٣\١١\٢٠٢٥
لكی أجبر نفسی علی القیام بواجبی الیومی تجاه صحتی، ذهبت الیوم فی جولتی الیومیة إلی السوق بحجة شراء اللبن المفضل لدی بین مئات أنواع الألبان المستوردة أو المصنوعة محليا فی السوید. ولكی لا أطيل بقائي فی المتجر القريب من البيت، لم أكلف نفسی فی البحث عن أفضل نوع من اللبن حیث أننی سبق وأن تعودت علی نوع یسمی “فیل” باللغة السویدیة ولیس العربیة طبعا”، بذلك أتجنب الشعور بالغبن كلما رأیت منتوجات مكتوبة عليها “صنع فی تركيا”، فقد سبق وأن قاطعت المواد التركية منذ سنوات ولازلت وفيا” بعهدي الذي قطعته علی نفسی ما دامت تركيا ملتزمة بممارسة الإضطهاد ضد شعبی.
لكی لأ أطیل عليكم القصة كما كان یفعل “أبو العلاء المعری” فی مؤلفاته، دعونی أوصلكم معی إلی صندوق الدفع حیث كان یقف أمامی شاب فی منتصف العمر فی إنتظار دوره لدفع أسعار مشتریاته. عندما اقتربنا من صندوق الدفع إلتفت إلی الشاب و قال لی بأدب وإحترام:
- اعذرني! تستطيع أن تتقدم أمامی.
ظننت بأنه یقدر ملامح العمر فی مظهری. فشكرته قائلا”:
- لا بأس، شكرا” لك ولكنني لست فی عجلة من أمری بل أستطیع الإنتظار إلی أن یأتی دوری.
فرد الشاب المهذب بإبتسامة خجولة وصوت خافت وهو ينسحب بأغراضه من صف الإنتظار:
- یجب أن أنتظر زوجتي فهی لازالت فی المتجر.
فنظرت إلیه بشفقة واضحة وأردت أن أواسيه بهذا التعليق مبتسما”:
- طبعا یجب عليك أن تنتظر “رئیسة الوزارء” !!
- فرد الشاب بإبتسامة خجولة أخری قائلا”:
- طبعا هی “رئیسة الوزراء” تقرر. ثم إختفی فی ممرات المتجر وهو لم يستطع إخفاء إحراجه وإن لم یكشف عنه بالكلام.
كان الشاب أسمر اللون، أسود الشعر و العینین، ذو شوارب و لحية خفيفة لاتخفی بياض القلة من الشعرات البيضاء و التی كانت قد أزعجت الكاتب العراقي “حامد جعفر البجلي” كما أذكر إحدى تأليفاته بعنوان “شعرة الأربعین”، كنت قد قرأتها فی سبعینات القرن الماضي علی ما أذكر، وظننت الآن بأنها تعود لمصطفى لطفي المنفلوطی أو لنجيب محفوظ، ولكننی عندما سألت الذكاء الإصطناعی ساعدنی بالبحث والتنقيب وتوصل إلی حقیقة صاحبها، حیث مضی بی العمر فنسیت إسم المۆلف وتذكرت فقط عنوان المقالة ومحتواها التی كانت قد التصقت بذاكرتی الشابة حینذاك فأدخلت الرعب فی قلبي من “شعرة الأربعين” قبل غزوها لشعری بسنوات.
لو كان الشاب راغبا” فی إستمرار الحوار معی دون حرج لسألته:
- من قرر بأن تقف فی صف الدفع قبل أن تكون زوجتك قد انتهت من إختيار البضائع؟! من منكما قرر بمرافقتك لها إلی المتجر دون رغبتك؟! من هو صاحب القرار فی البيت حقيقة؟! و متى وأین تقرر الزوجة فی البيت؟!
بعد خروجی من المتجر و فی طریقی إلی البيت فكرت فی وضع هذا الشاب الذی كان أجنبی المظهر و سویدی التصرف، رافق زوجته للتسوق دون رغبته ولكن إرضاء” لزوجته حسب تصوری. فمن المألوف أن الرجال الأجانب قلما یرافقون زوجاتهم فی الذهاب إلی الأسواق لسببين رئیسیین حسب رأیی:
١- أن الزوجة هی صاحبة القرار فی البيع والشراء فی البيت مهما إدعی الرجل بسلطته فی اتخاذ القرار. فهی سيدة المطبخ شاءت أم أبت، و هی ربة البيت مادامت تحمل وتنجب الأطفال، وهی التی تقرر فی إقتصاد العائلة إذا” وهی بذلك لیست حرة تماما فی أخذ هذه المسۆلیة وإن إدعت بحريتها فی الإختيار والقرار.
٢- الرجل الأجنبي عندما يكون مستمسكا بقیمه السلطویة المحمولة من خلفیته يهرب من مسۆلیاته العائلية كلما سنحت له الفرصة بذلك مهما إدعی بحماسته لحریة المرأة.
ماذا لو كان الشاب أشقر الشعر وأزرق العینیین؟! هل كان لیظهر هذا السلوك؟!
والسؤال الذی یفرض نفسه حقیقة هو:
متی تكون المرأة صاحبة القرار فعلا” وليس فقط إدعاء”؟!

