هجوم تدمر: صدمة تكشف هشاشة المؤسسة الأمنية السورية وتخبط الخطاب السياسي – الكاتب: موسى بصراوي – السويد

يمثل الهجوم الإرهابي الذي استهدف وفداً عسكرياً أمريكياً مشتركاً في مدينة تدمر السورية مؤخراً نقطة تحول مفصلية في تقييم الشراكات الأمنية الإقليمية، وتحديداً في سياق العلاقات الناشئة بين الولايات المتحدة والسلطة السورية المؤقتة. فالحادث الذي أسفر عن مقتل جنديين أمريكيين ومترجم مدني وإصابة ثلاثة آخرين، تجاوز كونه مجرد خرق أمني ليصبح دليلاً مادياً على العيوب الهيكلية العميقة في المؤسسة العسكرية والأمنية السورية الجديدة ومحفزاً لجدل واسع حول مصداقية الخطاب الرسمي من كلا الجانبين.
هشاشة المؤسسة الأمنية السورية: خليط مشوه من بقايا التطرف
إن التحليل البنيوي لطبيعة القوات التي يفترض بها أن تشكل نواة الجيش الوطني السوري الجديد والمؤسسة الأمنية السورية يكشف عن حقيقة مقلقة تؤكدها تفاصيل هجوم تدمر. فالهيكل الحالي لا يرقى إلى مستوى مؤسسة وطنية قادرة على حماية السوريين بجميع طوائفهم ومكوناتهم، بل هو في جوهره خليط مشوه من بقايا التنظيمات المتطرفة التي سادت المشهد السوري لسنوات، بما في ذلك عناصر سابقة من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وجبهة النصرة، وهيئة تحرير الشام.
تأكد هذا التقييم بشكل ملموس عندما كشفت السلطات السورية نفسها عن هوية منفذ الهجوم. ففي تناقض صارخ مع محاولات تصوير الحادث على أنه هجوم خارجي، أكد المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية أن العنصر المهاجم كان فرداً في صفوف جهاز الأمن العام، مشيراً إلى أنهم كانوا بصدد فصله من الخدمة بسبب أفكاره المتطرفة. هذا الاعتراف، وإن كان محاولة لاحتواء الأزمة، إلا أنه يمثل دليلاً دامغاً على أن المؤسسة الأمنية الجديدة لم تنجح في تطهير صفوفها من الفكر الجهادي، بل إنها تحتضن التهديد الداخلي الذي يهدد شركاءها الدوليين. إن وجود عناصر تحمل فكراً متطرفاً داخل جهاز أمني مشترك مع القوات الأمريكية يمثل خيانة للثقة ويقوض أي أساس للتعاون المستقبلي.
تخبط الخطاب السياسي ومحاولات تلميع الصورة
شهدت تداعيات الهجوم تخبطاً واضحاً في الخطاب الرسمي من الجانبين، السوري والأمريكي، في محاولة لإدارة الأزمة والحد من تأثيرها السلبي على العلاقات الثنائية. فبينما سارعت السلطة السورية المؤقتة إلى الإقرار بأن المهاجم كان عنصراً داخلياً، محاولةً تصوير الحادث كـفشل في التقييم الأمني الداخلي يمكن السيطرة عليه، جاء الخطاب الأمريكي ليقدم رواية مختلفة. فقد أصرت الإدارة الأمريكية، في محاولة واضحة لتلميع صورة السلطة الحالية، على أن المهاجم كان فرداً تابعاً لتنظيم داعش.
هذا التناقض في الروايات يثير تساؤلات جوهرية حول مدى استعداد واشنطن لغض الطرف عن الحقائق الصعبة في سبيل دعم هذه السلطة. إن الإصرار الأمريكي على خارجة التهديد وتصوير الهجوم على أنه من بقايا الإرهاب الخارجي يخدم هدفاً سياسياً محدداً الذي هو حماية المسار الجديد للعلاقات الأمريكية السورية، والذي كان يتم الدفع به بقوة من قبل الرئيس دونالد ترامب والمبعوث توم باراك. لقد كان الهدف هو إبعاد تهمة الفشل الهيكلي عن السلطة المؤقتة، وتحويل الحادث إلى مجرد نكسة عابرة في حرب مكافحة الإرهاب.
التداعيات الحرجة على العلاقات الأمريكية السورية ومعارضة الكونغرس
إن أخطر تداعيات هجوم تدمر تكمن في تأثيره على العلاقات الأمريكية السورية الجديدة، خاصة في ظل وجود أصوات قوية داخل الكونغرس لاتزال رافضة لفكرة دعم السلطة المؤقتة في دمشق وبناء شراكات معها. لقد وفر هذا الحادث دليلاً مادياً لا يمكن دحضه لهذه الأصوات المعارضة.
يرى المتشككون في واشنطن أن الهجوم يثبت أن السلطة المؤقتة إما غير كفؤة في تطهير صفوفها الأمنية، أو أنها متواطئة عبر التغاضي عن وجود عناصر متطرفة. هذا الفشل الأمني يقوض بشكل جذري أي أساس للتعاون المستقبلي، حيث يعرض حياة الجنود الأمريكيين للخطر المباشر من قبل الشريك نفسه. إن الهجوم ينسف تماماً السردية التي كان يروج لها مؤيدو العلاقة الجديدة حول إمكانية تحقيق الاستقرار والتعاون الفعال في مكافحة الإرهاب مع هذه السلطة. بالنسبة للبنتاغون، فإن سلامة القوات هي الأولوية القصوى، ووجود عنصر جهادي في صفوف الشريك الأمني المشترك يمثل خطراً غير مقبول على الأمن القومي الأمريكي.
قوات سوريا الديمقراطية كنموذج لبناء الجيش الوطني
في المقابل، يقدم سجل التحالف الدولي والولايات المتحدة الأمريكية مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) نموذجاً مغايراً ومثبتاً للشراكة الفعالة. لقد كانت قسد شريكاً رئيسياً للتحالف في محاربة الإرهاب لأكثر من عشر سنوات، وخلال هذه الفترة الطويلة، لم تسجل حوادث هجوم إرهابي مماثلة تستهدف الوفود الأمريكية أو قوات التحالف من داخل صفوفها. هذا السجل النظيف هو دليل على أن قوات قسد هي بالفعل قوات تحارب الإرهاب ولم تضم في صفوفها الإرهابيين، بل قامت على أساس وطني وعلماني يرفض الفكر المتطرف.
إن هذا التباين الحاد بين تجربة التحالف مع قسد وتجربته مع القوات الجديدة في تدمر يؤكد ضرورة إعادة تقييم الشراكات الأمنية. وإن الدرس المستفاد من هجوم تدمر واضح ألا وهو أنه لا يمكن بناء دولة مستقرة أو جيش وطني حقيقي على أسس هشة وملوثة بالفكر المتطرف. إذا أُريد بناء جيش سوري مستقبلي قادر على حماية البلاد، يجب أن تكون نواته قوات أثبتت جدارتها في محاربة الإرهاب، مثل قوات سوريا الديمقراطية، مع إبعاد كل من يحمل فكراً متطرفاً وعناصر جهادية من أي تشكيل عسكري أو أمني جديد. إن الفشل في القيام بذلك لن يؤدي فقط إلى تكرار حوادث مثل هجوم تدمر، بل سيقوض أي أمل في بناء سوريا مستقرة وآمنة، ويزيد من حدة المعارضة الداخلية في واشنطن لأي دعم مستقبلي للسلطة المؤقتة.