على مر التاريخ، كان لإيران تأثير في استقرار المنطقة وأمنها. وإمتد هذا التأثير الى العصر الحديث
ولئن کان خلال عهد الشاه يجنح الى أن يلعب دورا مناطا به يخدم من خلاله أجندة أميرکية على الاغلب
لکنه وعلى الرغم من بعده السلبي لکنه لم يتجاوز الخطوط الحمر.
لکن دور وتأثير إيران خلال عهد نظام ولاية الفقيه رفض الدور والتأثير السابق لإيران في عهد الشاه،
غير إن هذا الرفض لم يکن للبعد السلبي الذي تضمنه وإنما لمحدوديته وکون إيران تلعب دورا بالانابة
عن غيرها، ولذلك فإن إيران في عهد"الجمهورية الاسلاميـة"، تبنت مسارا جديدا ظهر فيه وبکل
وضوح إنها تريد أن تلعب لصالحها وليس لغيرها وقد جاء ما يسمى بمبدأ "تصدير الثورة" والذي مهد
لتجسيد المسار الجديد عمليا من خلال وجود ثلاثة مواد في الدستور الايراني تجيز ذلك تحت مسميات
مطاطية.
الدور الايراني الجديد من حيث التأثير السلبي على السلام والامن في المنطقة کان في الحقيقة تطويرا في
الدور السابق لنظام الشاه، وذلك بأن تکون إيران هي من تنيب ممثلين لها في دول المنطقة ويلعبون دورا
أو أدوارا تتماشى مع النهج والسياسات المتبعة فيها، وهذا ما ظهر في لبنان أولا ثم إنتقل الى 3 بلدان
عربية أخرى في المنطقة.
ولم يقم النظام الذي أعقب الحکم الملکي في إيران، بلعب دوره السلبي الجديد بصورة مفاجأة بل قد مهد
لذلك منذ أيامه الاولى وذلك بالضرب على وتر أهم قضية فکرية ـ سياسية لدى العرب والمسلمين على
حد سواء، ولاسيما بعد قطع العلاقات مع إسرائيل وإعلان اليوم العالمي للقدس بشکل خاص، لکن الذي
تميز في هذا الدور الجديد سعيه من أجل فرض وصاية إيرانية مستمرة على المنطقة وجعلها أسيرة
لتوجهاتها الفکرية ـ السياسية الى جانب سعي جلي لم يخفى على أحد للتلاعب بالامن الاجتماعي لدولها
من خلال التأثير على البناء الديموغرافي للمجتمعات وجعل ذلك في خدمة زعزعة الامن القومي.
هذا الدور الجديد الذي ظهرت سلبيته بأوضح صورها بعد أن وقفت بوجه المساعي الدولية المبذولة
خلال عام 2023، من أجل حل الدولتين من خلال الهجمة التي قامت بها حرکة حماس في 7 أکتوبر من
نفس ذلك العام حيث تبنى النظام الايراني بطرق وأساليب غير مباشرة هذا التطور مع أخذ علاقاته
السابقة مع حرکة حماس بعين الاعتبار، وهذا التطور الخطيرالذي جاء على الضد من توجهات شعوب
المنطقة وخصوصا الشعب الفلسطيني الذي بأمس الحاجة للإعتراف بدولته، جعل من المنطقة مشروعا
لإحتمالات أحلاها مر وکان ذلك بمعنى تحد صريح للسلام والامن الدولي لإعتبارات وأسباب مختلفة
ولذلك فقد جرى التصدي لمن يلعبون دور الانابة والوکالة عنه کبداية ومن ثم التصدي له على وجه
التحديد لإعادته الى حجمه الطبيعي.
حرب الايام ال12 والحرب التي إندلعت في 28 فيبراير 2026، لم تکن بسبب الطموح النووي
الايراني فقط وإنما أيضا بسبب الطموح الاقليمي وما تمخض عنه من آثار وتداعيات سلبية على السلام
والامن في المنطقة والعالم، ومن دون شك فإن الحرب الاخيرة أثبتت مقدار تحامل النظام الحاکم في
إيران على دول المنطقة ولاسيما الخليجية منها التي تسعى للتصرف خارج إطار سياساته، ولا يمکن أبدا
أن يستتب السلام والامن بالتأجيل المزمع للطموح الايراني النووي لعشرين عاما أخرى کما أشار لذلك
ترامب، لأن أساس زعزعة الامن والسلام في المنطقة يکمن في وکلاء النظام الايراني والذي يريد
الاخير جعلهم أمرا واقعا بعد حيازته للسلاح النووي، ولايبدو لحد الان إن هناك إستعداد واضح لدى
طهران للتخلي عن دورها السلبي في المنطقة طالما بقي النظام الحالي قائما.
المشکلة کانت وستبقى في النظام نفسه وليس في أي شئ آخر، فهو بمثابة نبتة السوء التي لن تنتهي
تأثيراتها السلبية إلا بإجتثاثها من الجذور، وإن إيران لن تهدأ إلا بمجئ نظام يعبر عن الشعب الايراني
ويضع للدکتاتورية حدا نهائيا ويٶمن بالتعايش السلمي ويرفض التدخل في شٶون الدول الاخرى، وهذه
هي الحقيقة المرة التي يجب تقبلها والبناء عليها على الصعيدين الدولي والاقليمي، ولاسيما وإنه من
المٶمل إقامة التجمع السنوي العام من أجل التضامن مع نضال الشعب الايراني من أجل الحرية وإسقاط
النظام، والذي وبحسب ما أکدت مصادر من اللجنة المشرفة على تنظيم التجمع بأن أکثر من 100 ألف
إيراني من الجالية الايرانية في بلدان مختلفة سوف تشارك فيه، ذلك إن الايرانيين يصرون على إن
مسألة التغيير وإسقاط النظام لن يتم عن طريق الحرب أو المفاوضات وإنما عن طريق الشعب الايرانية
والمقاومة المنظمة.

