الكورد بين هندسة الاحتواء ووعد الفجر – بوتان زيباري

ليست المأساة الكوردية في أن المستعمر الطوراني التركي أنكر وجود الكورد لعقود طويلة فحسب، بل في أنه أتقن فنّ صناعة الأقنعة، حتى صار بعض السجّانين يتحدثون بلهجة الضحية، وبعض الأدوات تُقدَّم على أنها خلاص الأمة. فالدولة التي ارتعبت في ثمانينيات القرن الماضي من صعود الحركات التحررية الكوردية، حين كانت الجبال تنطق باسم الحرية، أدركت مبكرًا أن الرصاص وحده لا يكفي لإخماد شعبٍ يرى نفسه أقدم من الحدود وأبقى من الخرائط. لذلك لم يكن القضاء على معظم الحركات الكوردية آنذاك حدثًا عابرًا، بل كان مشروعًا استراتيجيًا طويل النفس، شاركت فيه أجهزة الأمن، وعقائد الدولة العميقة، وشخصيات جرى زرعها داخل الجسد الكوردي كي تتحول لاحقًا إلى مفاتيح للتحكم بالمصير الكوردي نفسه.

لقد فهمت أنقرة، منذ زمن بعيد، أن العنصر التركي ليس أكثرية مطلقة داخل تركيا، وأن بقاء السلطة الطورانية مرهون بإبقاء الكورد داخل دائرة التبعية السياسية والنفسية. ولهذا تحوّلت القضية الكوردية من قضية إنكار إلى قضية إدارة، ومن حرب إبادة مباشرة إلى سياسة احتواء ناعمة، تقوم على إنتاج قيادات مرتبطة عضوياً بمصالح النظام، حتى وإن ظهرت في هيئة المعارض أو السجين أو الثائر القديم. فبعض السجون ليست إلا مسارح سياسية تُدار بعناية، وبعض الرموز التي يُسوَّق لها باعتبارها ضمير الشعب ليست سوى أوراق احتياط تستخدمها الدولة حين تفشل الدبابات والطائرات.

واليوم، بينما تتحدث أنقرة عن “السلام” و”الاندماج” و”الحلول الواقعية”، فإنها في الحقيقة تحاول إعادة تشكيل الكوردي وفق المقاس التركي، لا الاعتراف بحريته. إنها تريد كوردياً منزوع الحلم، بلا ذاكرة تاريخية، بلا مشروع قومي، وبلا قدرة على إنتاج مستقبل مستقل. لذلك يجري الترويج لصيغٍ سياسية تجعل الكوردي مجرد وظيفة أمنية داخل الدولة، أو رقماً عسكرياً في جيش لا يعترف حتى بلغته الأم. وما يجري في سوريا ليس بعيداً عن هذا السياق، فكل محاولات دمج القوى الكوردية داخل بنى خاضعة للمركز ليست بريئة، بل تهدف إلى تفريغ التجربة الكوردية من مضمونها التحرري، وتحويلها إلى إدارة محلية بلا روح.

ومع ذلك، فإن أكثر ما يقلق العقل الطوراني ليس السلاح الكوردي، بل الوعي الكوردي. فالدولة التي استطاعت احتلال الأرض، لم تستطع احتلال الذاكرة. لهذا نراها ترتعب من اللغة الكوردية، من الأغنية، من أسماء القرى، من تعليم الأطفال بلغتهم، ومن كل تفصيل يذكّر الكوردي بأنه ليس تابعاً لأحد. وحين توهّمت أن الحرب أنهكت الكورد، اكتشفت أن أجيالاً جديدة وُلدت من بين الركام، تحمل وعياً أكثر خطورة من البنادق، وعياً يعرف كيف يقرأ الخرائط الدولية، ويفضح التلاعب الجيوسياسي، ويرى كيف تُستخدم بعض القيادات لتحويل القضية الكوردية إلى ملف أمني يخدم مصالح الدول لا تطلعات الشعوب.

إن أخطر ما في المرحلة الراهنة ليس القمع المباشر، بل محاولة تحويل الكورد إلى حراس للمشروع التركي نفسه، عبر شبكات النفوذ، والخطاب العاطفي، وتقديس الأشخاص بدل تقديس الحرية. وهنا تكمن المأساة الكبرى، حين يصبح بعض الكورد أدوات لترويض شعبهم، وحين يُطلب من الأمة أن تشكر السجّان لأنه خفّف قيودها قليلاً. لكن التاريخ لا يُخدع طويلاً، والشعوب التي دفعت أنهاراً من الدم لا يمكن أن تنام داخل قفص مهما جرى تزيينه بالشعارات.

الكورد اليوم ليسوا كما كانوا قبل أربعين عاماً. لقد تغيّر العالم، وتغيّرت خرائط القوة، وسقطت أقنعة كثيرة. أما الشمس الكوردية التي حاولت الإمبراطوريات دفنها مراراً، فإنها لا تزال تصعد ببطء من خلف الجبال. قد تتأخر، قد تُحاصر، وقد تُثقَل بالخيانة والانقسامات، لكنها لن تنطفئ. لأن الشعوب التي تعلّمت كيف تحوّل الألم إلى هوية، والخذلان إلى وعي، لا يمكن أن تُهزم إلى الأبد. وفي النهاية، لن يبقى من كل هذا الضجيج سوى حقيقة واحدة: الكورد ليسوا طارئين على التاريخ، بل أحد آخر الشعوب التي ما زالت تقاتل كي لا يُسرق منها اسمها تحت رايات السياسة الحديثة.

السويد

20.05.2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *