من البعث إلى العمامة :  حين تغيّر السلطة ثيابها وتحتفظ بالعقل نفسه – محمد ديب أحمد 

في سوريا ، لا تموت الأنظمة بسهولة ، بل تتقن فن التنكّر .
تخلع بزّتها العسكرية حين تصبح مكلفة ، وتلبس قميص الدين حين يصبح أكثر رواجاً ، لكنها تحتفظ دائماً بالعقلية نفسها :
عقلية الاحتكار ، والتخوين ، واعتبار الدولة مزرعة سياسية لا عقداً اجتماعياً بين الشعوب .
ما يجري اليوم تحت عنوان “المرحلة الانتقالية” لا يبدو انتقالاً فعلياً بقدر ما يبدو إعادة تدوير لنفس المدرسة السلطوية ، لكن بلهجة مختلفة ولحية أطول قليلاً .
فالسلطة التي عجزت لعقود عن بناء دولة مواطنة ، تحاول اليوم إقناع السوريين بأنها جاءت لإنقاذهم عبر الآليات نفسها التي أوصلت البلاد إلى الكارثة أصلاً :
التعيين بدل الانتخاب ، الإقصاء بدل الشراكة ، والولاء بدل التمثيل الشعبي .
ولهذا لم يكن رفض الأحزاب الكردية لما يسمى ” انتخابات مجلس الشعب ” مجرد خلاف على عدد المقاعد ، بل اعتراضاً على الفكرة كلها .
و ما يُطرح ليس انتخابات ، بل عملية توزيع مقاعد بطريقة تشبه تعيين مختار لحيّ صغير أكثر مما تشبه تأسيس برلمان لدولة مدمّرة تبحث عن شرعية جديدة .
أن تمنح ملايين الكرد أربعة مقاعد فقط ، فهذا ليس سوء تقدير سياسي ، بل رسالة واضحة تقول :
“نريدكم ديكوراً وطنياً لا شركاء في الوطن” .
والمفارقة أن السلطة التي تتحدث صباحاً عن المشاركة ، تعود مساءً لتوزع المقاعد بعقلية مختار الحارة . وكأن السوريين لم يثوروا على الاستبداد ، بل على سوء الإخراج فقط .
والأطرف ــ أو ربما الأكثر مأساوية ــ أن هذه السلطة تتحدث طوال الوقت عن “سوريا الجديدة” بينما تتصرف بعقلية “القيادة القطرية” نفسها ، مع استبدال الشعارات القومية بشعارات دينية .
حتى إن المرء يكاد يشعر أن ميشيل عفلق لم يغادر المشهد فعلاً ، بل غيّر عباءته فقط ، وانتقل من خطاب الأمة الواحدة ذات الرسالة الخالدة إلى خطابات أكثر وعظاً وأقل حداثة ، لكن بالروح الإقصائية ذاتها .
المشكلة ليست في الإسلام كدين ، بل في تحويله إلى غطاء سياسي لعقل سلطوي قديم .
فالاستبداد لا يصبح أقل قبحاً حين يضع مسبحة في يده .
والديكتاتورية لا تتحول إلى عدالة لأنها بدأت خطاباتها بـ “بسم الله” بدل “أمة عربية واحدة” .
وبعض القوى الحاكمة تتصرف وكأن سقوط البعث كان مشكلة أسماء لا مشكلة عقلية ، لذلك استبدلت الشعارات فقط ، بينما أبقت على الفوقية نفسها ، والتخوين نفسه ، والاحتقار نفسه لأي شراكة حقيقية خارج مركز السلطة .
ما يحدث اليوم يذكّر السوريين بأن الأنظمة العقائدية جميعها تتشابه في النهاية ، مهما اختلفت راياتها .
فحين تعتبر السلطة نفسها وصية على الشعب ، وتتعامل مع المكونات القومية والسياسية كضيوف مؤقتين داخل البلاد ، فإنها تعيد إنتاج الأزمة نفسها التي فجّرت سوريا منذ البداية .
الكرد اليوم لا يطالبون بمعجزة ، بل باعتراف سياسي حقيقي بحجمهم ودورهم وشراكتهم .
وحين تطالب الأحزاب الكردية بأربعين مقعداً ، فهي لا تطلب صدقة سياسية ، بل تقول إن زمن التعامل مع الكرد كملف أمني أو هامش جغرافي يجب أن ينتهي .
لكن يبدو أن بعض العقول في دمشق ما زالت تعتقد أن بالإمكان بناء “سوريا جديدة” عبر الأدوات القديمة نفسها :
مركزية خانقة ،
عقلية فوقية ،
وتمثيل صوري لا يختلف كثيراً عن المسرحيات الانتخابية التي عرفها السوريون لعقود .
وحين تتحول الانتخابات إلى عملية تعيين مقنّعة ، يصبح البرلمان أشبه بقاعة انتظار للولاء السياسي ، لا مؤسسة تمثل شعباً خرج من واحدة من أكبر الكوارث في العصر الحديث .
والحقيقة أن أخطر ما في السلطة الحالية ليس ضعف خبرتها السياسية فقط ، بل إصرارها المذهل على السير داخل النفق نفسه الذي سقط فيه من سبقها ، وكأن البلاد تحتاج نسخة جديدة من الكارثة لكن بديكور مختلف .
حتى إن السوري بات يشعر أحياناً أن الدولة لا تُدار بعقل سياسي ، بل بعناد دونكيشوتي يقاتل طواحين الهواء بينما البلاد كلها تتحول إلى ركام .
فبدلاً من بناء عقد وطني جديد ، يجري ترميم الخراب بلغة انتقامية وإقصائية ،
وكأن المطلوب من السوريين أن يصفقوا لمجرد أن القمع غيّر صوته لا طبيعته .
السوريون لم يثوروا على الاستبداد بسبب سوء الإخراج ، بل لأنهم تعبوا من المسرحية كلها .
تعبوا من سلطات تتبدل فيها الوجوه بينما تبقى عقلية الاحتكار نفسها ، ويتغير فيها الشعار بينما يبقى المواطن مجرد رقم مطلوب منه التصفيق في الوقت المناسب فقط .
إن أي سلطة لا تفهم التعدد القومي والسياسي في سوريا محكومة بالفشل ، مهما امتلكت من شعارات دينية أو ثورية .
 سوريا ليست ثكنة عسكرية ، ولا مزرعة أيديولوجية ، ولا إمارة مغلقة .
بل بلد متنوع لا يمكن إنقاذه إلا بالشراكة الحقيقية والاعتراف المتبادل واللامركزية السياسية العادلة .
أما الاستمرار في عقلية “نحن نمثل الدولة وأنتم تمثلون المشكلة” ، فلن ينتج إلا نسخة جديدة من الانفجار السوري ، وربما بصورة أكثر خطورة هذه المرة .
لقد جرّبت سوريا لعقود حكم الحزب الواحد ، والقائد الواحد ، والصوت الواحد ، وكانت النتيجة بلداً ممزقاً وشعباً منهكاً وملايين اللاجئين .
ومن العبث التاريخي أن يأتي من يظن أن الحل هو إعادة إنتاج النموذج نفسه ولكن بعمامة بدل القبعة العسكرية .
التاريخ لا يرحم السلطات التي تعتقد أن بإمكانها خداع الشعوب بتغيير الأقنعة فقط .
فالسوريون الذين دفنوا أبناءهم تحت أنقاض الاستبداد ، لن يقبلوا نسخة معدّلة منه ، حتى لو جاءت هذه المرة وهي ترفع المصحف بدل صورة القائد .
وبعض السلطات تتصرف وكأن المشكلة في صورة القائد المعلقة على الجدار ، لا في العقلية التي علّقت البلاد كلها على حبل السلطة لعقود .
لأن الطنبور السوري لم يعد يحتمل نغماً إضافياً من العناد السياسي .
ما يحتاجه السوريون اليوم ليس سلطة تعيد تدوير أناشيد الماضي ، بل دولة تمتلك شجاعة الاعتراف بأن البلاد لا تُحكم بالإقصاء ، ولا تُبنى بالتعيين ، ولا تستقر بابتلاع حقوق شعوبها .
فالدولة التي لا ترى في الكرد والعرب والسريان والدروز وسائر المكونات شركاء متساوين ، ليست دولة وطنية ، بل مشروع أزمة مؤجلة .
وأي سلطة تصرّ على النظر إلى سوريا بعين مغبشة لا تفرّق بين الألوان ، لن ترى في النهاية سوى صورة فشلها وهي تتكرر أمامها مرة أخرى .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *