في لحظات القلق الجماعي، تميل المجتمعات إلى صناعة أساطير القوة. كلما ضعفت الدولة داخليًا، كبر في المخيلة نموذج “القوة المنقذة” في الخارج. يصبح السلاح رمزًا نفسيًا قبل أن يكون أداة عسكرية، وتتحول الصواريخ إلى تعويض رمزي عن الإخفاق السياسي والاقتصادي. هذه الظاهرة ليست جديدة في التاريخ، لكنها تصبح خطيرة حين تنتقل من المقاهي والمنتديات الشعبية إلى أفواه من كانوا يديرون مؤسسات الدولة.
في العراق اليوم، لا يقتصر تضخيم القوة الإيرانية على جمهور متحمّس أو أنصار أيديولوجيين. الأخطر أن هذا الخطاب يصدر عن شخصيات شغلت مواقع سيادية، جلست في مواقع القرار، ووقّعت على ملفات تمس الأمن الوطني. وحين يغادر هؤلاء مناصبهم، لا يتحولون إلى باحثين يراجعون التجربة بوعي نقدي، بل إلى محللين سياسيين يملؤون الشاشات بروايات أقرب إلى الملحمة منها إلى التقدير الاستراتيجي.
عندما يظهر وائل عبد اللطيف، القاضي ووزير الدولة السابق، في مقابلة متلفزة ليتحدث بثقة عن صواريخ كهرومغناطيسية إيرانية يصل مداها إلى ستين ألف كيلومتر، قادرة على تعطيل الموبايلات والرادارات والوصول إلى واشنطن، فإن المسألة لا تعود رأيًا سياسيًا قابلًا للاختلاف. نحن أمام رقم يتجاوز محيط الكرة الأرضية نفسه. ستون ألف كيلومتر ليست تفصيلاً يمكن تجاوزه، بل ادعاء ضخم يتطلب مصدرًا تقنيًا واضحًا، تقريرًا عسكريًا معترفًا به، أو على الأقل إحالة إلى دراسة متخصصة. لكن ما يُطرح يُقال بيقين كامل، وكأننا أمام حقيقة علمية ثابتة، لا فرضية تحتاج إلى تدقيق.
الأمر لا يتوقف عند الأرقام. الأكثر دلالة هو اختزال الصراع بين الولايات المتحدة وإيران في عبارة: “يجلس الطرفان ويتفقان”. هكذا ببساطة. وكأن العلاقة بين قوتين تتحركان ضمن شبكة تحالفات عالمية، وتملكان قدرات ردع نووي، وتتنازعان على ممرات بحرية وأسواق طاقة، يمكن أن تُدار بذهنية جلسة صلح عشائرية في جنوب العراق. السياسة الدولية ليست مجلس وجاهة، ولا تُحسم بفنجان قهوة وكلمة “تراضي”. هناك بنية معقدة من المصالح والاستراتيجيات، وهناك حسابات كلفة وخسارة، وهناك توازنات دقيقة لا تختزل في صورة “جلسة اتفاق”.
ثم يظهر الفريق الركن عبد الكريم خلف، الناطق السابق باسم القائد العام للقوات المسلحة في عهد عادل عبد المهدي، ليتحدث عن “صاروخ يوم القيامة” الإيراني القادر على الوصول إلى أكثر من عشرة آلاف كيلومتر، والذي لا يستطيع أي دفاع جوي اعتراضه. مرة أخرى، نحن أمام خطاب مطلق لا يعرف الاحتمال. في العلوم العسكرية لا يوجد سلاح لا يُعترض مطلقًا، كما لا يوجد نظام دفاعي كامل. كل المنظومات تعمل ضمن نسب نجاح واحتمالات، وكل استراتيجيات الردع مبنية على حسابات المخاطر، لا على اليقين الأسطوري.
المشكلة هنا ليست في الدفاع عن الولايات المتحدة ولا في التقليل من قدرات إيران. إيران بالفعل قوة إقليمية تمتلك برنامجًا صاروخيًا متطورًا في نطاقها الجغرافي، وتعتمد على أدوات ردع غير تقليدية وحروب غير متكافئة. لكن تحويلها إلى قوة كونية تتجاوز قوانين الجغرافيا والفيزياء، وقادرة على تحييد الأساطيل بضربة لا تُرد، لا يخدم التحليل الموضوعي. إنه يعكس حاجة نفسية إلى صورة “القوة المطلقة” أكثر مما يعكس قراءة استراتيجية متوازنة.
حين يسمع المواطن هذا الخطاب من مسؤول سابق، فإنه لا يتعامل معه كنقاش عابر، بل كخلاصة خبرة مؤسساتية. وهنا يكمن الخطر. إذا كان هذا هو مستوى الخطاب بعد مغادرة المنصب، فكيف كانت تُبنى تقديرات الموقف عندما كان هؤلاء في قلب الدولة؟ هل كانت القرارات تُتخذ على أساس تقارير دقيقة وتحليل عميق، أم على أساس تصورات مبالغ فيها عن موازين القوى؟
الدولة الحديثة تُدار بعقل يحترم الأرقام، ويُخضعها للتدقيق، ويضعها في سياقها. تُدار بمؤسسات تنتج معرفة، لا بخطاب تعبوي يكتفي بترديد مفردات القوة المطلقة. عندما يتحول التحليل العسكري إلى سردية بطولية، وتصبح المبالغة وسيلة لكسب الجمهور، فإننا لا نواجه مجرد خطأ في التقدير، بل أزمة في الثقافة السياسية ذاتها.
العراق لا يحتاج إلى ملحمات جديدة، بل إلى عقل بارد يقرأ العالم كما هو، لا كما يرغب أن يكون. يحتاج إلى مسؤولين سابقين يمارسون النقد الذاتي بدل إعادة إنتاج الأسطورة. لأن أخطر ما يمكن أن يصيب دولة خارجة من حروب وأزمات ليس ضعف السلاح، بل ضعف المعايير المعرفية لدى من يتصدرون المشهد ويتحدثون باسم الخبرة. والسؤال الذي يبقى مفتوحًا أمام العراقيين ليس عن مدى الصواريخ، بل عن مدى عمق التفكير لدى من كانوا، وما زالوا، جزءًا من صناعة الرأي العام.
: المصادر

