سرّ الفراشة البيضاء -3- رواية واقعية- تأليف فرياد ابراهيم

 

 

اخبروهم

ستذهب حلبجة إلى بغداد قريباً

عن طريق غزلان سهول “شيروانه”

حاملة معها سلة من الغيوم البيضاء

وخمسة آلاف فراشة

-شيركو بيكه س-

&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&

 

 

ردد الغريب بصوت مسموع كمن يهذي: “رشيد رشيد! أأنا رشيد؟ أنا رشيد إذن! ومن هو رشيد؟ يعني ان والد الطفلة وهو أنا لهو زوج هذه السيدة، واين هو رشيد زوجك؟”

ارتسمت علامات الحيرة على محياه وهو من الاعياء في نهاية. شعر بجوع وعطش ووجل. آلمته ساقاه وقدماه. اشارت اليه بالجلوس. فاستدار ليعود الى مجلسه فإذا بصورة بلونين اسود وأبيض تقابله على الحائط ، صعق للصورة ووقف مذهولا  يتفرس في ملامح وتفاصيلها. اعتراه ذهول شديد ثم تحامل على نفسه وأخذ يغمغم في استغراب:”يا إله الكون! أهذا رشيد زوجك؟ والد الطفلة؟ أهذا أنا؟ نعم هذا أنا؟  هذا أنا في هذه اللحظة على الأقل!!” نظر الى نفسه في مرآة صغيرة معلقة بجانب الصورة. واخذ يقارن بين الصورتين: الصورة الحقيقية لوجهه في المرآة والوجه في الصورة بدقة ، وفجأة أخذ يضحك كمن به مس وهو ينقل عينيه بين الوجهين: وجهان عريضان من فوق ودقيقان عند الذقن، جبهتان عريضتان وقد انحسر الشعر عنهما قليلا ، حاجبان سوداوان كثّان، أنفان مستويان مرتفعان قليلا في المقدمة، عينان  سوداوان ، أهداب طويلة، اذنان صغيرتان، لحيتان قصيرتان .

عاد الى مكانه على الحشية واسند ظهره الى الحائط ثم نظر اليها يترقب كلمة منها بعدما انجلت الصورة تقريبا.

ظلت مالكة الدار واقفة قبالته. الوجوم لا يفارق مهجتها. ثم تحدثت أخيرا: “انت لست رشيد، رشيد مات. اعدمه النظام، ولكننني اتسائل الآن  هل كان له اخ اسمه …؟”

جفل الغريب للفظة “اعدام” وقدم اسمه وليكمل الكلمة الناقصة من سؤالها:

” زكي، اسمي زكي، اتشرف بمعرفتك ست زينب .”
وظل يحدق في الفضاء مذعورا. أخيرا تنهد ثم نهض قائما مستغلا غياب الطفلة. “انا جائع وعطشان ساتناول شيئا ثم اغادر المكان فورا.”

“الى اين؟”

“الى الحدود.” قال ثم اضاف مستطردا في وجل: “أنا هارب من النظام لسبب أو لآخر، ومهنتي طبيب .” ثم قطع كلامه مفكرا ثم أردف قائلا :”هل تعرفين دليلا يهديني السبيل؟”

حدقت في وجهه المتوتر متأملا . بات مؤكدا ان الرجل في خطر شديد. قالت له تتكلف الهدوء: “سأبحث عن الدليل ولكن امهلني قليلا، احتاج الى وقت، لا تجري الامور بهذه السرعة.”

“إذن سأذهب لوحدي.” ونهض قائما وانحنى على حقيبته السوداء. التقطها. وهم بالخروج. ونادته من خلفه. ” مهلا لا تذهب قبل ان اعد لك فطائر تأخذها معك.”

“شكرا، شكرا جزيلا.” قال لها واستدار واضعا يده فوق صدره مع انحنائة ثم اردف قائلا: ” سآكل في الطريق، وضعت هنا بعض الخبز والكعك والماء. عامل الزمن فوق كل شئ.” قال يربت على الحقيبة المنتفخة.

شكرها مرة اخرى وانطلق يعدو نحو الباب الصدئ وسط صياح الديك والدجاج. سمعها تقول من ورائه:

” ستقابل متاعب في الطريق، انتظر قليلا، سأبحث لك عن الدليل فورا.”

الخوف كان اكبر من كل نصيحة. وقبل اجتيازه الباب سمعها تقول: ستصاب بنتي بصدمة ان عادت ولم ترَك.”

ولم تمض ثواني الا وعاد زكي-رشيد بصحبة الطفلة. كانت تمسك بيده بقوة وتسحبه بهدوء الى غرفة الجلوس، وهي ترفع رأسها اليه وتقول له معاتبة:”أين كنت تذهب بابا؟ ولماذا تحمل الحقيبة؟ ألا تركتها في البيت في حراسة امي؟”

وهكذا وجد  زكي نفسه مرة أخرى وجها لوجه مع نسخته الثانية رشيد.

تبادلا النظرات. على وجهه خيبة وعلى وجهها دهشة.

“ماما، أين كان يذهب ابي؟” ارتفع صوت الطفلة الحاد تخاطب امه بنبرة حانقة.

تنهدت الام وتأوهت بحرارة وكمد، ثم قال لها بصوت خفيض حزين: ” وا أسفاه عليك وعلى ابيك المرحوم بنتي، هذا الذي ترينه امامك ليس بأبيك ، انه شبيه يشبه المغفورله اباك. أنت لم ترينَه في حياته فكيف ترينه في مماته.” قالت ولمعت دمعتان كبيرتان في ركني عينيها . ثم اضافت قائلة:” دعي عمو زكي يذهب لحاله. انه على عجل.”

“مستحيل مستحيل. ماذا تقولين؟ هذه الصورة لأبي رشيد وهذا ابي رشيد، نفس الوجه.” ومدت سبابتها الى الصورة تارة والى وجه زكي تارة اخرى وسط الهموم والضباب الذي يكتنفه. وظلت تنقل بصرها من امها الى زكي وهكذا. اما زينب فنظرت في وجه زكي المغبر الذي كان ينظر الى ساعته اليدوية بارتباك وقالت له برجاء:

“نحن امام موقف صعب للغاية. سيدي هلا فكرت بسبيل للخروج من الأزمة العاصفة؟” 

 احتار زكي بماذا يجيب سيدة البيت. أما هذه فقد إنفرجت أسارير وجهها بعد ان رأى الإنقباض في وجهه وقالت له بنبرة إعتذار: “يبدو أنك مشيت مسافة طويلة؟” توجهت اليه بسؤال ولم تنتظر الجواب بعد أن رأت الارتباك على وجهه وهو يقدم خطوة ويؤخر أخرى. وارادت أن تطمئنه.” لا تقلق، البلدة آمنة وقلما دخلها قوات النظام. والحرب لم تصل الى هنا بعد ومن ثم هناك حلول أخرى..” قطعت حديثها تتأمل وجهه المغبروهمومه وهلعه، فرثت لحاله وحاولت مرة أخرى بث الراحة في قلبه قائلة:

” برأيي ان تأخذ قسطا من الراحة أولا وتتناول شيئا من الطعام بينما ابحث أنا عن عم امين.”

دخل شئ من الانشراح في قلب زكي. تراخت يده على الحقيبة ناقلا عينيه بين الأم والطفلة التي مرت عليها الثواني كالدهر طولا.

“فتكن مشيئتك سيدتي.” نطق أخيرا واستسلم لإرادتها بعد ان خفّت مخاوفه.

وضع حقيبته على الارض ورفع رأسه اليها متسائلا:”ومن هو عم أمين؟”

“موظف البريد والهاتف. رجل طيب وله سمعة طيبة وموثوق به لدى الاهالي ولدى الحكومة على السواء،  وهو الوحيد القادر على مساعدتك، وسوف لن يألوا جهدا في سبيل حمايتك وتهريبك ، وقد ساعد أشخاصا آخرين من قبلك.”

قالت هذا ثم انطلقت الى الغرفة المواجهة وعادت بعد دقائق تحمل صينية عليها وعاء من اللبن والخبز الشعبي، نان. وضعتها امامه على الارض ثم اشارت اليه ان يأكل.” لحظة وسيكون الشاي جاهزا.”

وانطلقت الى الغرفة المقابلة. وجلس هو على الحشية وحينها القت الطفلة بنفسها في احضانه ثم القت برأسها فوق فخذه ومدت رجليها امامها على ارضية الغرفة ، وقالت له من تحت لحيته مشيرة الى فناء الدار من خلال النافذة الصغيرة: “بابا إنه لبن المعزة، معزتنا. طيب ولذيذ جدا.” ثم احاطت عنقه بذراعها وقالت له:” أين كنت كل هذه المدة؟ هل سافرت الى الحج مثل عم كمال النجار، أنت تعرفه أنه نجار ماهر، وأنت دفعت مبلغا كبيرا له ليصنع لي المهد والسرير كما قالت أمي، هذا ذهب الى الحج وضاع هناك ثم عاد بعد خمس سنوات.”

تنهد زكي بحرارة ثم سألها بمرارة.”وماذا قالت امك لك عن غيابي؟”

“قالت انه سافر الى البعيد البعيد وسيعود يوما وسيلتقي بنا على الجسر. فكنا نذهب كل يوم جمعة الى الجسر وارفع انا يدي الى السماء ادعو الله ان يعيدك الينا، وعيناي ترقبان الطريق ، وها قد عدت، سمع الله دعائي، شكرا يا رب.”

عندما عادت زينب حاملة أبريق الشاي والاقداح والسكر، رأت الزائر زكي ملويّا عنقه مغمضا عينيه متهالكا، ويصدر من فمه المفتوح شخيرا هو الى الأنين لأقرب. اما البنت فكانت عيناها تبرقان كعيون القط في مواجهة الباب التي ستدخل من خلاله أمها وتتدبر الأمر.

*

 

فرياد

 

يتبع——-

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *