة لا ينتهي بانتهاء الحرب، كما أن السيادة لا تختزل في خروج القوات الأجنبية من البلاد.

فالسيادة، في معناها الأعمق، تعني أن تكون الدولة صاحبة القرار في أمنها واقتصادها وعلاقاتها الخارجية، وأن تكون مؤسساتها قادرة على تطبيق القانون على الجميع، وأن يكون السلاح والقرار الأمني خاضعين لسلطة الدولة، وأن يشعر المواطن بأن مؤسسات بلاده موجودة لخدمته وحمايته، لا لتقاسم النفوذ فيما بينها.

ومن هنا، فإن إعلان يوم السيادة يمكن أن يمثل نهاية مرحلة، لكنه في الوقت نفسه يضع العراق أمام اختبار أكثر صعوبة: ماذا سيفعل بهذه السيادة؟

لقد كان الوجود العسكري للتحالف واحداً من عناوين المشهد العراقي منذ عام 2014، حين عاد التحالف إلى العراق في إطار الحرب على تنظيم داعش. ومع انتهاء هذه المهمة، تنتقل المسؤولية بصورة أكبر إلى الداخل العراقي. وهذا يعني أن نجاح المرحلة المقبلة لن يقاس فقط بقدرة القوات الأمنية على مواجهة الخطر الإرهابي، وإنما بقدرة الدولة على منع عودة الفوضى، وحصر القرار الأمني بالمؤسسات الرسمية، وإدارة التوازنات الداخلية والخارجية من موقع الدولة لا من موقع الأطراف المتنافسة داخلها.

وهنا تعود مشكلة الاستقرار السياسي إلى الواجهة.

فالعراق يمتلك دستوراً ومؤسسات منتخبة وبرلماناً وحكومة وقضاءً وأجهزة أمنية، كما شهد خلال العقدين الماضيين انتخابات وتداولاً للسلطة وتغيراً في الحكومات. ومع ذلك، فإن وجود المؤسسات لا يعني بالضرورة أنها وصلت إلى درجة النضج التي تمكنها من إنتاج استقرار مستدام.

المشكلة ليست في غياب الدولة، وإنما في ضعف قدرتها أحياناً على فرض قواعدها بصورة متساوية ومستقرة.

ومن أبرز مظاهر هذه المشكلة النظام السياسي الذي نشأ بعد عام 2003، والذي اعتمد بصورة واسعة على التوافق بين القوى والمكونات المختلفة. وقد كان لهذا التوافق مبرراته في مجتمع شديد التنوع، إذ وفر آلية لمشاركة المكونات السياسية والقومية والمذهبية المختلفة في إدارة الدولة، وساعد في تجنب عودة نموذج احتكار السلطة الذي عرفه العراق في مراحل سابقة.

لكن التوافق، عندما يتحول من وسيلة لحماية التعدد إلى قاعدة دائمة لتوزيع المناصب والنفوذ، يمكن أن يتحول إلى مصدر لتعطيل الدولة.

وهنا نشأت واحدة من أعقد مفارقات التجربة العراقية: كلما اتسعت دائرة المشاركة السياسية، لم تنجح الدولة بالضرورة في زيادة قدرتها على اتخاذ القرار.

فبدلاً من أن تكون الأحزاب والقوى السياسية أدوات للتنافس حول البرامج والسياسات العامة، تحولت المنافسة في أحيان كثيرة إلى صراع حول المواقع والموارد والنفوذ. وأصبح تشكيل الحكومات عملية شديدة التعقيد، تتطلب تسويات واسعة بين القوى السياسية، بينما تتراجع أحياناً البرامج الحكومية الواضحة خلف هذه التسويات.

ولهذا فإن المشكلة العراقية لم تعد تتعلق فقط بكيفية الوصول إلى السلطة، وإنما بكيفية استخدام السلطة بعد الوصول إليها.

وهذا يقود إلى ملف آخر لا يقل أهمية، هو الفساد.

فالفساد في العراق ليس مجرد مشكلة مالية أو إدارية، وإنما يمثل أحد العوامل التي تؤثر بصورة مباشرة في علاقة المواطن بالدولة. فكل مشروع متعثر، وكل خدمة لا تصل إلى مستحقيها، وكل وظيفة تُمنح بعيداً عن الكفاءة، وكل ملف فساد لا يجد طريقه إلى المحاسبة، يساهم في إضعاف الثقة بالمؤسسات العامة.

