الأمن الغذائي والسياسة التموينية – بقلم/ صبيح الكعبي

 تضعنا الآية  الكريمة امام حقيقة{الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْف راسخة؛ وهي أن استقرار المجتمعات يبدأ من تأمين قوتها، وصيانة أمنها الغذائي، غير أن القراءة الموضوعية لواقع ملف التموين في المشهد العراقي اليوم تكشف عن مفارقة واضحة بين كلفة الإنفاق والنتائج الملموسة  

أرض الواقع. وتشير المؤشرات الرسمية لعام2026 إلى تحدٍ لوجستي هائل؛ إذ يبلغ عدد الافراد المسجلين في نظام البطاقة التمونية 45مليون فرد، وهي كلفة مالية وبشرية ضخمة تضع المنظومة تحت طائلة التساؤل المستمر حول مدى كفاءة قنوات التوزيع، والقدرة على حماية السلة الغذائية من ثغرات البيروقراطية وسوء الإدارة التي ترهق جيب المواطن البسيط، وتجعله عرضة لتقلبات الأسواق التجارية.

إن تشخيص واقع الأمن الغذائي يطرح خللاً بنيوياً متمثلاً في المفارقة الصارخة بين حجم المبالغ المرصودة دورياً للاستيراد، وبين جودة المواد الواصلة إلى مائدة المواطن ذي الدخل المحدود؛ فالاعتماد شبه الكامل على الاستيراد الخارجي لتأمين مفردات السلة، بدلاً من تنشيط وتحفيز الإنتاج الزراعي والصناعي المحلي، يشكل استنزافاً مستمراً للعملة الصعبة ومخاطرة استراتيجية برهن لقمة العيش بالأسواق العالمية وضغوطها السياسية والاقتصادية. ويتجلى هذا التراجع بوضوح في قطاع تصنيع الحبوب والصوامع (السايلوهات)؛ حيث لا تزال العديد من المطاحن، سواء أكانت حكومية أم أهلية متعاقدة، تعمل بخطوط إنتاجية قديمة تؤثر سلباً على جودة الطحين الموزع، فضلاً عن افتقار بعض الصوامع للأتمتة الحديثة، مما يجعل المخزون الاستراتيجي من المحاصيل الأساسية، كالقمح، عرضة لمخاطر التلف أو شبهات الهدر والتلاعب الكمي والنوعي.

وفي محاولة للالتفاف على هذه الثغرات وتقليص مساحات الهدر المالي، برزت خطوات نحو التحول الرقمي من خلال إطلاق التطبيقات الإلكترونية للبطاقة التموينية والربط عبر أجهزة الدفع الإلكتروني (POS) لضبط القطع المالي للوكلاء. ورغم أهمية هذه الإجراءات التقنية في محاولة تنقية القوائم من الأسماء الوهمية، إلا أن التجربة الميدانية تشير إلى أن الرقمنة وحدها لا تكفي ما لم تقترن بإجراءات صارمة على الأرض تقودها جهات رقابية مستقلة؛ فالمواطن لا يزال يواجه تذبذباً في مواعيد تجهيز الحصص، ونقصاً في بعض المواد الأساسية، مما يضطره إلى إكمال حاجته اليومية من الأسواق الحرة بأسعار مضاعفة، وهو ما يؤكد وجود فجوة حقيقية في ضبط الخزين الاستراتيجي الذي يُفترض أن يغطي الحاجة الفعلية بشكل مستمر دون انقطاع.

وتأسيساً على هذه المعطيات، فإن الانتقال بملف الأمن الغذائي العراقي من عقلية “الاستيراد الروتيني الخامل” إلى “الإنتاج والتنشيط المستدام” يتطلب معالجات بنيوية جذرية تتجاوز الحلول الإسعافية المؤقتة. ويأتي في مقدمة هذه الحلول تفعيل شراكة حقيقية وشفافة مع القطاع الخاص لإعادة تأهيل وتحديث المطاحن المحلية والصوامع وفق تكنولوجيا حديثة تضمن الجودة العالية، مع إلزامية عزل إنتاج الطحين المخصص للدعم عن المضاربات التجارية (طحين الصفر). إن صياغة مشهد اقتصادي متزن لحماية القوت اليومي تعتمد بالدرجة الأولى على حوكمة عقود التوريد، وإخضاعها لرقابة مالية مكشوفة، وتوجيه الدعم المالي نحو تشجيع الفلاح العراقي والمصانع الوطنية، بما يضمن صيانة الأمن الغذائي واستقراره بعيداً عن أعباء البيروقراطية وأثرها على كاهل المواطن.


ثبت الوثائق والإحصاءات المعتمدة (لحماية المادة الصحفية)

المصادر :

  • بيانات دائرة التخطيط والمتابعة (2026): توثيق تسجيل 45 مليون فرد بنظام التموين، ورصد الكلف التشغيلية المرتبطة به.
  • تقارير الرقابة التجارية والمالية (تحديث 2026): المؤشرات المتعلقة بتقييم كفاءة الخزين الاستراتيجي وفترات التجهيز الفعلي للسلة الغذائية.
  • محاضر مراجعة قطاع تصنيع الحبوب (2026): البيانات الخاصة بالطاقات الإنتاجية للمطاحن ونسب الحاجة للتحديث التكنولوجي لخطوط إنتاج الطحين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *