لم تعد الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026 مجرد منافسة تقليدية بين حزب الليكود وخصومه؛ إنها اختبار سياسي لثلاثة أعوام من الحرب والانقسام الداخلي، ولقدرة بنيامين نتنياهو على الاحتفاظ بالسلطة في مواجهة معارضة تحاول تحويل الغضب الشعبي إلى تغيير حكومي. وفي قلب هذه المعادلة، يبرز العامل العربي بوصفه أحد المتغيرات التي قد تحدد شكل الحكومة المقبلة، وإن لم يكن قادراً منفرداً على حسمها.
تشير بيانات دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية إلى أن المواطنين العرب يشكلون نحو 21% من سكان إسرائيل، بينما يمثلون قرابة 18% من الناخبين المؤهلين المقيمين داخل البلاد. وهذا فارق سياسي مهم: فالثقل الديموغرافي لا يتحول تلقائياً إلى قوة انتخابية، بل تتوقف فاعليته على المشاركة ونسبة الحسم وتوزيع الأصوات بين القوائم.
التصويت العربي: من الاحتجاج إلى التأثير السياسي
تُظهر التقارير المنشورة اليوم ارتفاعاً لافتاً في المشاركة العربية، في سياق غضب من الحرب في غزة، وتصاعد الجريمة والعنف داخل البلدات العربية، وسياسات الحكومة تجاه المجتمع العربي. وقدّر استطلاع سابق أن المشاركة العربية قد تبلغ 62–63%، فيما وصفت تقارير ميدانية الإقبال في عدد من البلدات بأنه استثنائي.
ومن الممكن قراءة هذا الإقبال بوصفه محاولة لمعاقبة حكومة نتنياهو سياسياً، لا مجرد تعبير عن تأييد برنامج حزبي محدد. فالحرب في غزة، وما خلّفته من خسائر إنسانية وتوترات إقليمية، جعلت التصويت بالنسبة إلى قطاعات من المواطنين العرب وسيلة للاعتراض على السياسات الحكومية، إلى جانب مطالبهم اليومية المتعلقة بالأمن الشخصي والمساواة والميزانيات ومكافحة الجريمة.
لكن من الضروري عدم اختزال دوافع جميع الناخبين العرب في موقف واحد من غزة؛ فالمجتمع العربي متنوع سياسياً واجتماعياً، كما أن التصويت يتأثر بأولويات محلية واقتصادية ومدنية. ومع ذلك، فإن ارتفاع المشاركة يمنح القوائم العربية وزناً تفاوضياً أكبر في برلمان شديد الانقسام.
آيزنكوت ومعادلة إسقاط #نتنياهو
في المعسكر المقابل، يحاول غادي آيزنكوت، رئيس الأركان الإسرائيلي السابق وزعيم حزب «يَشار»، تقديم نفسه باعتباره بديلاً قادراً على إعادة ترتيب الأولويات الأمنية والسياسية. وينتمي آيزنكوت إلى عائلة يهودية ذات أصول مغربية، لكنه يبني خطابه السياسي أساساً على خبرته العسكرية وعلى انتقاد إدارة الحكومة للحرب والأزمات الداخلية.
وتتمحور معركة المعارضة حول تحميل نتنياهو المسؤولية السياسية عن إخفاقات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين شنّت حماس هجومها على إسرائيل، بما في ذلك الهجوم على مهرجان نوفا، وعن تداعيات الحرب التي أعقبته، فضلاً عن الانقسامات المتعلقة بالتجنيد العسكري، والقضاء، ومكانة إسرائيل الدولية.
ولا يعني ذلك أن جميع الناخبين الإسرائيليين يتبنون تفسير المعارضة؛ فأنصار نتنياهو يرون أن حكومته واجهت تحديات أمنية غير مسبوقة، ويتمسكون بأولويات الأمن والهوية السياسية للدولة. لكن الانتخابات تضع مسؤولية إدارة الحرب ونتائجها في صلب المحاسبة السياسية.
وتضم جبهة التغيير قوى وشخصيات مختلفة، من بينها آيزنكوت ونفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان. غير أن اجتماعها على معارضة نتنياهو لا يلغي الاختلافات في رؤيتها الأمنية والاجتماعية، ولا يضمن قدرتها على تشكيل حكومة متماسكة.
لماذا تحرك #الليكود في الساعات الأخيرة؟
مع ارتفاع المشاركة، دعا نتنياهو أنصاره إلى التوجه لصناديق الاقتراع، محذراً من ارتفاع التصويت العربي واليساري. وبحسب «تايمز أوف إسرائيل»، بلغت المشاركة الإجمالية 55.7% بحلول الرابعة عصراً، وهي نسبة قياسية عند ذلك الوقت مقارنة بالانتخابات السابقة.
ويعكس هذا التحرك إدراكاً لأهمية الساعات الأخيرة، حيث قد تؤثر زيادة المشاركة في توزيع المقاعد، خصوصاً إذا تجاوزت قوائم صغيرة أو أخفقت في تجاوز نسبة الحسم. لكن لا يمكن الجزم بأن ارتفاع المشاركة يصب لمصلحة معسكر بعينه من دون بيانات تفصيلية ونتائج نهائية.
إن انتقال وزراء الليكود إلى الشارع لحث الناخبين على التصويت يعكس أن المعركة لم تعد تدور حول شعبية نتنياهو وحدها، بل حول قدرة معسكره على تعبئة قاعدته بما يكفي لمواجهة تعبئة خصومه.
ثلاثة مسارات لتشكيل الحكومة
المسار الأول هو نجاح معسكر التغيير في بناء ائتلاف بقيادة آيزنكوت، عبر جمع أحزاب المعارضة وتفاهمات برلمانية تسمح بتجاوز عتبة 61 مقعداً. لكن العقبة الأساسية تكمن في موقف بعض قادته من إشراك الأحزاب العربية، التي قد تكون أصواتها ضرورية حسابياً رغم التحفظات السياسية المعلنة.
المسار الثاني هو احتفاظ نتنياهو بالسلطة إذا استطاع الليكود وحلفاؤه جمع الأغلبية المطلوبة. ورغم الضغوط التي تواجه معسكره، فإن النتيجة لا تُحسم بحجم الحزب الأكبر وحده، بل بقدرته على بناء ائتلاف قابل للحياة.
أما المسار الثالث فهو حكومة وحدة وطنية تجمع قوى من معسكري نتنياهو وآيزنكوت، ربما عبر تسوية بشأن رئاسة الحكومة أو توزيع الحقائب. غير أن هذا السيناريو يصطدم بتصريحات آيزنكوت الرافضة لحكومة برئاسة نتنياهو، ما يجعل أي صيغة من هذا النوع مشروطة بتغيرات سياسية كبيرة.
وتبقى هناك نتيجة مؤسسية محتملة لا يجوز تجاهلها: إذا تعذر على أي طرف تشكيل أغلبية، فقد تدخل إسرائيل في مفاوضات مطولة أو تتجه إلى انتخابات جديدة. فالفوز بالمقاعد لا يساوي تلقائياً الفوز بالحكم.
الشرق الأوسط بعد #نتنياهو: ما الذي يتغير؟
تتجاوز أهمية هذه الانتخابات الحدود الإسرائيلية. فالحكومة المقبلة ستواجه ملفات إيران وغزة وسوريا والعلاقات مع الولايات المتحدة، إلى جانب الضغوط الدولية المتعلقة بالحرب والوضع الإنساني. وقد يؤثر تغير القيادة في أسلوب إدارة هذه الملفات، لكنه لا يعني بالضرورة انقلاباً فورياً في الثوابت الأمنية الإسرائيلية.
وبالنسبة إلى القضية الكردية في سوريا، فإن أي تحول حكومي في إسرائيل ينبغي قراءته من خلال السياسات الفعلية والمؤسسات، لا عبر الرهان على شخصية سياسية بعينها. فحقوق الكرد ومستقبلهم السياسي يحتاجان إلى مقاربة دبلوماسية مستقلة، تقوم على الحقوق الدستورية والاستقرار السوري وبناء علاقات متعددة الأطراف.
تقف إسرائيل أمام اختبار يتجاوز اسم رئيس الحكومة. فالتصويت العربي المرتفع قد يغير الحسابات البرلمانية، والمعارضة قد تستفيد من الغضب المتراكم تجاه إدارة الحرب، بينما لا يزال الليكود يمتلك قاعدة انتخابية قادرة على المنافسة. لكن الحسم الحقيقي لن يكون في عدد الأصوات وحده، بل في القدرة على تحويلها إلى أغلبية من 61 مقعداً.
إن ما ستقرره صناديق الاقتراع لن يحدد فقط مستقبل نتنياهو، بل سيكشف أيضاً حدود القوة الانتخابية للمجتمع العربي، وقدرة المعارضة على تجاوز خلافاتها، ومدى استعداد النظام السياسي الإسرائيلي لإنتاج حكومة مستقرة بعد سنوات من الحرب والانقسام.
أزاد خليل
كاتب وباحث سياسي