وقد شهد العراق خلال السنوات الأخيرة تحركاً أكبر في ملف مكافحة الفساد، وصدرت أحكام وفتحت تحقيقات وطُرحت برامج للإصلاح، لكن المشكلة لا يمكن أن تعالج بحملات متفرقة مهما كانت أهميتها. المطلوب هو بناء منظومة مؤسساتية تجعل الرقابة والمساءلة جزءاً طبيعياً من عمل الدولة، وليس نتيجة لضغط سياسي أو ظرف استثنائي.

فالدولة لا تستعيد هيبتها من خلال العقوبة وحدها، وإنما من خلال قدرتها على منع التجاوز قبل وقوعه.

وإذا كان الفساد يضعف الدولة من الداخل، فإن الاقتصاد الريعي يجعلها أكثر تعرضاً للتقلبات الخارجية.

يمتلك العراق ثروة نفطية هائلة، وهي ميزة اقتصادية مهمة، لكن الاعتماد الكبير على النفط جعل الموازنة العامة شديدة الارتباط بأسعار الطاقة العالمية. كما أدى توسع القطاع الحكومي إلى جعل الدولة مصدراً رئيسياً للعمل والدخل، في وقت ما يزال فيه القطاع الخاص عاجزاً عن استيعاب الأعداد المتزايدة من الشباب الداخلين إلى سوق العمل.

وهنا تتقاطع المشكلة الاقتصادية مع المشكلة السياسية.

فالشاب الذي لا يجد وظيفة، والأسرة التي تواجه صعوبة في الحصول على السكن، والمواطن الذي يعاني من ضعف الخدمات، لا ينظر إلى الدولة من خلال أرقام الناتج المحلي أو حجم الاحتياطي النفطي، وإنما من خلال ما يلمسه في حياته اليومية.

ولهذا فإن الكهرباء والماء والتعليم والصحة والنقل والبنية التحتية ليست ملفات خدمية منفصلة عن الاستقرار السياسي. إنها جزء من شرعية الدولة نفسها.

فكلما تحسنت الخدمات، شعر المواطن بأن الدولة موجودة في حياته بصورة إيجابية. وكلما تراجعت، اتسعت المسافة بين المواطن والمؤسسات.

وتزداد أهمية هذا الأمر في بلد شاب مثل العراق، حيث تمثل الأجيال الجديدة نسبة كبيرة من السكان. هؤلاء لا يحملون بالضرورة ذاكرة الأجيال التي عاشت الحروب والحصار والتحولات الكبرى، وإنما ينظرون إلى الدولة من خلال قدرتها على توفير المستقبل.

إنهم يريدون التعليم، والعمل، والسكن، والقدرة على تأسيس حياة مستقلة، والمشاركة في الحياة العامة، والشعور بأن الفرص لا تحددها العلاقات السياسية أو الحزبية.

ولهذا فإن أزمة الثقة بين المواطن والدولة قد تكون أكثر خطورة على الاستقرار من أي خلاف سياسي عابر.

أما في المجال الأمني، فإن انتهاء مهمة التحالف يضع العراق أمام مرحلة مختلفة. لقد تغيرت طبيعة التهديد منذ هزيمة داعش عسكرياً، لكن الخطر الإرهابي لم يختف بصورة نهائية. كما أن المنطقة المحيطة بالعراق لا تزال تعيش أزمات وصراعات يمكن أن تنعكس على أمنه الداخلي.

وفي الوقت نفسه، تبقى قضية السلاح خارج إطار الدولة من أكثر الملفات حساسية. فالدولة الحديثة لا يمكن أن تمتلك قراراً أمنياً موحداً في ظل تعدد مراكز القوة المسلحة. ولذلك فإن تعزيز سيادة الدولة لا يرتبط فقط بخروج القوات الأجنبية، وإنما أيضاً بقدرة المؤسسات العراقية على توحيد القرار الأمني، وفق الدستور والقانون.

وهنا تبرز المفارقة مرة أخرى: قد تكون الدولة قد استعادت سيادتها في مواجهة الوجود العسكري الأجنبي، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى ترسيخ سيادتها داخل حدودها ومؤسساتها.

إنها معركة مختلفة، لكنها ربما تكون أكثر أهمية على المدى الطويل.

ولا يمكن فصل ذلك عن طبيعة علاقات العراق الخارجية.

فالعراق يقع في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية، ويتأثر بصورة مباشرة بالتنافس بين القوى الإقليمية والدولية. وقد دفع موقعه الجغرافي والسياسي خلال السنوات الماضية إلى أن يكون أحياناً ساحة للتنافس الأميركي ـ الإيراني، كما تأثر بالأزمات المحيطة به.

ومع انتهاء مهمة التحالف الدولي، تزداد الحاجة إلى سياسة خارجية عراقية متوازنة تقوم على مبدأ أساسي: أن تكون العلاقات الدولية أداة لخدمة المصالح العراقية، لا أن يتحول العراق إلى ساحة للصراع بين الآخرين.

وهذا لا يعني الانعزال عن العالم، بل على العكس؛ فالعراق يحتاج إلى علاقات اقتصادية وأمنية وسياسية واسعة مع الولايات المتحدة والدول العربية ودول الجوار وأوروبا والمجتمع الدولي. لكن نجاح هذه العلاقات يتوقف على قدرة بغداد على صياغتها وفق أولوياتها الوطنية.

ومن الملفات التي ستظل مؤثرة في الاستقرار السياسي أيضاً العلاقة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان.

لقد وضع الدستور إطاراً لهذه العلاقة، لكن الخلافات المتعلقة بالنفط والموارد المالية والصلاحيات الإدارية والأمنية ظلت تتكرر بأشكال مختلفة. ولا يبدو أن استمرار هذه الخلافات يخدم أياً من الطرفين، لأن الاستقرار العراقي يحتاج إلى علاقة اتحادية أكثر وضوحاً واستقراراً، تقوم على الدستور والحوار والمؤسسات.

فالاختلاف السياسي طبيعي في أي دولة اتحادية، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الاختلافات إلى أزمات دائمة تعطل مؤسسات الدولة أو تستنزف مواردها.

وإذا كان العراق قد دخل الآن مرحلة جديدة عنوانها السيادة، فإن المطلوب أن تشمل هذه السيادة مختلف مؤسسات الدولة، لا المؤسسة الأمنية وحدها.

فالسيادة الاقتصادية تعني امتلاك القدرة على إدارة الموارد وتنويع الاقتصاد. والسيادة السياسية تعني أن تكون المؤسسات الدستورية هي المرجعية في صناعة القرار. والسيادة القانونية تعني تطبيق القانون على الجميع. والسيادة الأمنية تعني توحيد القرار العسكري والأمني. أما السيادة الاجتماعية، في معناها الأوسع، فتعني أن يشعر المواطن بأن الدولة تمثله وتحمي حقوقه وتمنحه فرصة عادلة في بناء مستقبله.

من هنا، فإن يوم السيادة الوطنية ينبغي ألا يُفهم باعتباره مجرد مناسبة للاحتفال بانتهاء وجود عسكري أجنبي، بل باعتباره بداية مسؤولية عراقية كاملة.

فالمرحلة السابقة كانت تتطلب تحرير الأرض من تنظيم داعش، أما المرحلة الجديدة فتتطلب تحرير مؤسسات الدولة من نقاط الضعف التي تراكمت فيها طوال سنوات.

وهذا هو التحدي الأصعب.

إن بناء الدولة لا يتم بقرار واحد، ولا بانسحاب قوات أجنبية، ولا بتشكيل حكومة جديدة. إنه عملية طويلة تتطلب إعادة تعريف العلاقة بين السياسي والمؤسسة، وبين المواطن والدولة، وبين السلطة والقانون.

العراق لا يحتاج اليوم إلى نظام سياسي جديد بقدر ما يحتاج إلى جعل النظام القائم أكثر قدرة على العمل. يحتاج إلى مؤسسات أقوى، وإدارة أكثر كفاءة، وقضاء مستقل وفاعل، وأجهزة رقابية قادرة على المحاسبة، واقتصاد أكثر تنوعاً، وخدمات أفضل، وسياسة خارجية أكثر توازناً، وقرار أمني موحد.

كما يحتاج إلى تجاوز فكرة أن الاستقرار يعني غياب الاحتجاج أو المعارضة أو الخلاف السياسي. فالاستقرار الحقيقي لا يعني غياب الاختلاف، وإنما قدرة المؤسسات على إدارة الاختلاف دون أن يتحول إلى أزمة دولة.

ومن هذه الزاوية، فإن الديمقراطية والاستقرار ليسا خصمين. بل إن الدولة المستقرة هي التي تستطيع أن تستوعب التعدد السياسي والاجتماعي داخل مؤسساتها، وأن تجعل الانتخابات وسيلة لتغيير السياسات والحكومات، لا مناسبة لإعادة إنتاج الأزمات نفسها.

