يبدو أن الحكومة واصحاب الكيانات السياسية والمسؤولين العراقيين لا يُشرفهم الدينار العراقي كعملة وطنية، حسبما نَرى ونَلمس من قرار تخفيض قيمة الدينار العراقي امام الدولار الامريكي. عليه، ندعو إدارة الدولة إلى إعادة النظر بهذا القرار المجحف، بينما هناك حلول عديدة يمكن اعتمادها لإصلاح الوضع المالي، وفي مقدمة تلك الحلول وقف الهدر الجاري للمال العام من خلال صرف الرواتب والامتيازات للمسؤولين وأصحاب الكتل وجيوش المستشارين، وإيقاف صرف المبالغ الخيالية تحت بند (المنافع الاجتماعية) التي تُصرف للرئاسات الثلاث وبقية المسؤولين، دعماً للمسؤول للحفاظ على الوجاهة، وكذلك إعادة النظر بالرواتب غير المنطقية التي تصرف لجماعة (رفحاء).
كما يجب تقليل عدد عناصر الحماية والسيارات الفارهة التي بحوزتهم، والأموال الطائلة التي تُصرف لإدامتها لا لشيء يستحق، سوى إشباع غرور المسؤول في تنقله وسط قافلة من السيارات والحمايات… فالشعب لا يريد ولا يحترم مسؤولاً يختبئ وسط قوافل الحمايات والسيارات المصفحة.
كما أنه من الضروري وقف المشاريع الوهمية المتعلقة بأرصفة الشوارع وغرس الأشجار التي تُترك دون سقاية حتى تذبل وتموت، لتُعاد الكرَة مراراً وتكراراً لنفس المقاولين، وهذا تجسيد فاضح يكشف السرقات العلنية للمال العام.
فطالما لا قيمة وطنية للعملة العراقية لدى المسؤول، عليهم الذهاب الى إلغاء عملة الدينار العراقي واعتماد الدولار الأمريكي كعملة وطنية، وعلى ضوء ذلك تُصرف رواتب الموظفين والعسكريين والمتقاعدين وغيرهم بالدولار الأمريكي، وليكون حلا لمشكلة التجار الذين يعتمدون الدولار في شراء البضائع، والتي تباع فيما بعد في الأسواق بالدينار العراقي، غلباً بعد احتساب قيمتها أمام الدولار، حتى وإن كانت مصاصة أطفال.
إن هذا الأمر الذي يُروج له منذ فترة لا يجسد إطلاقاً أن إدارة الدولة تهتم بوضع وأحوال البلاد ومعيشة العباد، وهذه مصيبة كبيرة ابتلي بها العراقيون. كما أن هذا الأمر يؤكد أنه لا توجد جهة معنية تدرس بشكل تفصيلي ودقيق حال المجتمع العراقي، وكيف ستكون آثار وقع تلك القرارات على المواطنين، وما ينجم عنها من أضرار نفسية وسلوكيات سلبية في المجتمع بشكل عام. الا وان كانت هناك برامج تهدف سراً الى هذه الشيء.
كما إن هكذا قرار يفسر بشكل قطعي أن هناك سوء استغلال ومتاجرة لحصد الأرباح والمكاسب من قبل أفراد في إدارة الدولة على حساب معاناة المواطنين. ولتأكيد صحة هذا الرأي، تم مؤخراً إطلاق منصة تحت عنوان (منصة العقاري)، والتي أضرت بشكل كبير وبليغ بمصالح المواطنين، في حين تم استثناء المجمعات السكنية، التي تعود اغلبها لمتنفذين في إدارة الدولة، كما يُشاع والله أعلم.
بالمقابل، لم نَرَ مسؤولا يبالي بالأضرار الناجمة عنها، رغم أن الأمر واجه اعتراضات وأحتجاجات كبيرة، والتي تم التنصل منها من قبل إدارة الدولة بحجة صدور ذلك القرار من غرفة تجارة بغداد، وهذا بحد ذاته يؤكد أيضاً مدى الاستهانة بعقلية ونضج المواطن ويمكن استغفاله بسهولة.
العجيب والغريب في الأمر، أننا لم نَرَ رد فعل من الجماعة التي تسمي نفسها (جماعة تشرين)، الذين عاثوا خراباً في العاصمة بغداد بسبب قرار (عادل عبد المهدي) الذي أراد التوجه إلى الصين لتحسين أحوال البلاد مقابل كمية محدودة من النفط. وبالتالي.. هذا يفسر الكثير من الأمور المخفية، ويكشف مدى التواطؤ الخبيث مع المستعمر وعدد من الدويلات الإقليمية ضد أبناء هذا البلد.
هذه هي الوطنية في هذا الزمن الأغبر، إذ أصبحت الوطنية فيها سلعة معروضة للبيع كغيرها من السلع، معروضة بالدولار الأمريكي أيضاً.

