ستوكهولم – محمد الكحط
في أمسية امتزج فيها عبق الورد بدفء اللقاء، واحتشدت فيها الثقافة بالجمال، نظّم «كروب مرايا»، بالتعاون مع شركة Saltsjöbadens Blommor، فعالية ثقافية حملت عنوان:
((لغة الورد… من المعابد القديمة إلى قلوبنا اليوم))، وذلك مساء الأحد الموافق 17 أيار 2026، وسط العاصمة السويدية ستوكهولم. وكعادتهن، أثبتت سيدات كروب مرايا أن الجمال ليس تفصيلًا عابرًا، بل رسالة إنسانية وثقافية تُصاغ بالمحبة والإبداع. وقد شهدت الأمسية حضورًا مميزًا من أبناء الجالية العراقية، إلى جانب القائم بأعمال السفارة العراقية في السويد الدكتور محمد عدنان، وعدد من أعضاء البعثة الدبلوماسية العراقية.
استُهلت الأمسية بكلمة ترحيبية ألقتها السيدة ميلاد خالد، رحبت فيها بالحضور والضيوف، وقدمت لمحة عن نشاطات «كروب مرايا» ودور عضواته الفاعل في المجتمع السويدي، حيث يضم نخبة من الأكاديميات والمهندسات والمتخصصات في مجالات متعددة، ممن يجمعهن الشغف بالثقافة والعمل المجتمعي.
بعدها، قدّمت الروائية زينب الكناني المحاضِرة السيدة زينب العطار، التي أخذت الحضور في رحلة آسرة عبر تاريخ الزهور ورمزيتها في الحضارات الإنسانية المختلفة.
زينب العطار، عاشقة الورد التي تركت عالم الأرقام والمحاسبة لتختار لغة الورد، لم تتحدث عن الزهور بوصفها نباتات فحسب، بل باعتبارها ذاكرةً إنسانية ومشاعر حيّة ورسائل صامتة تختزنها الألوان والعطور.
وبأسلوب شيق وجميل نثرت رحيق زهورها على الحضور، فتحدثت عن زهرة اللوتس، تلك الزهرة التي ارتبطت بالشمس والبعث والتجدد، وعدّها القدماء معجزة تتكرر مع كل صباح. كما تناولت زهرة البابونج التي احتلت مكانة مقدسة في حضارة وادي الرافدين، وشجرة السدر المباركة لدى البابليين، بوصفها رمزًا للصبر والقوة والقدرة على التحدي.
وفي انتقالة شاعرية نحو الشرق الأقصى، استحضرت أزهار الكرز اليابانية «ساكورا»، المرتبطة بفلسفة الساموراي، حيث ترمز إلى هشاشة الحياة وجمالها العابر، إذ لا تلبث أن تتفتح حتى تتساقط سريعًا، تاركةً خلفها درسًا عميقًا عن الزمن والجمال.
كما توقفت عند شجرة الغار المقدسة في الحضارة الإغريقية، المرتبطة بأسطورة الإله أبولو، والتي تحولت عبر العصور إلى رمز للانتصار والمجد، فتُوّجت بها رؤوس الملوك والشعراء والأبطال.
ولم تغب حضارة المايا عن هذه الرحلة، حيث أشارت إلى زهرة الجعفري ذات اللون البرتقالي المشتعل، والتي كان يُعتقد بأنها تهدي أرواح الموتى إلى أحبّتهم، فيما تحدثت عن الورد الجوري بوصفه رمزًا للجمال الإلهي في الفكر الصوفي، ومصدرًا للإلهام والتأمل والسكينة.
وفي حديثها عن العصر الفيكتوري، أوضحت كيف تحول الورد إلى لغة كاملة تُقال بلا كلمات؛ فلكل لون رسالة، ولكل زهرة معنى خفي، يتراوح بين الحب والوفاء والغيرة والخذلان. وأشارت إلى التحول الرمزي للورد الأصفر، الذي كان يُنظر إليه قديمًا بعين النفور، بينما أصبح اليوم رمزًا للفرح والطاقة الإيجابية.
كما تناولت تاريخ تجارة الزهور في السويد، مستذكرةً قصة امرأة بسيطة، كانت ربة منزل عاشقة للورد، استطاعت عام 1962 أن تؤسس أول سوق للزهور في السويد، والذي لا يزال حتى اليوم يُدار على يد الجيل الرابع من عائلتها.
وأكدت زينب العطار أن تنسيق الورود لم يعد مجرد مهنة، بل فنًّا راقيًا يعكس الذوق والمشاعر والاهتمام، فلكل مناسبة وردها الخاص، ولكل باقة رسالتها التي قد تعجز الكلمات أحيانًا عن قولها.
واختتمت محاضرتها بعبارات لامست القلوب، قالت فيها: ((حرفة الورد ليست بيع زهرة فحسب، بل صناعة إحساس… عين تعرف كيف تختار اللون، ويد تعرف كيف ترتّب الجمال، وقلب يدرك أن لكل مناسبة نبرة، ولكل إنسان وردة تشبهه. حافظوا على هذا الجمال؛ فربما تختصر وردة صغيرة حبًا عظيمًا، واعتذارًا صادقًا، وامتنانًا لا تكفيه الكلمات)).
وكان الختام مسك فعلًا… معطرًا بالورد والجمال.
وعقب المحاضرة، دار حوار مفتوح مع السيدة زينب العطار، وسط تفاعل الحضور وأسئلتهم، قبل أن تُوزّع باقات ورد منسقة بعناية من متجرها، حيث أضفت على الأمسية مزيدًا من البهجة والدفء.
كما أبدعت سيدات «كروب مرايا» في تقديم تشكيلة من الأكلات العراقية التراثية، التي أضفت نكهة خاصة على اللقاء، وجعلت من الأمسية مساحة تجمع بين الثقافة والحنين ودفء الهوية.
أمسية أثبتت أن الورد ليس زينة للحياة فحسب، بل لغة إنسانية قادرة على جمع القلوب، تمامًا كما فعلت «كروب مرايا» في هذه الليلة الاستثنائية.

