الشرق الأوسط بين وهم الفراغ وإعادة توزيع النفوذ – محمد ديب أحمد

في الشرق الأوسط ، لا تبقى الفراغات السياسية فارغة طويلاً ؛ فحين تتراجع قوة كبرى أو تعيد تموضعها ، تتسارع قوى أخرى إلى استثمار المساحة المتروكة  وقياس حدودها .
لكن تراجع التدخل المباشر أبداً لا يعني زوال التأثير ، بل ربما انتقاله إلى أدوات غير مباشرة أو أكثر مرونة ، أو إلى قوى إقليمية ومحلية كانت تنتظر لحظة إعادة توزيع الأدوار .
وهذا ما يجعل المشهد الإقليمي الراهن يحمل طابعاً مختلفاً .
فمع تحول شكل الوجود العسكري الأمريكي المباشر في العراق بعد أيلول 2026 إلى ما يمكن تسميته  بأطر أمنية واستشارية ثنائية ، فلا يمكن القول إن واشنطن غادرت المنطقة أو إن نفوذها قد تلاشى .
فالنفوذ الجيوسياسي لا يسكن القواعد العسكرية وحدها ، بل يمتد عبر الاقتصاد ، ومصادر الطاقة ، والشراكات الأمنية ، وحماية الممرات المائية الحيوية ، وبكل تأكيد القدرة على التأثير في القرار السياسي .
من هنا يتشكل المشهد الأكثر تعقيداً :
ماذا يحدث عندما تعيد قوة عظمى ضبط أشكال حضورها ، بينما تندفع القوى الدولية والإقليمية لتأمين مواقعها ؟
على المستوى الدولي ، لا يدع المنافسون الفرصة تمر دون استثمار ؛ حيث تسعى الصين إلى تعميق حضورها الاقتصادي والاستثماري عبر مبادرة الحزام والطريق ورعاية الممرات التجارية ، بينما تثبت روسيا حضورها العسكري والسياسي كنقطة ارتكاز في الملف السوري والإقليمي .
أما إقليمياً ، فتجد إيران مساحة أوسع للمناورة داخل الساحة العراقية والإقليمية ، في وقت تتحرك فيه تركيا بفاعلية أكبر لإعادة تشكيل بيئتها الأمنية ، ولا سيما في سوريا ، عبر توسيع نفوذها السياسي والاقتصادي ومتابعة مسارات الدمج والهيكلة المؤسسية عن قرب .
في الوقت نفسه ، تتجه دول عربية ، وفي مقدمتها السعودية ، نحو صياغة أدوار استراتيجية أوسع تحمي مصالحها وتؤمن الملاحة والأمن البحري في البحر الأحمر والخليج العربي .
وتشير التحركات نحو الشراكات الدفاعية والاتفاقيات الاستراتيجية المتنوعة ،
 مثل التقاربات الأمنية بين السعودية وتركيا وباكستان ، إلى أن التحالفات نفسها أصبحت تتجاوز الأطر التقليدية ، متبنية صيغاً أكثر مرونة وتكتيكية .
وفي خضم هذه المتغيرات والديناميكية المتسارعة ، يبرز أيضاً التحرك الإسرائيلي لحماية مصالحه الأمنية ومنع خصومه من تمتين مواقعهم .
وهنا تبرز معضلة الأمن لدى القوى المحلية .
ففي العراق وسوريا ، تفرض هذه التحولات مسؤوليات مضاعفة ؛ إذ تتولى بغداد عبئاً أكبر في إدارة الملف الأمني ومواجهة تهديدات الإرهاب ، بينما تصطدم الاستحقاقات الأمنية بحدود الإمكانيات الفنية ، كقضايا الدفاع الجوي والغطاء الصاروخي التي تؤرق أربيل ، والتي جاءت صريحة ومباشرة على لسان وزارة البيشمركة والمركز على حد سواء ، ما يثير مخاوف من ثغرات قد تستغلها التنظيمات الإرهابية أو الجهات المسلحة المرتبطة بإيران ، في ظل استمرار ظاهرة السلاح المنفلت .
لكن السؤال الأهم ليس :
من يملأ الفراغ ؟
بل : هل نحن أمام فراغ أصلاً ،
 أم أمام مرحلة إعادة توزيع للنفوذ ؟
الفرق بين الطرحين جوهري ؛
فالفراغ يفترض مساحة خالية ينتظر من يشغلها ، أما إعادة التوزيع فتعني منافسة شرسة بين مراكز متعددة للسيطرة على المقدرات السياسية والأمنية والاقتصادية .
هذه التحولات لا تنتج استقراراً تلقائياً ،
 بل تفتح باباً واسعاً أمام ما يمكن تسميته بالتنافس المحموم .
أمام هذا الواقع ، لا يتجسد الخيار الرشيد للقوى المحلية في التباكي على انسحاب حليف أو انتظار عودته ، بل في الإجابة عن سؤال عملي :
ماذا تفعل القوى الوطنية لاستثمار هذا التحول ؟
السياسة الناضجة لا تبني مستقبلها على الوجود الخارجي الدائم ، كما أن تجنب الارتهان لحليف واحد يمنح القوى المحلية مساحة أوسع للمناورة والتكيف .
العقلانية تستدعي بناء شبكة متعددة  الاطراف ومتنوعة المصالح :
 تعاون أمني مع واشنطن ، وتفاهمات اقتصادية مع أنقرة أو بكين ، وتنسيق سياسي مع العواصم العربية والإقليمية ، بشرط أن تمتلك هذه القوى رؤية واضحة لمصالحها الوطنية أولاً .
ومن زاويتي ، أرى أن الحليف ليس بديلاً عن الدولة ، والتحالفات الإقليمية لا تعوض غياب المؤسسات الوطنية المتماسكة .
فقط عندما تكون المؤسسات قوية والرؤية صريحة ، يغدو تغير خريطة التحالفات مجرد تبديل في الأدوات ، لا أزمة وجود .
الشرق الأوسط لا يدخل مرحلة ما بعد النفوذ ، بل يعيش مرحلة تعدد مراكز النفوذ ؛ والمرحلة القادمة لن تكون لمن يملك القوة الغاشمة فقط ، بل لمن يملك القدرة على المرونة والتكيف وصياغة المستقبل بدلاً من انتظاره .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *