الناس تتعلم من أفكار الأخرين التي تطرح عليهم شفهياً أو من خلال الكتابة التي يتم نشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي والصحف والكتب أو من خلال الاستماع للبث الإعلامي ومجالسة الآخرين ، لذلك فالكاتب عندما يكتب عليه مسؤولية كبيرة في إيصال الأفكار الصحيحة المغذية للعقل والنافعة للمجتمع ، الكفيلة بتغيير أحوال الناس نحو الأفضل ، وهذه هي الطريقة المثلى لبناء الوعي والإدراك لأفراد المجتمع ، لكن للأسف الكثير من أصحاب الأقلام يكتبون بحقد وكراهية وتفريغ للعقد الفكرية والنفسية وهم لا يشعرون بأنهم يدمرون أفكار الناس ، فهم يعتبرون كتاباتهم دفاعاً عن الحق الذي يظنونه ، يسيئون للأخرين عن جهالة ويستفرغون سمومهم التي تكون سبباً فيما بعد للتناحر والفرقة بين أبناء المجتمع الواحد ، فما ذنب القارىء الذي يتلهف لقراءة مقال أو منشور أو كتاب بعد أن يجذبه ويغريه عنوان المقال بقصد تطوير قدراته الثقافية وإضافة المعلومة الجديدة لرصيده المعرفي فيصيبه التلوث الفكري من حيث لا يدري ، لأنه سيجد مقالاً يزخر بمفردات جميلة تتحدث عن الحق والدفاع عن الحق لكنه في النهاية سيجد هذا الحق مجرد صبغة خارجية للمقال ، أما المحتوى الداخلي هلاوس وإساءات للأخرين ، فهل الدفاع عن الحق يستوجب كلاماً فظاً مملوءاً بالإساءات للأخرين أم أن الحق المزعوم والذي يدافعون عنه فيه من العيوب التي لا يمكن طرحها إلا بهذا الشكل ؟ تساؤلات مشروعة لأن الحق دائماً طبعه جميل ومحبب للنفوس ولا يحتاج خلطه بالسموم ، لو كان الدفاع عن الحق بأسلوب هادئ وكلمة رصينة وحرص شديد دون الإساءة للأخرين بالتأكيد سيجد طريقه إلى القلوب لتقبله وينعكس على السلوك بشكل مثمر من قبل الأعداء قبل الأصدقاء حتى وأن كان ذلك الحق ضعيفا ولا يستند على حقائق يبقى الأسلوب كفيل في تقبله . المشكلة أن مثل هذا الكاتب المسيء لا يعرف سلبيات كتاباته حين يكتب ، فهو يزيد من الكراهية ضد الطرف المخالف ويزيد من العصبية والتطرف عند الطرف الصديق ، فبدل أن يعمل على التقارب والمحبة بين الناس رغم الخلاف والاختلاف بينهم وهذا واجب الكاتب نراه يعمل العكس لأنه يمتلك موهبة الكتابة ولا يمتلك الأفكار النافعة ولا يعرف معنى أهمية خصلة المحبة ، يمكننا القول أن بعض أصحاب الأقلام يمتلكون موهبة الكتابة وتسطير الأفكار بسلاسة وإنسيابية وحرفية عالية ، فلماذا لا يجعلون هذه الموهبة سبباً للمحبة بدلاً من الكراهية ، مرد ذلك أنهم ترٌبوا على الخطأ وتشبعت أفكارهم بالكراهية فهم بالحقيقة إنعكاس لأفكار غير صحيحة ، فهم يسعون لدحض الآراء المخالفة والتغلب عليها وهم يعلمون تمام اليقين أن التغلب على أي رأي مغاير لا يأتي عن طريق الإساءة ولا عن طريق ترتيب الكذب فهذا شيء مستحيل مهما كان الرأي المخالف باطلاً . مالا يعرفه أصحاب الأقلام المسمومة هو أن أجمل شيء في الحياة تنوع الأراء والأفكار وأختلاف وجهات النظر ، فهذا سبباً للتنافس والتطور وليس سبباً للتوتر وللإنتقام ، التنوع في المأكل والملبس والأفكار واللغات والأشكال والأعراق ، فالحياة قائمة على التنوع والاختلاف ، لا يوجد شيء في الحياة إلا وتجد سر جماليته في التنوع ، فلماذا نجعل التنوع مشكلة بينما هي معيار للقوة والصلابة ، فهاهي المجتمعات التي إحترمت التنوع صارت سلاطين الأمم وقفزت قفزات طولية وعرضية نحو العُلا ، فلماذا يستكثر بعض الناس التنوع الفكري والعقائدي على مجتمعاتنا التي عاشت منذ الأزل هذا التنوع ؟ وأخيراً يمكن القول بأن هنالك حقيقة مخفية عن أكثر الناس وهي أن المدافعين عن الحق المزعوم بطريقتهم السيئة هم سبب من الأسباب التي تقف وراء تخلف مجتمعاتنا وأنهيار القيم الأخلاقية فيها .

