خمسة وعشرون عاماً، بكل ما تضخه الأيام في عروق الزمن من ثقلٍ وبطء، لم تكن كافية لتمحو من عقل “مهند” تلك اللحظة. لقد مرّ العمر كطيفٍ سريع، وصنع لنفسه حياةً ظاهِرياً ناجحة، غير أن تلك الحادثة ظلت غصةً لا تنام، تُقيم في أعمق زوايا الروح, كجرحٍ قديم لا يلتئم، يكتفي بالهدوء كلما غفَت العواصف، ليثور فجأة بلا توقع.
في ذلك المساء، جلس مهند كعادته وحيداً في “كافيه بغداد”، يرتشف قهوته السوداء التي تشبه مرارة أيامه. امتدت أصابعه المرتجفة نحو هاتفه لتتجاوز شاشته وتتلمس صوراً قديمة التقطتها عدسة الزمن الغابر؛ هناك، على ضفاف الجامعة، برزت صورتها وكأنها تنبت من بين رماد السنوات. “فاتن”.. تلك الفتاة ذات البشرة الخمرية، والشعر الأسود الذي كان يداعب الريح كأنه طائرٌ بري، وعينين ساحرتين تحملان أسرار المشرق كله. في ذلك الزمن الذي سبقت فيه قلوبُ الناس هواتفهم، ولم تكن بين العشاق حواجز “الواي فاي” ولا شاشات التلصص، كانا يرتعان معاً في رحاب السنة الأولى، يخططان لغدٍ مزهرٍ لا تشوبه شائبة، يحيط بهما حسد الأصدقاء على صدق ارتباطهما ووعدهما الذي بدا أقسى من الصخور.
لكن المفاجأة نزلت كالصاعقة؛ اختفت فجأة. انقطعت عن الجامعة بلا إشعار ولا وداع. مرّ أسبوعٌ كامل وأيام الجمر تحرق أعصابه، يسأل صديقاتها وكأنما يفتش عن إبرة في كومة قش، فلا يجد سوى وجوه شاحبة لا تملك جواباً.
وفي خميسٍ مشؤوم، عصف به القلق فدفع خطاه نحو منطقة سكنها، باحثاً عن طمأنينة تعيد له روحه. خرج من الكلية وقصد بغداد الجديدة، قرب جبار أبو الشرب، عند أول دربونة حفظ وصفها جيداً من كلماتها: “البيت الأبيض الوحيد في الدربونة على اليمين” .
حين وطئت قدمه الدربونة، وجدها تغلي بالبشر، تعج بالزغاريد والمحتفلين وكأنها مدينة تعيد اكتشاف الفرح. سأل طفلاً صادفه بتعثر: “أين بيت أبو كرم يا بني؟”. أشار الطفل بابتسامة بريئة: “هذا هو يا أستاذ، اليوم زواج ابنته فاتن!” .
هوى العالم بأسره من فوق كتفيه. اهتز كيانه وكأن زلزالاً ضرب أساسات روحه، كاد يسقط على الأرض لولا أن شاباً يرتدي بدلة رسمية زرقاء أمسك بكتفه بقوة، سائلاً بصوتٍ قلق: “أخي، هل أنت مريض؟“.
فتح مهند فاهه ليقول “لا”.. لكن الحروف اختنقت في حلقه، وتسمّر مكانه حين أقبل الشباب يباركون لصاحب البدلة الزرقاء الذي تبيّن أنه العريس.
في خضمّ الذهول، أمسك به العريس ليجلسه على كرسيٍّ قريب، وطلب له كجزء من واجب الضيافة قدح ماء، ثم اعتذر منه ليدخل مسرعاً إلى بيت العروس وسط هلاهل النساء وصفقاتهن. وبعد لحظات، خرج العريس ويده بيدها.. كانت “فاتن”. كانت حزينة، صامتة، كأنها تمشي إلى الموت المتقن. تسمّر مهند يتطلع إليها بخلطة عجيبة من الدهشة والذهول والخذلان؛ هل خانته؟ هل كان كل ما بينهما كذبة عابرة تتسلى بها؟ لكن.. لماذا هذا الحزن المهول في عينيها؟ وبينما هي تمرّ بقربه، التقت عيناها بعينيه، فدمعت عيناها بدمعةٍ حارةٍ فاضت بكل الحقيقة: لقد أدرك في تلك اللحظة أن الأمر لم يكن خيارها، بل كان قسوة القدر وقرار العائلة..
علت أصوات الشباب من حوله بهتافات تقليدية كالمطارق: “ابن العم لبنت العم”.. وسط رقصات ودبكات تشبه طقوس الجنائز. انتبهت أم العروس لتلك اللحظة، فأسرعت بدفع ابنتها نحو “سيارة الزفة”، بينما كان العريس يمسك بيدها بقوة، غير معيرٍ اهتماماً لدموعها التي كانت تحكي قصة حب مقتولة على عتبات الأعراف.
أيقظه من لجج الذاكرة رنّات هاتفه المتلاحقة؛ كانت زوجته على الطرف الآخر تذكره بأن يشتري السمك في طريقه، فأهلها معزومون على العشاء اليوم. دفع ثمن قهوته ونهض حزينا كفارس خسر معركة يجر اذيال الخيبةً، يحاول ان يسحب أقدامه نحو الشارع العام المزدحم في بغداد بحثاً عن سيارة أجرة تقله... نظر إلى يده الخاوية، وأدرك بمرارة متأخرة أن العمر.. مثل قطارٍ لا يُجيد الرجوع إلى الوراء أبداً.

