لماذا تبتسم واشنطن لإسلام آباد وتخنق طهران؟ – بقلم صبيح الكعبي

 

ما الذي يقلق الولايات المتحدة من الطموح النووي الإيراني، بينما تتعامل باحتواء وودٍّ مع الترسانة الباكستانية الفعلية، بل وتثق بإسلام آباد كوسيط دبلوماسي لإدارة خيوط التهدئة مع طهران؟ يثير هذا التناقض علامات استفهام سياسية واسعة؛ بيد أن الإجابة لا تكمن في الهوية العقائدية، وإنما في تفكيك “العقيدة الأمنية” ومدى انسجامها مع الهيمنة الأمريكية، حيث يتجلى التباين الجوهري بين القبول بـ “الدولة الوظيفية” ومحاربة “الدولة المتمردة”. ومن هذا المنطلق الاستراتيجي، تتضح معالم الازدواجية الدولية عند إسقاط هذه الفلسفة الحاكمة على واقع النموذجين، لنرى كيف صِيغَت روابط واشنطن مع كل منهما بناءً على طبيعة الدور والوظيفة.

إذ تمثل باكستان نموذجاً للكيان الوظيفي الحليف في العقيدة السياسية لـ وزارة الدفاع الأمريكية. ورغم امتلاكها قوة ردع نووية جاهزة، وثقلاً بشرياً يقارب مئتين وستين مليون نسمة، وناتجاً محلياً إجمالياً يناهز أربعمئة واثنين وخمسين مليار دولار، فإن استراتيجيتها العسكرية ظلت دفاعية محلياً، متمحورة حول التوازن التقليدي مع جارتها الهند دون مطامع للتوسع الخارجي. هذا الانكفاء البراغماتي جعلها تقبل بدور الشريك الأمني لواشنطن في جنوب آسيا، مما دفع أمريكا للتغاضي عن سلاحها وحماية اقتصادها المترنح عبر المؤسسات المالية الدولية، طالما أن تلك الترسانة تقع تحت إدارة عسكرية منضبطة لا تهدد الغرب. وعلاوة على ذلك، جعل هذا التموضع الفريد من إسلام آباد قناة تواصل موثوقة ومقبولة لدى طهران أيضاً، لممارسة “الدبلوماسية الخلفية” واحتواء الأزمات الإقليمية بمرونة استثنائية.

في المقابل، تقف إيران كنموذج لـ “المشاكس العنيد”؛ فبثقل بشري يبلغ ثلاثة وتسعين مليون نسمة، وناتج محلي مقيد بالحصار الصارم يُقدر بثلاثمئة واثنين وستين مليار دولار، لم تكتفِ طهران بالسعي وراء التكنولوجيا النووية، وإنما ربطتها بمشروع سياسي هجومي قائم على صياغة نفوذ إقليمي عابر للحدود. هذا التوجه يضرب ركائز الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط؛ عبر تهديد أمن حلفاء واشنطن، والتحكم بممرات الطاقة الحيوية في مضيق هرمز، والتحالف الاستراتيجي مع خصوم الغرب الدوليين كـ روسيا والصين. هذا التمرد جعل أمريكا تنظر لبرنامج طهران كخطر وجودي يستدعي سياسة الضغوط القصوى، خشية أن يمنحها السلاح النووي مظلة ردع تحمي تمددها الإقليمي.

وتؤكد هذه اللوحة الجيوسياسية أن السياسة الدولية تحكمها المصالح البحتة؛ فترحب بالتابع الوظيفي وتخنق المشاكس المتمرد، وفي النهاية، يدفع أمن الشعوب واستقرار الأوطان ثمن هذه الصراعات الكبرى والإملاءات الخارجية. ومن رحم هذه التجاذبات، تظل الآمال معقودة على صحوة في الضمير السياسي العالمي؛ وأمنياتنا أولاً بأن يستقر هذا العالم، وأن تتخلى القوى العظمى عن سياسات الهيمنة، لتعيش الشعوب في سلام قائم على احترام السيادة والكرامة الإنسانية. وثانياً، تمتد هذه الأمنيات إلى منطقتنا العربية التي كانت ولا تزال المسرح الأكبر لتصفية الحسابات، لكي تنفض عنها غبار الحروب بالوكالة، وتستعيد عافيتها واستقلال قرارها الجماعي وتلتفت نحو البناء والتنمية. وفي قلب هذه الأمنيات، يقف العراق شامخاً وخاصاً؛ هذا البلد العظيم الذي دفع أبهظ الأثمان كونه نقطة الالتقاء والصراع بين المشاريع الدولية والإقليمية، والأمنية الكبرى له هي أن يتحول من ساحة لتصفية الصراعات إلى جسر للتواصل والسلام، ليستعيد عافيته الكاملة بسيادة وطنية مصونة وقرار مستقل نابع من مصالح شعبه فقط، وينعم أبناؤه بالاستقرار والأمان، ويعود العراق منارة كما كان دائماً للشرق والعالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *