يا سادةَ الموقفِ وصنّاعَ الغدِ في سوريةَ الحبيبة، ويا منْ ورثتمُ الدارَ بعدَ ليلٍ طالَ سَوادُه، إنَّ لقمةَ الخبزِ المغموسةَ بكرامةِ الجارِ لا تَغصُّ بها الحناجر، وإنَّ يدَ الغدرِ التي تمتدُّ لتُدنسَ عهدَ الأخوةِ لا تحصدُ إلا الخسرانَ والبوار. لقدْ علمتنا المِحَنُ أنَّ الوجودَ الكورديَّ الأصيلَ في هذهِ الأرضِ ليسَ عِبئاً ولا طارئاً، بلْ هوَ مِعصمُ الأمانِ وقِوامُ البنيان، وضمانةٌ كبرى للأمنِ الذي تنشدونَ والوَحدةِ التي ترجون. فاللهَ اللهَ في الوفاء، وإياكمْ وسيرةَ منْ سَبقكمْ منْ طغاةٍ حَسِبوا أنَّ مَحقَ المطالبِ العادلةِ عِزٌّ، فما جنوا إلا الذلَّ ولمْ يتركوا خلفهمْ سوى القهرِ والخراب. إنَّ الكورديَّ الذي فتحَ قلبَه ودارَه للنازحينَ منْ لهيبِ الحربِ في “الأنبار” و”الموصل” و”حمص” و”حلب”، واستقبلَ الملايينَ بالترحابِ حينَ أوصدتِ الأبواب، لا يستحقُّ اليومَ أنْ يُكافأَ بالتخوينِ أوْ يُرمى ببهتانِ الانفصال، فمنْ آوى الملهوفَ وأطعمَ الجائعَ في سنينِ العجاف، لا يُجازى إلا بالإحسانِ والاعتراف.
إنَّ الجريمةَ النكراءَ ليستْ في المطالبةِ بالحقوق، بلْ في استباحةِ الدماءِ تحتَ مسمياتٍ طائفيةٍ أوْ عرقيةٍ جوفاء، وتصنيفِ الشركاء في الوطنِ بينَ “فلولٍ” تُصالحُ و”أحرارٍ” تُذبح. كيفَ يستقيمُ العدلُ وأنتمْ ترونَ اللاجئينَ يفتكُ بهمُ البردُ في الخيام، بينما يُهجّرُ الكورديُّ والدرزيُّ والعلويُّ والمسيحيُّ منْ أرضِ أجدادِهِ بحجةِ تطهيرِ البلاد؟ إنَّ علمَ الثورةِ الذي رَفعهُ “مشعل تمو” و”إبراهيم هنانو” لا يقبلُ أنْ يتلطخَ بمدادِ الإقصاء، ولا يليقُ بورثةِ الأنبياءِ والعلماءِ أنْ يقفوا صامتينَ أمامَ تمزيقِ النسيجِ السوريِّ بدعوى الحفاظِ على المركزية. إنَّ “الفيدرالية” أوِ الإدارةَ اللامركزيةَ ليستْ مِعولَ هدمٍ، بلْ هيَ “عقدٌ اجتماعيٌّ” يحمي سوريةَ منَ التفتتِ الحقيقيِّ الناتجِ عنِ الاستبداد، فالحقُّ قبلَ الوحدة، والعدلُ قبلَ القوة، والولاءُ لا يُفرضُ بالسياطِ بلْ يُبنى بالكرامةِ والانتماء.
يا أهلَنا في “الجزيرةِ” و”الشامِ” و”حلب”، إنَّ سوريةَ المستقبلِ لنْ تكونَ ملكاً لغالبٍ ومغلوب، بلْ فضاءً يتسعُ للجميعِ تحتَ سقفِ الشراكةِ والاعترافِ المتبادل. إنَّ التخويفَ منْ “الخصوصيةِ الكوردية” هوَ بضاعةُ المفلسينَ الذينَ يقتاتونَ على إثارةِ الفتنِ القومية، فمنْ حَمى دمشقَ وأسسَ مجمعَ لغتها العربيةِ ومنحَ الأمةَ “صلاح الدين”، لا يمكنُ أنْ يكونَ خنجراً في خاصرتها. إننا ندعو قادةَ الفكرِ والعلماءَ إلى كفِّ خطابِ التحريض، والانتقالِ منْ “فقهِ الحدودِ الجامدة” إلى “فقهِ الحقوقِ المشروعة”، فدماءُ السوريينَ أغلى منْ أنْ تُهدرَ في صراعاتٍ داخليةٍ تخدمُ المتربصينَ بالبلاد. إنَّ الصمتَ عنْ ظلمِ الكوردِ اليومَ هوَ وقودٌ لنارٍ ستحرقُ الجميعَ غداً، والتاريخُ يشهدُ أنَّ كلَّ منْ بَنى سُلطتَه على دماءِ هذا الشعبِ الصابرِ تحولَ بالضرورةِ إلى وحشٍ متمادٍ أكلَ حتى منْ صفقوا له.
فيا عقلاءَ الثورةِ وبُناةَ الدولة، اجعلوا منْ “القامشلي” و”كوباني” و”عفرين” عِماداً لنهضتكم كما هيَ “دمشق” و”حمص”، فالسوريُّ لا يجبُ أنْ يشعرَ بأنهُ غريبٌ في منزلهِ أوْ متهمٌ في قوميته. إنَّ الوفاءَ لعهدِ الأحرارِ يقتضي أنْ ننصفَ المظلومَ أياً كانَ مذهبُه أوْ عِرقُه، وأنْ ندركَ أنَّ عظمةَ الأوطانِ تكمنُ في تنوّعِها لا في صهرِها تحتَ لونٍ واحدٍ بالإكراه. ابنوا وطناً يعترفُ بالكورديِّ شريكاً كاملاً في الدّمِ والمصير، لا تابعاً ولا متهماً، لكيْ لا يفتحَ التاريخُ صفحاتِ عارٍ جديدةٍ يلعنُ فيها الأبناءُ صمتَ الآباء. فالحقُّ لا يُجزأ، والكرامةُ لا تكتملُ إلا بالإنصاف، وسوريةُ القويةُ هيَ التي تستوعبُ كلَّ أبنائِها بالحبِّ والعدلِ والاعتراف.
بوتان زيباري
السويد
15.01.2026

