نظَّمت الشعر يافعًا بشطريه العمودي والحر، ثم اكتشفت بعد فترة قصيرة أنني لست من أهله، فحبال الوصال مع النظم منسوجة من خيوط العنكبوت وما أوهنها، فعزفت عن القافية ونأيت بقلمي عن برجها، ورحت أعزف كما بدأت في نشأتي الأولى على ناي النثر، فموسيقى الحروف المنثورة أقرب إلى النفس من روي القوافي المنظومة.
ولما كان مبلغ الأديب أنْ يطير بمحركي النثر والنظم، فإنني لم أبتعد عن الشعر كقارئ، وبحكم العمل التحقيقي في دائرة المعارف الحسينية بلندن التي تضم في أبوابها الستين باب النظم الحسيني، فإنَّ الشعر صار جزءًا من عملي كقارئ ومدقق على أنني لا أجيد السباحة في بحورها ولا تسلق قُلل قوافيها ولا وصول نهايات رويِّها، وربما زحفت مع زواحف أعجازها حيث لا حولَ لي في العَروض ولا طول، وإنما يسوقني إلى فهم نغم البيت موسيقى الشعر فحسب، ولكنَّ الحس الشعر ينبئني عن قوة القصيدة أو ضعفها ومستوى أدب ناظمها.
ولا يخفى أنَّ الكتابة صنعة والنظم صنعة، ومبدؤهما نفحة ذاتية تتورَّد عند صاحبها مع مرور الزمن، وهذه النفحة العطرة ينمو معها صاحبها ويحيا حتى بعد رحيله عن دار الشهود إلى دار الغيب، بيد أنَّ الناظم أكثر بقاءً وذكراً من الكاتب وإن بلغ الثاني من الأدب مقاماً سامقاً، لأنَّ القافية عميقة الجذور وبها يخلد شاعرها، وهي أكثر حفظاً من النثر واستدامة، كما قال الشاعر العباسي الفضل بن عبد الصمد الرقاشي البصري المتوفى نحو سنة 200 للهجرة (815م) وهو في مقام المفاضلة بين النظم والنثر: (ما تكلمت به العرب من جيِّد المنثور أكثر مما تكلمت به من جيِّد الموزون، فلم يُحفظ من المنثور عشرُهُ، ولا ضاع من الموزون عشرُهُ).
وبالطبع إذا حُفظ الموزون فبالتبع حُفظ الناظم الذي أجاد نظم مسبحة قوافيه، ولهذا فإن الذاكرة الأدبية تتناقل أسماء الشعراء وتتوهج أسرجتهم ليل نهار، وقلَّما تتناقل أسماء الكتبة والأدباء على كثرتهم وتوزعهم في المحافل الأدبية وفي دواوين الملوك والأمراء والقادة والرؤساء.
والشاعر المجيد يفرض حضوره حتى بعد رحيله، وإذا وجد أجواءً أدبية ملائمة يصبح علمًا بخاصة إذا حظي باهتمامٍ من أصحاب الشأن والسلطة القائمة، وهذا ما وجدته على سبيل المثال في الأديب والشاعر الإنكليزي وليام جون شكسبير (William John Shakespeare) (1564- 1616م) عندما زرت منزله وقبره في مدينة ستراتفورد أبون أفون (Stratford Upon Avon) شمال غرب إنكلترا ونحن في رحلة عائلية مع عدد من الأسر العراقية في عيد الأضحى للعام 1432هـ (6/11/2011م) واهتمام السلطة المحلية بكل متعلقاته، ووجدته في الشاعر المصري العراقي الأصل أحمد علي أحمد شوقي (1868- 1932م) الشهير بأمير الشعراء عندما زرت منزله في جيزة القاهرة يوم 7/10/2026م ونحن في رحلة ثقافية أدبية فنية ضمن مهرجان النور التاسع الذي انعقد في الجيزة للأيام 3- 7 أكتوبر تشرين الأول 2026م بحضور العشرات من الأدباء والشعراء وأعلام الفكر والقلم من بلدان عربية وأوروبية مختلفة، حيث أصبح منزل الشاعر ومقتنياته متحفًا قوميًا منذ 17/6/1977م.
تداعت إلى ذهني منازل الشعراء وأنا أتصفح ديوان (الياسمين في تقريظ موسوعة سيد الميامين) الصادر حديثا (2026م) عن بيت العلم للنابهين في بيروت في 449 صفحة من القطع الوزيري من إعداد الشاعر العراقي الكربلائي المولد الأستاذ مهدي هلال الكربلائي ومراجعة الباحث العراقي المقيم في لندن الدكتور نضير الخزرجي.
أريجان فوّاحان
يمثل “ديوان الياسمين” المجموعة الثانية من سلسلة المجاميع الشعرية السبع حتى الآن التي انفردت في تقريظ دائرة المعارف الحسينية ومؤسِّسها، التي انطلق عملها في العاصمة البريطانية لندن منذ عام 1987م على يد مؤلفها الفقيه المحقق آية الله الشيخ محمد صادق بن محمد الكرباسي، حيث تمكن المؤسِّس بجهوده الفريدة الإعجازية وحتى يومنا هذا من إصدار وطباعة (130) مجلداً من أجزاء الموسوعة الحسينية التي تبلغ الألف مجلد.
وتأتي المجموعة الثانية بعد عقدين من صدور المجموعة الأولى المسماة: “الزنبقة في التقاريظ المنمقة” من إعداد الأديب اللبناني الدكتور الشيخ حسن شحاته والذي صدر في بيروت عن بيت العلم للنابهين في 832 صفحة وزيري، وضم (165) قصيدة ومقطوعة لــ (64) شاعراً من بلدان: الأردن، أميركا، إيران، باكستان، بريطانيا، تركيا، تونس، الجزائر، الدانمارك، السعودية، سوريا، السويد، العراق، كندا، الكويت، لبنان، مصر، المغرب، واليمن.
ويجد القارئ تناغماً جميلاً بين الياسمين والزنبقة وبتعبير الأديب اللبناني الأستاذ عبد الحسن دهيني في مقدمة الناشر: (إن اختيار الياسمين لتسمية هذا الكتاب بعد الزنبقة هو تبعًا لما يتضمنه هذا الكتاب من مضامين لها أريجان فوّاحان: أريج الشعر الجميل، وأريج دائرة المعارف الحسينية الكبرى في سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام)، ويضيف الناشر: (فالمحتوى قصائد ومقطوعات أبدعتها قرائح كبار الشعراء على مديات متصلة من الزمان في تقريط موسوعة الحسين الكبرى، فأريج هذه الشعر متصل بأريج الموسوعة المتصل بأريج نجيع واقعة الطف الأليمة، وأجزم بأنَّ أريج دماء واقعة الطف أكثر فوحًا من ذينك الأريجين).
ولا يخفى أنَّ عاشوراء واستشهاد سبط الرسول الأكرم عام 61هـ هي من أعظم الأيام في تاريخ المسلمين فلا يوم كيوم الحسين عليه السلام، ما زالت البشرية تستذكره كل عام، بل وفي كل حين، وكانت كربلاء وما زالت ملهمة الأدباء والشعراء، وبتعبير المعد الكربلائي: (وتاريخ الأدب العربي والإسلامي حافل بالإبداع الشعري، ولكن نرى قمة الإبداع تتجسد بالشعر الحسيني وعلى مرِّ التاريخ، لأنه شعر وجداني صادق نابع من أحاسيس وخلجات نفسية صادقة وهادفة وخيال ثاقب يستلهم وحيه من أعظم فاجعة شهدها التاريخ الإنساني على مر العصور في عرصات كربلاء الدم والشهادة).
من كل قطر شاعر
لقد ضم ديوان الياسمين (135) قصيدة ومقطوعة معظمها من العمودي القريض نظمها 97 شاعراً من البلدان التالية: الأردن، الإمارات العربية، إيران، باكستان، البحرين، بريطانيا، تركيا، تونس، الجزائر، السعودية، سوريا، العراق، عُمان، فلسطين، لبنان، مصر، المغرب، الهند، واليمن.
وشعراء الياسمين هم على التوالي حسب الحروف الهجائية: إبراهيم آل جواد، إبراهيم المداني، إبراهيم النصيراوي، أحمد الحارة، أحمد شحاتة، أحمد ضحيَّة، أحمد العجري، أسعد علي، أسلم هاشم، أنطون بارا، أنور الجندي، جابر الكاظمي، جاسم الصحيح، جعفر الحائري، جلول دكداك، جميل حسن، جميل علّوش، جودت القزويني، حسن طراد العاملي، حسن رضا الميثمي الغديري، حسن نور الدين، حسين البزاز، حسين الصخني، حسين الكربلائي الصخني، حسين الطيبي العاملي، حسين سري العدوي الكيلاني، حسين مغنية، حسين النصراوي، خالد عبده غزاوي، خلود المطلبي، خليل عكّاش، رحيم شاهر الربيعي، رضا الخفاجي، سعد الحداد العبودي، سعدي المصور الفتلاوي، سلطان علي نوحه خوان الصابري، سلمان التوحيدي، سلمان آل طعمة، صادق الهلالي، صالح الخفاجي، صالح شحادة الشافعي، صباح جمال الدين، عادل الكاظمي، عادل اللَّباد، عباس الترجمان، أبو يقظان عباس الحلي، عبد الأمير النصراوي، عبد الأمير الورد، عبد الحسين المطلبي، عبد الرحمان عزّوق، عبد الزهرة الذرب، عبد الزهرة السكراني، عبد الستار البغدادي الحسني، عبد العزيز شَبِّين، عبد الله القرمزي، عصام عباس العابدي، عقيل اللواتي، عقيل المسكين، علي نصيف البلداوي الخزرجي، علي الحائري، علي الحسناوي، علي الحيدري، علي رضا الكاظمي، عيسى الياسري، غياث آل طعمة، فؤاد العبادي، قاسم الياسري، كاظم الحلفي الربيعي، كريم الأسدي، محمد سليمان أبو قاسم، محمد إمام رضا حُر، محمد بحر العلوم، جواد السهلاني، محمد عبد المنعم خفاجه، أبو وعد الحق محمد رضا الحكيم، محمد رضا القزويني، محمد ما شاء الله زمان الكربلائي، أبو نوفل محمد الزهراوي، محمد صالح الكرباسي، محمد علي الحلاق، محمد علي داعي الحق القرشي، محمد ماهر أحمد قابيل، محمد رشيد مرتضى، محمود ريحاني، محمود فريحات، محيي الدين ناصر خريف، مرتضى السندي، مرتضى القزويني، منير النمر، ناهض الخياط، نجم الدين آل داود، نزار الحداد، نشأت شوقي الشربيني، هاشم رضا الميثمي الغديري، هاشم الموسوي، وليد البياتي، ويحيى محمد راضي العبد الله.
ومن جميل ما فعل الشاعر المعد أنه وظَّف مَلكة الأدب في نظم قصيدة من بحر الرمل اختص كل بيت منها بقافية من الألف حتى الياء، كما صدَّر ترجمة كل شاعر ببيت مديح من بحر الرمل أيضًا، ليزيد إلى الديوان رونقًا جميلاً وفي تعبيره في مقدمته أن ديوان الياسمين هو: (عبارة عن حديقة متنوعة الأزهار لكل زهرة لونها الجميل وعطرها الفوّاح، فالديوان عبارة عن روضة من القصائد لشعراء مبدعين ومرموقين في الساحة الأدبية والحسينية ومن المنشدين المخضرمين).
شاعر ومناسبة
تمتاز قصائد الديوان بتنوع المناسبات التي قيلت فيها ولأجلها، فمرة تقريظ لكتاب من مؤلفات المحقق الكرباسي، ومرة تقريظ لكتاب لمؤلف آخر حرر عن دائرة المعارف الحسينية، ومرة عن مناسبة أو فعالية وقعت في هذا البلد أو ذاك على علاقة مباشرة بدائرة المعارف الحسينية، وهكذا دواليك.
ومن تلك النماذج قصيدة الشاعر الإماراتي السيد هاشم حسين الموسوي وهي بعنوان “كوثرٌ وعطاءُ” أنشدها في الملتقى الثقافي الذي أقيم في فندق كراون بلازا بالكويت بتاريخ الأربعاء 3/3/2014م للتعريف بدائرة المعارف الحسينية، حيث قال في قصيدة من (63) بيتًا من بحر الخفيف:
هي موسوعةٌ يضوعُ شذاها … بعبير الجنان يومَ الجزاءِ
ومن النماذج قصيدة الشاعر العراقي علي نصيف البلداوي الخزرجي من (30) بيتًا من بحر المتدارك قالها مرحبًا بزيارة الفقيه الكرباسي إلى مدينة بلد بمحافظة تكريت يوم 30/8/2012م:
يا صانعَ الفعلَ الجميل لحصره … عجزَ اليراعُ وما حواهُ مُجَلَّدُ
شيَّدتَ دائرة المعارف إنها .. صرحٌ على هام الأثير تُشَيَّدُ
ومن النماذج مقطوعة الشاعر العراقي كاظم الحلفي مقرظًا كتاب “نزهة القلم: قراءة نقدية في الموسوعة الحسينية” لمحرر المقالة الدكتور نضير الخزرجي قال فيها من بحر المتراكب:
أكبرتُ فيكَ اتساعَ الباعِ والهِمَمِ … بما أتيتَ به في “نُزهةِ القلَم”
يا خزرجي لقد أسديتَ فائدةً … للباحثين وفي إشراقة الكلمِ
وهذا الشاعر المصري الأديب حسين سري كيلاني ينشد للموسوعة الحسينية في مقطوعة من بحر المتواتر:
موسوعةُ السبطِ المُكَلَّلِ بالمُنى … إبن البتول وقائم الرَّكعاتِ
جَدٌّ يُباهي الكونَ حُبُّ حُسينِهِ … منهُ الضياءُ وفيضُهُ حسناتي
وهذا الشاعر اللبناني الأديب حسين عبد الكريم مغنية يقول في مقطوعة من بحر المتواتر:
لكرباسي أقولُ: رعاكَ ربِّي … من الأشرار من شتى الطوائف
لأنك قد سبقتَ الناس طُرًّا … بسفرٍ للمعارف والطرائف
وهذا الشاعر الجزائري الدكتور عبد العزيز شَبين يقول في قصيدها من (35) بيتًا من بحر البسيط الثاني نظمها يوم 21/6/2012م وقرئت في مهرجان الإتحاد العام للكتاب والأدباء في مدينة إربيل بالعراق في 9/7/2012م الذي انعقد للتعريف بدائرة المعارف الحسينية:
موسوعةٌ بِشذاها طابَ مُغْتَرَفٌ … يَلُمُّ جَدْوَلُها قومًا شعاليلا
على خُطًى للحُسين ازدانَ منهجُها … نحوَ الخلودِ بصافي الشعر ترسيلا
وحيث بدأ الديوان بأبيات للمعد ذاكراً شعراء الياسمين بخير، فكانت خاتمته قصيدة من بحر الهزج لصاحب الموسوعة الحسينية المحقق الكرباسي من (113) بيتًا مقرِّظًا ديواني الزنبقة والياسمين وفيها أورد أسماء المقرِّظين والمعد الكربلائي والمراجع الخزرجي داعياً للجميع بخير الدارين ومثنيًا حيث يقول:
وما شُكري سوى فرضٌ لمن يُثني … على جهدٍ لآل المصطفى يُعني
فهم رهطٌ كرامٌ أهلُ فضلٍ مِنْ … أصولٍ منهمُ قد ورثوا ذا المَنْ
إنَّ أقل ما يمكن أنْ يخرج منه القارئ وهو ينتقل من شمِّ وردة ياسمين إلى أخرى، أنَّ ثقافة الشكر والثناء ينبغي أن تكون هي السائدة بين أصحاب العلم وأرباب الثقافة والأدب، وخير الشكر والثناء ما كان في حياة العَلم وصاحب الشأن والقلم، فهو دليل التواضع للعِلم وتقدير العالم قبل نزوله ملحودة القبر.
الرأي الآخر للدراسات- لندن

