دهوك… حين ارتفع النشيد الكردي فوق صمت الخرائط  – بقلم: محمد ديب أحمد

هناك أحداث تتجاوز قيمتها حدود التوقيت ، وتتحوّل إلى لحظات تعيد تشكيل الوعي العام .
ما جرى في منتدى دهوك للسلام والأمن لم يكن اجتماعاً آخر ضمن رزنامة مزدحمة ، بل محطة سياسية أنهت مرحلة كاملة من الإقصاء وصنعت بداية مغايرة لما ألفته المنطقة منذ قرنٍ من الزمن .
دهوك ، المدينة التي عاشت دائماً على تماسّ الجغرافيا وصدامات التاريخ ، رفعت صوتها هذه المرّة لتقول بوضوح :
الكرد ليسوا تفصيلاً ثانوياً ولا هامشاً منسياً … بل ركيزة استقرار إقليمي بحاجة إلى قراءته من جديد .
كردستان … فضاءٌ يبدد غربة الداخل والخارج
من يدخل إقليم كردستان يدرك فوراً أنّه أمام تجربة متمايزة في وسط مضطرب .
مدن تتسع ،
مؤسسات تعمل ،
وخدمات تتطور رغم محدودية الموارد .
والأهم : بيئة تحفظ كرامة المقيم والزائر ، وتمنح الغريب شعوراً نادراً بالأمان والوئام
في سنوات صعبة ، تحوّل الإقليم إلى ملاذ آمن لكل من يبحث عن الأمان ، ونجح بإمكانات لم تكن أبداً فخمة في تثبيت نموذج إداري وخدمي جعل مدنه تنافس أفضل المدن في المنطقة .
والفضل يعود إلى ثقافة راسخة ترى في الإنسان قيمة ، وفي الضيف أخا قبل أن يكون زائراً .
أي رقيب … لحنٌ انتصر على المنع
افتتاح المنتدى بالنشيد الكردي لم يكن بروتوكولاً عادياً ، بل إعلاناً واضحاً بأن زمناً ثقيلاً طُوي إلى غير رجعة .
النشيد الذي حاولت أنظمة سابقة دفنه ، عاد اليوم ليرتفع أمام حضور رسمي من العراق والمنطقة ، وكأنه يذكّر العالم بأن الهوية التي قاومت المنع لا يمكن إسكاتها مرة أخرى .
والحفاوة التي اُسقُبل بها الجنرال مظلوم عبدي كانت لافتة على المستويين الشعبي والسياسي ، وامتدت لتأخذ شكلها الأوضح في لقائه مع الرئيس مسعود برزاني وقيادة الإقليم .
تلك الصورة وحدها كانت بياناً سياسياً :
وحدة القرار الكردي لم تعد حلماً بعيداً .
في كلمته ، طرح عبدي رؤية متوازنة وصريحة :
لا عودة إلى حكم المركز وهيمنة الأجهزة الأمنية  ،
وسوريا المقبلة يجب أن تكون لامركزية بحق ، لا في الخطاب فقط .
وحقوق الكرد جزء من البنية الدستورية للدولة ، وليست ملفاً قابلاً للمساومة .
هذه العبارات وصلت إلى العواصم المعنية بوضوحٍ ، وسوف تُعيد حساباتها أمام مشهد كردي غير مسبوق في انسجامه .
دهوك يادهوك  بهكذا عمل تكسرين وتلغين سايكس بيكو وترفعين راية للأصدقاء وللأعداء ان الحدود التي فُرِضت أصبحت جزءً من الماضي ،
والشيئ الآخر الذي يجب ذكره هو عدم تصادم الحقوق المشروعة وحرية الكردي مع  حقوق وحرية الآخرين ، بل تعيد ترتيب علاقة الكرد بأنفسهم وبمحيطهم ؛
علاقة أساسها الاحترام المتبادل ، لا الانغلاق أو الصدام .
وإلى دمشق أن مرحلة التحكم المطلق انتهت ، ولا يمكن العودة إلى الخلف ،
ولأنقرة نصيبٌ ورسالة أن القضية الكردية ليست ملفاً أمنياً ، بل واقع شعب لا يمكن شطبه من أي معادلة سياسية ، وليكن الحوار هو السبيل الى كل المعضلات
وإلى السوريين جميعاً :
اللامركزية مشروع عدالة ، لا مشروع تقطيع وطن .
وإلى الكرد عامةً :
الوحدة فعلٌ قبل أن تكون شعاراً ، ومسار يبدأ من دهوك ويمتد إلى كل أجزاء كردستان .
و دهوك … ميلاد لوعي جديد
وما حدث في دهوك لم يكن مناسبة احتفالية ، بل لحظة سياسية فارقة أعادت تعريف الوجود الكردي في الإقليم وسوريا والمنطقة .
لحظة قالت بوضوح :
الكرد قادرون على تجاوز القيود التي فُرضت عليهم قرناً كاملاً ، وعلى بناء شراكات داخلية تفتح باب المستقبل .
دهوك لم ترفع النشيد فقط ، بل رفعت سقف الوعي ، وأعلنت بداية زمن جديد
زمن تتقدّم فيه الهوية بثقة ، وتستعيد فيه الشعوب مكانتها التي سُلبت طويلاً .
بقلم: محمد ديب أحمد