المخدرات في العراق: حرب صامتة تلتهم مستقبل الوطن- بقلم صبيح الكعبي

 

يقف المشاهد اليوم أمام مشهد اجتماعي عراقي مأساوي يتجاوز في خطورته الحروب التقليدية، حيث تتسلل آفة المخدرات لتفتك ببنيان الأسرة وتهدد طاقات الشباب الذين يمثلون عماد المستقبل. إن رصد هذه الظاهرة بهدوء وموضوعية يكشف أنها لم تعد مجرد انحراف سلوكي عابر، بل تجارة منظمة تعبر الحدود وتستهدف البنية القيمية والصحية للمجتمع، والهدف هنا هو تتبع مسارات هذه الحرب الصامتة ومناشدة الجهات المسؤولة لتفعيل استراتيجيات المواجهة الشاملة لحماية الأرواح.

يقول الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز: “وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ”، لكن واقع الحال يشير إلى أن الأرض العراقية باتت مستهدفة من شبكات دولية ومحلية تستغل بعض المنافذ لتهريب واستيراد سموم مدمرة كالكريستال القادم جنوباً والكبتاجون غرباً، ليتسع الوجع عبر شبكات مروجين محليين يتسللون لتوزيعها بين المقاهي والأحياء، بل إن المأساة امتدت لتجعل من السجون بؤرة مكتظة؛ يختلط فيها المتعاطي الضحية بالتاجر الدولي، مما يحول الزنازين إلى فخاخ تنشر تجربة التعاطي بدلاً من الإصلاح والتهذيب.

إن الأثر الإنساني والاقتصادي لهذه السموم فادح؛ فهو يستنزف الطاقات بزيادة الجريمة وتراجع الإنتاجية، ويحمل المنظومة الصحية أعباء باهظة. وتكشف البيانات الرسمية لوزارة الداخلية عن حجم الكارثة الطبية بضبط أطنان من المواد المخدرة، واعتقال آلاف المتهمين، بينما أصدر القضاء مئات الأحكام الصارمة بالإعدام والسجن المؤبد بحق كبار التجار. وتتوق النفس الناقدة هنا إلى ثورة علاجية حقيقية لإنقاذ الإنسان؛ تثمن سعي وزارتي الصحة والداخلية اللتين بادرتا بافتتاح ستة عشر مركزاً ومصحة تخصصية لعلاج الإدمان وتأهيله في مختلف المحافظات، وتوفير طاقة استيعابية تتجاوز خمسة آلاف سرير لعلاج المدمنين واحتضانهم كمرضى ضحايا، لكنها تطالب بالوقت ذاته بفصل تام للضحايا داخل السجون وتوسيع السعة الاستيعابية لهذه المصحات.

ويتطلب العلاج الجذري تضافر جهود وزارتي الصحة والتربية لتطوير مصحات التأهيل النفسي والجسدي، والتعامل مع المتعاطين كمرضى ضحايا وليس كمجرمين وصمة، لإنقاذ الإنسان وإعادة دمجه في المجتمع واستعادة عافية الوطن. الأرواح التي تضيع في عتمة الإدمان والزنازين تستحق من وزارة العدل والأمانة العامة لمجلس الوزراء قرارات شجاعة تداوي الجراح قبل فوات الأوان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *