هل يكون اندماج كورد سوريا مخرجاً للقضية الكوردية, أم بداية لمعضلة جديدة؟ – خليل كارده

 

دخلت القضية الكوردية في سوريا مرحلة جديدة وحساسة بعد حل قوات سوريا الديمقراطية واندماج

تشكيلاتها العسكرية والأمنية في مؤسسات الدولة السورية, وكذلك إنهاء البنية المستقلة للإدارة الذاتية

ودمج مؤسساتها في الدولة.

للوهلة الأولى, قد يبدوا هذا التطور نهاية لمرحلة طويلة من الصراع وبداية لمرحلة سياسية تقوم على

المشاركة بدلاً من السلاح. ولكن السؤال الأهم ليس في حل (قسد) أو إنهاء الإدارة الذاتية بحد ذاتهما,

وإنما : ماذا حصل الكورد في المقابل؟

إن القضية الكوردية في سوريا ليست قضية مناصب أو مؤسسات إدارية مؤقتة, بل قضية شعب له هوية

قومية ولغة وثقافة ووجود تاريخي. ولذلك فإن الضمان الحقيقي لا يمكن أن يكون في تصريحات سياسية

أو تفاهمات مرحلية, وإنما في دستور سوري جديد يعترف صراحة بالوجود القومي الكوردي ويضمن

حقوقه السياسية والثقافية واللغوية والإدارية.

لقد أعلن مظلوم عبدي اليوم 25 أغسطس 2026 أن المرحلة القادمة ستكون مرحلة نضال سياسي من

أجل تثبيت حقوق الكورد في الدستور السوري. وهذه هي النقطة التي ستحدد إن كان الاندماج خطوة

ناجحة أم تنازلاً كبيراً فقد فيه الكورد أوراق قوتهم قبل الحصول على الضمانات النهائية.

إن الاعتراف باللغة الكوردية ومنح الجنسية لمن حُرم منها والاعتراف بعيد نوروز خطوات إيجابية,

لكنها لا تكفي وحدها. فالقوانين والقرارات التنفيذية يمكن تعديلها أو إلغاؤها في المستقبل, بينما يشكل

الاعتراف الدستوري ضمانة أقوى وأكثر استقراراً.

ومن هنا يبرز السؤال حول مستقبل مظلوم عبدي نفسه. فإذا انتقل من قيادة عسكرية إلى دور سياسي

رسمي داخل الدولة السورية, سواء مستشاراً للرئيس للشؤون الكوردية أو في موقع سياسي اَخر,

فقد يكون ذلك مفيداً إذا كان جزءاً من شراكة سياسية دستورية حقيقية وليس مجرد منصب شخصي.

فالقضية الكوردية أكبر من مظلوم عبدي ومرجعه وأكبر من أي شخص أو شخصية. وإذا أصبح

منصبه بديلاً عن الاعتراف الدستوري بحقوق الشعب الكوردي, فسوف تتحول المسألة من قضية

شعب إلى قضية تمثيل فردي, وهذا لا يشكل حلاً.

أما إذا رافق وجوده في مؤسسات الدولة اعتراف دستوري واضح بالكورد, وضمان تعليم اللغة

الكوردية, والمشاركة السياسية والإدارية, والتنمية المتوازنة للمناطق الكوردية, وتمثيل الكورد

في مؤسسات الدولة, فقد يتحول هذا المسار إلى نموذج جديد لحل القضية الكوردية بالوسائل السياسية.

انعكاس التجربة على بقية أجزاء كوردستان:

ما يجري في سوريا لن تبقى اَثاره داخل الحدود السورية, لأن القضية الكوردية مترابطة في سوريا

والعراق وتركيا وإيران رغم اختلاف ظروف كل جزء.

فإذا نجحت التجربة السورية في تحويل القوة العسكرية والإدارة الذاتية إلى حقوق سياسية ودستورية

دائمة, فقد تشكل نموذجاً يمكن الاستفادة منه في أجزاء أخرى من كوردستان:

الانتقال من الصراع المسلح إلى التفاوض السياسي مقابل الاعتراف بالحقوق القومية.

أما إذا انتهت الإدارة الذاتية وحُلّت القوات الكوردية, ثم لم يحصل الكورد بعد ذلك على ضمانات

دستورية حقيقية, فإن الرسالة التي ستصل إلى كورد المنطقة ستكون معاكسة تماماً: أن التخلي

عن أوراق القوة قبل تثبيت الحقوق قد يؤدي إلى فقدان الاثنين معاً.

وهنا تظهر أهمية الأمر بالنسبة لكورد إيران وتركيا تحديداً.

إيران تضم ملايين الكورد,وقضيتهم مازالت بلا حل سياسي شامل. وستراقب الأحزاب والحركات

الكوردية الإيرانية التجربة السورية بدقة. فإذا أثبت الحوار والاندماج المشروط بالحقوق الدستورية

نجاحه, فقد يصبح نموذجاً سياسياً مهما للمستقبل.

لكن إذا جرى تفكيك المؤسسات الكوردية في سوريا دون مقابل دستوري متين, فقد يدفع ذلك الحركات

الكوردية في إيران وغيرها إلى التشدد في الاحتفاظ بقوتها وتنظيماتها وعدم الثقة بالوعود السياسية.

لهذا فإن التجربة السورية اليوم ليست شأناً سورياً فقط, بل اختبار سياسي قد تكون له انعكاسات

على مجمل القضية الكوردية في المنطقة.

الضمان هو الدستور:

الضمانة الأساسية ليست وجود مظلوم عبدي بالقرب من الرئيس السوري, ولا عدد الوزراء أو

المسؤولين الكورد, وإنما ما سيكتبه الدستور السوري الجديد.

فالأشخاص يتغيرون, والحكومات تتغير, والتحالفات الدولية تتبدل, أما الحقوق عندما تصبح جزءاً

من الدستور وتستند إلى توافق وطني واسع فإن التراجع عنها يصبح أكثر صعوبة.

وقد يكون على العكس, بداية لمعضلة أكبر إذا تخلى الكورد عن قوتهم العسكرية ومؤسساتهم قبل

أن يحصلوا على حقوقهم المضمونة.

والأشهر المقبلة ستجيب عن السؤال:

هل انتقل كورد سوريا من مرحلة السلاح إلى مرحلة الحقوق, أم من مرحلة امتلاك أوراق القوة

إلى مرحلة انتظار الوعود؟

وفي الإجابة عن هذا السؤال قد يتحدد ليس مستقبل كورد سوريا وحدهم, بل جانب من مستقبل

القضية الكوردية في المنطقة بأسرها.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *