على حافة الريح: حين يقف الكورد بين فرصة التاريخ ومكر الجغرافيا – بوتان زيباري

في لحظاتٍ قليلةٍ من تاريخ الشعوب، تتقاطع الأقدار مع السياسة كما تتقاطع الأنهار في دلتا مجهولة المصير. هكذا يبدو المشهد اليوم في روجهلات كوردستان، حيث تتسارع الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، فتتحول الأرض الكوردية مرة أخرى إلى مسرح تتنازع فيه الإرادات الكبرى. في هذا السياق المضطرب ظهرت تقارير تفيد بأن واشنطن بدأت تفكر في إشراك الأحزاب الكوردية الإيرانية في معادلة الصراع، بحيث تتحول تلك القوى إلى قوة ميدانية داخل كوردستان إيران، مستفيدة من معرفة الأرض وروح المقاومة المتجذرة في ذاكرة الجبال. وقد تعززت هذه المؤشرات عندما جرى اتصال مباشر بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومصطفى هجري، أحد أبرز قادة المعارضة الكوردية في إيران، في خطوة رفعت حضور الكورد في المشهد السياسي الدولي إلى مستوى غير مسبوق.

وفي الوقت ذاته، تتكثف الضربات الجوية الأميركية الإسرائيلية على مواقع النظام الإيراني في المناطق الكوردية، مستهدفة منظومته الأمنية من قواعد الحرس الثوري والجيش إلى مراكز الاستخبارات وحرس الحدود. لا تبدو هذه الضربات مجرد عمليات عسكرية عابرة، بل تبدو كأنها محاولة لإضعاف القبضة الأمنية للنظام تمهيدًا لاحتمالين: انتفاضة داخلية، أو دخول قوات كوردية من إقليم كوردستان العراق إلى عمق الأراضي الإيرانية.

غير أن الوعي الكوردي، المثقل بذاكرة الخيبات، لا ينظر إلى هذه اللحظة بعين الحماسة وحدها. ففي النقاشات الكوردية، سواء في الإعلام أو الفضاء الرقمي، يظهر شعور مزدوج: فرصة تاريخية قد تعيد صياغة موقع الكورد في إيران، ومقامرة قد تقود إلى كارثة إذا ما تكرر المشهد القديم، حين تُستدعى الشعوب إلى المعركة ثم تُترك وحيدة أمام الانتقام. فالتاريخ لا ينسى كيف انتفض كورد العراق بعد حرب الخليج عام 1991 استجابة لإشارات واشنطن، ثم تُركوا يواجهون آلة صدام حسين حتى امتلأت الجبال بأطفال يموتون بردًا قبل أن يتدخل العالم.

لهذا يدرك كثير من الكورد أن أي تدخل مسلح لا يمكن أن ينجح دون غطاء عسكري وسياسي مستمر من القوى الغربية، لا في لحظة الحرب فقط، بل أيضًا في مرحلة ما بعدها، سواء انهار النظام الإيراني أو خرج منها ضعيفًا ومتحولًا. فانسحاب الدعم بعد إشعال المعركة قد يفتح أبواب الانتقام الواسع ضد المجتمعات الكوردية في إيران والعراق معًا.

والمخاطر لا تتوقف عند حدود روجهلات. فإقليم كوردستان العراق، الذي يضم ملايين البشر، قد يجد نفسه في قلب العاصفة إذا تصاعدت الحرب، خاصة في ظل قدرته المحدودة على التأثير في قرارات القوى الكبرى، واعتماده الكبير على الدعم الأميركي في أمنه السياسي والعسكري. بالفعل، بدأت الصواريخ والطائرات المسيرة تضرب الإقليم منذ الأيام الأولى للحرب، في رسالة واضحة بأن الجغرافيا الكوردية تظل الحلقة الأكثر هشاشة في صراعات الشرق الأوسط.

كما أن تركيا ستراقب أي صعود سياسي كوردي في إيران بعين القلق، إذ اعتادت أنقرة النظر إلى أي مكسب كوردي في المنطقة بوصفه امتدادًا لقضيتها الداخلية. وإذا دخلت الجماعات البلوشية في جنوب شرق إيران على خط الصراع، فقد تجد باكستان نفسها بدورها جزءًا من المعادلة المعقدة.

ورغم هذه التعقيدات، يرى كثير من كورد إيران أن اللحظة الحالية تحمل إغراءً تاريخيًا لا يمكن تجاهله. فبعد عقود من التهميش السياسي والحرمان الثقافي والاختلال الاقتصادي، تبدو نافذة التاريخ وكأنها انفتحت قليلًا أمام شعب ظل طويلًا خارج معادلات السلطة.

غير أن جوهر المسألة يتجاوز الحرب نفسها. فالمسألة الكوردية، مثلها مثل قضايا القوميات الأخرى في إيران، ليست مجرد ورقة في لعبة الجيوسياسة، بل هي تعبير عن خلل بنيوي في تعريف الدولة الإيرانية لذاتها. ففي بلد يشبه فسيفساء واسعة من القوميات والأديان، ما تزال الهوية الرسمية تختزل إيران في اللغة الفارسية والثقافة الفارسية والإطار الشيعي.

لهذا فإن أي تحول سياسي حقيقي في إيران لن يكون ممكنًا دون إعادة تعريف الهوية الوطنية على أساس التعددية والاعتراف بالشعوب المختلفة التي تشكل هذا البلد. فإيران ليست صوتًا واحدًا، بل جوقة تاريخية متعددة النبرات.

ومن هنا يدرك الكورد أن مستقبل إيران لا يمكن أن يُكتب بأيديهم وحدهم. فالقوى الكوردية، رغم نفوذها في مناطقها، تحتاج إلى شراكة واسعة مع بقية قوى المعارضة الإيرانية، ومع مختلف القوميات التي تسكن أطراف البلاد. وقد أعلن الكورد مرارًا استعدادهم لهذا الحوار، مؤكدين أن رؤيتهم لمستقبل إيران تقوم على الديمقراطية والتعددية والعدالة.

لكن الحقيقة الأعمق، التي تتكرر في كل خرائط الشرق الأوسط، هي أن الاستبداد المركزي الصلب هو الجذر الحقيقي لعدم الاستقرار. فحين تُغلق الدول أبواب المشاركة السياسية والثقافية أمام شعوبها، تتحول الحدود الداخلية إلى براكين مؤجلة. ولهذا فإن تجاهل هذه الحقائق البنيوية لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الدورات ذاتها من القمع والانتفاضات والمغامرات السياسية التي طبعت تاريخ المنطقة لعقود طويلة.

بوتان زيباري

السويد