لقد مر العراق منذ عام 2003 بمراحل كان يمكن لكل واحدة منها أن تدفعه نحو التفكك أو الانهيار. لكنه تجاوزها، واستعاد مؤسسات الدولة، وهزم تنظيم داعش، وأعاد بناء جزء كبير من قدراته الأمنية، واستمر في العملية السياسية رغم عيوبها وأزماتها.

وهذه ليست إنجازات يمكن تجاهلها.

لكن تجاوز الأزمات ليس هو نفسه بناء الاستقرار.

فالدولة قد تنجو من الحرب، ثم تبدأ معركة أصعب لبناء السلام. وقد تستعيد المدن، ثم تجد نفسها مطالبة بإعادة بناء المؤسسات. وقد تنهي وجود القوات الأجنبية، ثم تواجه سؤالاً أكثر عمقاً حول كيفية استخدام السيادة التي أصبحت مسؤوليتها.

ولهذا فإن اللحظة الحالية تبدو مختلفة عن كثير من اللحظات السابقة.

فالعراق لا يقف اليوم أمام سؤال الخروج من أزمة أمنية فحسب، وإنما أمام فرصة لإعادة تعريف الدولة نفسها.

هل تكون الدولة مجرد إطار تتنافس داخله الأحزاب والقوى والمكونات؟ أم تصبح مؤسسة وطنية تتجاوز هذه الانتماءات، وتوفر قواعد واضحة للجميع؟

هل تكون السيادة مجرد عنوان للاحتفال؟ أم تتحول إلى ممارسة يومية في الأمن والاقتصاد والقانون والسياسة الخارجية؟

وهل يستطيع العراق الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء المؤسسات؟

هذه الأسئلة ستحدد إلى حد بعيد شكل المرحلة المقبلة.

إن انتهاء مهمة التحالف الدولي يمثل، بلا شك، محطة مهمة في تاريخ العراق الحديث. لكنه لا ينبغي أن يُحمّل أكثر مما يحتمل. فهو لا يعني أن جميع مشكلات العراق قد انتهت، ولا أن الاستقرار السياسي أصبح أمراً تلقائياً.

بل يمكن النظر إليه باعتباره بداية اختبار جديد.

اختبار قدرة العراق على أن يدير أمنه بنفسه، وأن يحافظ على علاقاته الدولية دون أن يفقد قراره، وأن يوحد مؤسساته، وأن يعزز سيادة القانون، وأن يحول ثروته النفطية إلى تنمية، وأن يوفر لشبابه مستقبلاً أكثر وضوحاً، وأن يبني علاقة جديدة بين المواطن والدولة.

وعندها فقط يمكن أن تنتقل السيادة من كونها مناسبة وطنية إلى واقع سياسي واجتماعي.

فالعراق اليوم لا يفتقد الموارد، ولا الموقع، ولا الطاقات البشرية، ولا التجربة التاريخية. ما ينقصه بصورة أساسية هو تحويل هذه الإمكانات إلى مؤسسات فعالة وقواعد مستقرة وإرادة سياسية قادرة على تجاوز منطق المحاصصة وإدارة النفوذ.

ولذلك، فإن السؤال الحقيقي بعد انسحاب التحالف ليس: هل استعاد العراق سيادته؟

فالإجابة الرسمية أصبحت واضحة.

السؤال الأهم هو: هل يستطيع العراق أن يبني دولة تجعل من هذه السيادة أساساً للاستقرار؟

ذلك هو التحدي الذي يبدأ الآن.

وإذا نجح العراق في الانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى منطق بناء المؤسسات، فقد يكون يوم السيادة الوطنية أكثر من مناسبة رمزية؛ قد يصبح نقطة فاصلة بين عراق عاش طويلاً تحت وطأة الحروب والتدخلات والأزمات، وعراق يبدأ أخيراً في كتابة مستقبله بقراره ومؤسساته ومصالحه الوطنية.

أما إذا بقيت الانقسامات السياسية، وتعدد مراكز النفوذ، وضعف الخدمات، والفساد، والاعتماد الاقتصادي على النفط، والتجاذبات الإقليمية أقوى من مؤسسات الدولة، فإن الاستقرار سيظل، رغم كل التحولات، هدفاً مؤجلاً.

وهنا تكمن مسؤولية المرحلة الجديدة: أن يتحول انتهاء مهمة حماية الآخرين إلى بداية مرحلة يتولى فيها العراق، بمؤسساته وقانونه وإرادته الوطنية، مهمة بناء نفسه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *