انتصار بلا منتصر… كيف تحولت الحرب إلى خدعة سياسية – د. مالك الجبوري

ما يبدو اليوم كـ“هدنة” بين واشنطن وطهران ليس إلا لحظة توازن هش بين خوفينخوف الولايات المتحدة من الغرق في مستنقع مفتوح، وخوف إيران من الانهيار من الداخلالقراءة السطحية تقول إن الطرفين توصلا إلى وقف مؤقت لإطلاق النار، لكن القراءة العميقة تكشف أن ما حدث ليس اتفاقًا حقيقيًا، بل تجميد اضطراري للصدام فرضته حدود القوة لدى الطرفين، لا إرادة السلام.

في هذا السياق، لا يمكن فهم ما جرى في مفاوضات إسلام آباد كحدث منفصل، بل كجزء من هذا التوازن الهشعندما خرج جي دي فانس ليعلن فشل المفاوضات بعد ساعات طويلة من النقاش، لم يكن يصف نتيجة بقدر ما كان يؤسس لمرحلة جديدة من إدارة الصراعالفشل هنا ليس تعثرًا، بل أداة سياسية، تُستخدم لتبرير ما سيأتي لاحقًا.

الولايات المتحدة، بقيادة دونالد ترامب، دخلت هذه المواجهة بخطاب الحسم السريع، لكنها اصطدمت بواقع مختلفلا انهيار سريع للنظام الإيراني، ولا ضربة قاضية ممكنة دون الانزلاق إلى حرب شاملةهنا بدأ الخلل البنيوي في القرار الأمريكي يظهر بوضوحقرار الحرب كان أسهل بكثير من قرار الخروج منها.

ترامب لم يواجه إيران كدولة فقط، بل كجغرافيا استراتيجية معقدةمضيق هرمز لم يكن مجرد ممر مائي، بل تحوّل إلى ورقة سيادية بيد طهران، سلاح جغرافي لا يحتاج إلى إطلاق صواريخ بقدر ما يحتاج إلى موقعوهذا ما لم تستوعبه واشنطن في البدايةأن القوة العسكرية لا تلغي قوة الجغرافيا، بل قد تعيد تفعيلها ضدك.

في المقابل، إيران التي تبدو في خطابها منتصرة، تعيش حالة إنهاك عميقةالخسائر الاقتصادية، التضخم، واحتمال عودة الشارع إلى الاحتجاج، كلها مؤشرات على أن النظام لم يخرج أقوى، بل أكثر هشاشةلكن هذه الهشاشة لا تعني الانهيار، بل تعني شيئًا أخطرنظام مضغوط، لكنه مستعد للذهاب إلى أقصى حد من أجل البقاء.

وهنا نصل إلى جوهر المشهدالطرفان لا يستطيعان الاستمرار في الحرب، ولا يستطيعان إعلان الهزيمةالنتيجة الطبيعية هي لغة الغموض، حيث تتحول التصريحات إلى أدوات لإخفاء التنازلاتالولايات المتحدة تتحدث عن “عرض نهائي”، وإيران تتحدث عن “مطالب غير معقولة”، لكن الحقيقة أن الطرفين لا يتفاوضان على نفس الشيء أصلًا.

تصريحات جي دي فانس حول التخصيب ليست مجرد مرونة تفاوضية، بل تمهيد نفسي لقبول تحول استراتيجيالانتقال من هدف منع التخصيب بالكامل إلى هدف منع القنبلة فقطأي قبول ضمني بأن تمتلك إيران القدرة، لكن دون تحويلها إلى سلاحهذا التحول بحد ذاته اعتراف غير مباشر بحدود القوة الأمريكية.

لكن هذا المسار يحمل تناقضًا خطيرًالأن أي اتفاق يقوم على الفصل بين “النص” و“الواقع” هو اتفاق هش بطبيعتهقد يُقال شيء على الورق، ويُمارس شيء آخر على الأرضوهذا يعني أننا أمام تهدئة مؤقتة، لا حل دائم.

أما في مضيق هرمز، فقد تغيّر المفهوم بالكامللم يعد الحديث عن حرية الملاحة، بل عن إدارتهاوهذا الفرق ليس لغويًا، بل استراتيجيًالأن الانتقال من الحرية إلى الإدارة يعني الانتقال من القانون الدولي إلى ميزان القوةوبمجرد قبول هذا التحول، نكون أمام سابقة تعيد تعريف الممرات الدولية كأوراق تفاوض.

الولايات المتحدة تدرك خطورة ذلك، لكنها مضطرة للتغاضي مؤقتًا، لأنها تبحث عن مخرجوهنا يظهر دونالد ترامب ليس كرئيس حرب، بل كرجل صفقات، يبحث عن رواية يمكن تسويقها سياسيًا، حتى لو لم تعكس انتصارًا حقيقيًا.

المشكلة أن هذه الرواية تصطدم بواقع معقدحلفاء واشنطن في الخليج يشعرون بأنهم خارج الحسابات رغم أنهم في قلب الخطر، وإسرائيل ترى أن الحرب توقفت قبل تحقيق أهدافها، بينما إيران، رغم إنهاكها، خرجت بما يشبه اعترافًا ضمنيًا بنفوذها.

بمعنى آخر، لا أحد انتصر… لكن لا أحد مستعد للاعتراف بالهزيمة.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقيةما نراه ليس نهاية الصراع، بل إعادة ترتيب لهالهدنة الحالية ليست حلًا، بل استراحة بين مرحلتينلأن الأسباب العميقة ما زالت قائمةبرنامج نووي لم يُحسم، توازن قوى مضطرب، وصراع إرادات لم يصل إلى نهايته.