الحسكة بين مسؤولية الدولة ومخاطر التحريض- محمد ديب أحمد

الحسكة بين مسؤولية الدولة ومخاطر التحريض
ما يجري في الحسكة لا يمكن اختزاله في مظاهرات تطالب بتوسيع سلطة الدولة أو بمطالب معيشية ، كما لا يجوز اختزال المشاركين فيها في اتجاه سياسي واحد .
المطالب المتعلقة بالأمن والخدمات وعودة المؤسسات مشروعة ، لكنها لا تمنح أحداً حق استهداف مكوّن آخر أو الاعتداء على رموزه ولغته أو إثارة النعرات القومية والطائفية .
هنا تبدأ أسئلة لا يجوز تجنبها :
 من يحمي التعايش ؟
 ومن يمنع التحريض ويحاسب المحرّضين ؟
وهل يكفي رفع أعلام سوريا إذا رافقتها شعارات وصور تستحضر أدبيات قمعية ؟
 حين تتحول المطالب إلى مادة للاحتقان
شهدت الحسكة خلال الأيام الأخيرة تحركات طالبت بتعزيز حضور مؤسسات الدولة السورية وتوسيع مسؤولياتها الأمنية والخدمية .
 هذه مطالب مشروعة تحتاج إليها المنطقة بعد سنوات الحرب والاضطراب .
لكن الخطورة تبدأ حين تُستغل هذه المطالب لتبرير ممارسات تستهدف هوية مكوّن أساسي من مكونات المدينة .
فقد أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان ، ووثقت وسائل إعلام وقنوات تلفزيونية ، تمزيق لافتة «ساحة السلام» المكتوبة بالعربية والكردية والسريانية في الحسكة ، كما رُفعت صورة الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين خلال مظاهرة في المدينة يوم 9 تشرين الأول .
تمزيق لوحة متعددة اللغات ورفع صورة ترتبط في الذاكرة الجمعية لكثير من الكرد بالقمع والأنفال ليسا تفصيلاً عابراً ،
 بل تصرفان يستدعيان التوثيق والمساءلة والحاسبة لما يحملانه من استفزاز للسلم الأهلي .
غض الطرف عن مثل هذه الأفعال يطرح أسئلة لا يجوز تجاهلها :
 ما الرسالة التي يريد أصحاب هذه الممارسات إيصالها ؟
وأي معنى لوحدة البلاد إذا ترافق التعبير عنها مع إهانة رموز التعدد القومي واللغوية ؟
لا يحق لأحد فرض طريقة واحدة للتعبير عن الانتماء الوطني ، أو استخدامه غطاءً للانتقاص من حقوق الآخرين وكرامتهم .
الإعلام ومسؤولية ما يُقال وما يُغيَّب
لا يمكن قراءة المشهد في الحسكة بمعزل عن الخطاب الإعلامي المصاحب له . الإعلام ليس مجرد نافذة تنقل ما يحدث ؛ إذ يستطيع ، من خلال اختيار ضيوفه وطريقة طرح الأسئلة وانتقاء التصريحات ، أن يفتح المجال أمام النقاش الوطني ، أو أن يسهم في تعميق الانقسام .
ومن حقنا ، بل من واجبنا، أن نسأل :
من يقف وراء إعداد مثل هذه البرامج واختيار هذه المجموعة من الضيوف ؟ ولماذا تحظى بعض الأصوات التي تتبنى خطاباً نشاذاً وإقصائياً بمساحات واسعة ومنابر مفتوحة ، بينما تُغيَّب الشخصيات الوطنية التي تدعو إلى حلول واقعية وتفاهمات سورية جامعة ؟
 بعض المنصات والبرامج الإعلامية لم تعد تمارس مجرد انحياز مهني ، بل تحولت إلى غرف عمليات لضخ السموم والشقاق وإثارة النعرات القومية .
 وأرى أن استضافة الأصوات الإقصائية والمحرّضة ، واستبعاد القامات الوطنية والعقلانية ، يُعدّان اشتراكاً في تأجيج الفتنة ، ويجب أن يواجَها بمساءلة شعبية وقانونية صارمة ، لا ببيانات لا يُغْنِي ولا يُسْمِن من جُوع  .
ولا ينبغي أن نغفل أن استضافة شخصية  كردية لا تجعلها تلقائياً ممثلة للكرد ، كما أن استضافة شخصية عربية لا تجعلها ممثلة للعرب .
المعيار هو مضمون الخطاب وموقف صاحبه من حقوق المواطنين والتعايش ،
لا هويته القومية أو الجهة التي ينتسب إليها .
مسؤولية دمشق ليست موضع مساومة
قد تختلف الآراء بشأن الإدارة المحلية ودمج المؤسسات والقوى الأمنية وتوزيع الصلاحيات بين المركز والمحافظات ؛
 وهي قضايا تحتاج إلى تفاوض ، لا إلى التخوين والتعبئة القومية والطائفية .
لكن حماية المواطنين ، وصون حقوقهم القومية واللغوية والثقافية ، ومنع التمييز ، وتطبيق القانون ، أمور لا ينبغي أن تكون موضع خلاف أو مساومة .
 الدولة مسؤولة عن حماية المواطنين والتحقيق في التجاوزات ومحاسبة مرتكبيها ، ووقوف أجهزتها موقف المتفرج يضرب مفهوم الدولة في الصميم .
لا يمكن لدمشق أن تطالب ببسط السلطة وتفعيل المؤسسات بينما يُترك المحرّضون والمعتدون ليتحكموا بالشارع ويصادروا التنوع .
فالدولة التي لا تحمي كرامة مواطنيها ولغتهم ورموزهم تفرغ مفهوم المواطنة من معناه .
من هنا ، فإن دمشق مطالبة بتوضيح موقفها من هذه التجاوزات ، وضمان ألا يتحول الخلاف حول ترتيبات الحكم والإدارة إلى نزاع بين العرب والكرد وسائر مكونات المنطقة .
والوحدة الوطنية تُختبر بقدرة الدولة على حماية المختلفين تحت سقف قانون واحد .
لا تطلبوا من الشارع أن يصمت إلى ما لا نهاية
من الخطأ الاعتقاد بأن الاحتقان يُحتوى بمجرد مطالبة المتضررين بضبط النفس ؛ فالصبر لا يعني تحمّل الإهانات بلا محاسبة .
مطالبة الكرد أو أي مكوّن آخر بضبط النفس من دون معالجة الإهانات والتحريض استهانة بكرامة الناس واستغلال لحرصهم على الاستقرار .
للصبر حدود ، واستمرار استهداف الرموز الكردية والتغاضي عن الخطاب الإقصائي  يفاقمان التوتر وسيهددان السلم الأهلي .
لا يبرر الغضب الاعتداء على الآخرين ؛ فضبط النفس واجب على الجميع ، ومعالجة أسباب الاحتقان واجب عاجل .
 من يضع الحطب على النار لا يحق له أن يتظاهر بالدهشة حين ترتفع ألسنتها ؛
ومن يترك أسباب الاحتقان تتراكم يتحمل مسؤولية سياسية عن المخاطر التي كان يستطيع الحد منها .
القانون هو العصا الغليظة
بعد أكثر من خمسة عشر عاماً من الحرب ، تحتاج سوريا إلى كل جهد لاستعادة الاستقرار وبناء المؤسسات .
ولا يجوز تبديد هذه الفرصة بخطاب عنصري مريض أو أجندات خارجية   تستثْمَر لضرب الأمن والإستقرار .
مواجهة هذه المخاطر لا تكون بتحريض مضاد أو بترك الشارع يواجه الشارع ،
بل بتحقيقات جدية ومحاسبة عادلة حازمة وإعلام مسؤول وحوار لا يساوم على الحقوق .
لقد شبع السوريون من الانفلات والزعرنة والهمجية ، والعصا الغليظة التي تحتاج إليها سوريا اليوم هي عصا القانون .
وحين يطال القانون الصغير والكبير ، والضعيف والقوي ، والفقير والغني ، والكردي والعربي والسرياني ، والعلوي والدرزي ، والمسلم والمسيحي ، من دون استثناء أو تمييز ، نعرف أن الدولة قد قامت وأن القانون هو الفيصل .
الحسكة أمام اختبار :
 هل تتحول الخلافات إلى فرصة لشراكة وطنية عادلة ، أم إلى مدخل لانقسام جديد ؟
ليس المطلوب أن يتشابه السوريون ، بل أن يتساووا في الحقوق والكرامة ، وألا تكون هوية أحدهم تهديداً للآخر أو سبباً للتمييز .
من يريد بناء سوريا لا يضع الحطب على نار الاحتقان ، ومن يريد وحدتها لا يحوّل تعددها إلى تهمة .
مسؤولية الدولة تبدأ حين يكون القانون فوق الجميع ، ويبقى باب التعايش مفتوحاً قبل أن تدفع البلاد ثمناً من دم أبنائها .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *