لا تحتاج شجاعة إنسان إلى باب يعجز عن حمله عشرات الرجال كي تصبح جديرة بالتقدير. ولا تصبح الشخصية التاريخية أعظم كلما نُسب إليها فعل يتجاوز حدود القدرة البشرية. لكن بعض أدبيات المناقب لا تكتفي ببطولة أصحابها؛ إنها ترفعهم فوق شروط الإنسان، ثم تطلب من المتلقي أن يتعامل مع الأخبار المنقولة عنهم بوصفها حقائق، وأن يرى في التشكيك بها نقصًا في الإيمان أو المحبة. هنا تستحق رواية باب خيبر المناقشة، بسبب ما تكشفه طريقة الدفاع عنها من علاقة مضطربة بين التعظيم الديني والتفكير النقدي.
تُقدَّم الرواية في صورتها الشائعة باعتبارها مشهدًا خارقًا: علي بن أبي طالب يقتلع باب حصن، ويتخذه ترسًا يقاتل به، ثم يعجز عدد كبير من الرجال عن تحريكه. وتتداخل في سردها بطولة المحارب وكرامة الولي والدليل على استحقاق الإمامة، حتى تبدو مساءلة تفاصيل الحكاية عند بعض المدافعين عنها كأنها اعتداء على مكانة علي نفسه. وهذا خلط ينبغي تفكيكه؛ فالشخصية التاريخية ليست مسؤولة عن كل ما أضافته إليها ذاكرة الأتباع، ومحبة إنسان لا تثبت صحة الأخبار المنسوبة إليه.
من أقدم صيغ الخبر التي يمكن توثيقها رواية ابن إسحاق المحفوظة في سيرة ابن هشام. وفيها أن عليًا فقد ترسه أثناء القتال، فأخذ بابًا كان عند الحصن واستعمله للحماية، ثم ألقاه بعد الفتح. وينسب الخبر إلى أبي رافع القول إن ثمانية رجال حاولوا تقليبه فلم يستطيعوا. لا تحدد هذه الصيغة وزن الباب أو أبعاده أو مادته، ولا تصف صراحة انتزاعه من مفصلات عميقة في جدار. وفي إسنادها واسطة غير مسمّاة، ترد بعبارة «عن بعض أهله».
وجود الخبر في السيرة لا يعفيه من الفحص. وقد وصف ابن كثير طريق هذه الرواية بأن فيه جهالة وانقطاعًا ظاهرًا. وتوجد صيغ أخرى تتحدث عن أربعين أو سبعين رجلًا، وعن استخدام الباب ليصعد عليه المسلمون. هذه الاختلافات تستدعي المقارنة والتحقيق، ولا تبرر جمع التفاصيل الأكثر إثارة في مشهد واحد ثم تقديمه بوصفه حقيقة متفقًا عليها.
ومن الخطأ أيضًا تحويل تكرار الخبر إلى برهان عليه. فقد تتعدد الكتب ويبقى أصل النقل واحدًا؛ فالطبري، في أحد طرقه، يروي خبر الباب عن ابن إسحاق. وهكذا قد يواجه القارئ أسماء مؤلفين كثيرة، فيتصور أنه أمام شهادات مستقلة، بينما هو أمام إعادة نقل للرواية نفسها.
وامتدت الحكاية إلى كتب غربية، لكن انتقالها إلى تلك الكتب لا يمنحها شاهدًا جديدًا. تناولها إدوارد جيبون في «تاريخ انحطاط الإمبراطورية الرومانية وسقوطها»، وتعامل مع اقتلاع الباب واستخدامه درعًا باعتباره مبالغة قصصية. وعند إحالته إلى خبر أبي رافع، المنقول عن أبي الفداء، تساءل عمن يضمن شهادة الراوي نفسه. وأورد واشنطن إرفنغ القصة أيضًا في «محمد وخلفاؤه». كلاهما كاتب متأخر ينقل مادة تراثية، وليس شاهدًا على الواقعة أو مكتشفًا لدليل مادي عليها.
لكن المشكلة الأشد تظهر حين يحاول كاتب معاصر منح الرواية شهادة من الفيزياء. ففي مقال الشيخ حسين التميمي «الإمام علي وقالع باب خيبر: دراسة علمية في ضوء القوة المادية والتسديد الإلهي»، تُطرح أبعاد وأوزان مفترضة للباب، ثم تُستخدم للوصول إلى أن الفعل تجاوز القدرة البشرية المعتادة وأنه دليل على التسديد الإلهي. والمقال منشور في موقع قسم الشؤون الدينية بالعتبة العلوية، ومنسوب إلى مركز الدراسات والمراجعة العلمية بالعتبة العباسية.
يعترف الكاتب بأن المصادر لا تذكر أبعاد الباب بدقة، ثم يقترح له ارتفاعًا قدره ثلاثة أمتار، وعرضًا متران، وسمكًا بين عشرة وخمسة عشر سنتيمترًا، ويضع له كتلة بين 250 و400 كيلوغرام أو أكثر. لا يقدم دليلًا يثبت أن الباب التاريخي امتلك هذه المواصفات. وهنا تبدأ المشكلة: باب مجهول يتحول إلى نموذج مفترض، ثم تتحول نتائج الافتراض إلى أوصاف مؤكدة، ثم تُستخدم الأوصاف لإثبات المعجزة. إن إضافة وحدات القياس إلى الحكاية لا تعوّض غياب المعلومات عنها.
ويقول المقال إن قوة الاقتلاع قد تعادل أضعاف وزن الباب، ثم يذكر مقدارًا بين ألف وألف ومئتي نيوتن. لكن قوة وزن جسم كتلته 250 كيلوغرامًا تبلغ نحو 2450 نيوتن، وتصل عند 400 كيلوغرام إلى نحو 3920 نيوتن. فالرقم المذكور أقل من قوة الوزن المفترضة، وليس أضعافها. ومع أن الاقتلاع والرفع عمليتان مختلفتان، فإن حساب الاقتلاع يحتاج إلى معرفة التثبيت واتجاه القوة وذراع العزم ومقاومة المواد، وهي معلومات لا يوفرها المقال.
والأبعد عن المنهج العلمي أن تصبح صعوبة الفعل المفترض دليلًا على سببه الإلهي. فإذا كانت مواصفات الباب مجهولة، وكيفية الحركة غير محسومة، وصحة الخبر نفسها موضع بحث، فكيف تنتج هذه المجهولات نتيجة يقينية؟ ومن حق الكاتب أن يؤمن بالكرامة، لكن إيمانه لا يتحول إلى برهان فيزيائي بمجرد الاستعانة بكلمات مثل القوة والطاقة والعزم والأدرينالين.
ما نفع هذه الروايات إذن؟ يمكن أن تمنح المؤمن شعورًا بالفخر والانتماء، وأن تقدم له صورة رمزية للشجاعة والثبات. ويمكن قراءتها بوصفها جزءًا من المخيال الديني والأدب البطولي، كما تُقرأ حكايات الأبطال في ثقافات متعددة. وهذه وظائف مفهومة، لكنها لا تثبت وقوع تفاصيل الحكاية، ولا تجعل منها معرفة بالطبيعة أو التاريخ.
ويبدأ الضرر المعرفي حين يُطلب من المتلقي قبول الرواية حرفيًا، ثم يُدان سؤاله عنها. فالمشكلة ليست في وجود حكاية بطولية، بل في تدريب القارئ على أن منزلة الشخصية تغني عن الدليل، وأن شهرة الخبر تعوض ضعف توثيقه، وأن القول المنسوب إلى القدماء ينبغي أن يحكم نتائج البحث قبل أن يبدأ. وإذا تكرر هذا الأسلوب، فقد يعزز عادات فكرية تجعل التسليم فضيلة والاعتراض تهمة.
ولا يوجد عقل إسلامي واحد يمكن اختزاله في هذا النمط؛ ففي التراث نفسه نقد للأخبار واختلاف حولها. لكن نمط التفكير الذي نناقشه حاضر كلما مُنحت الرواية حصانة بسبب قداسة صاحبها، وكلما استُخدم العلم لتبرير نتيجة مقررة سلفًا. والخطر أن تمتد هذه العادة إلى خارج القصص الدينية: قبول الادعاء لهيبة قائله، والخلط بين الثقة بالشخص وصحة كلامه، والبحث عن تأييد للمعتقد بدل اختباره.
وتصبح الرواية أكثر إشكالًا عندما تُستخدم لإثبات التفوق المذهبي. فبدل مناقشة قيمة العدل أو ممارسة الحكم أو مسؤولية السلطة، يتحول النقاش إلى منافسة في الخوارق: من امتلك القوة الأكبر؟ ومن مُنح قدرة لم تُمنح لغيره؟ ثم يُطلب من هذه الأخبار أن تحسم مسائل الإمامة والشرعية. غير أن الانتقال من بطولة عسكرية إلى حق دائم في السلطة يحتاج إلى حجة مستقلة؛ لا يكفي أن تُروى الواقعة داخل سياق يمجّد صاحبها.
كما أن تصوير الشخصية بقوة يستحيل على البشر بلوغها قد يضعف قيمتها بوصفها قدوة عملية. فالإنسان يستطيع الاقتداء بالشجاعة والعدل وضبط النفس، لكنه لا يستطيع الاقتداء بقدرة فوق بشرية. وكلما تركز التعظيم على الخوارق، تراجع السؤال عما يمكن للناس تعلمه وتطبيقه في حياتهم. ماذا تضيف قصة حمل باب هائل إلى فهمنا للعدالة أو بناء المجتمع، إذا انتهى تلقيها عند الإعجاب والولاء؟
لا يصح تحميل هذه الروايات وحدها مسؤولية أزمات المجتمعات الإسلامية؛ فتلك أزمات تاريخية وسياسية وتعليمية معقدة. لكن من المشروع مساءلة الخطاب الذي يستهلك جهدًا في إثبات الخارق، ثم يتعامل مع النقد بوصفه خصومة للدين. ومن المشروع أيضًا سؤال المؤسسات التي تتبنى صفة البحث العلمي عن معاييرها: هل تبدأ من الأدلة وتقبل ما تقود إليه، أم تبدأ من العقيدة وتبحث عن أرقام تزينها؟
قد تؤثر رواية باب خيبر في وجدان المؤمن، وقد تبقى حكاية محببة في ذاكرته. لكن التأثير الوجداني لا يمنحها إعفاءً من النقد التاريخي، ولا يبيح إلباسها ثوب العلم بافتراضات غير موثقة. واحترام علي بن أبي طالب لا يفرض علينا تصديق كل ما قيل فيه؛ بل يمكن أن يبدأ بإبقاء الفرق واضحًا بين الإنسان التاريخي والصورة التي صاغها المعجبون به.
السؤال الذي يستحق البقاء مفتوحًا هو: هل نريد من هذه الروايات أن تكون مادة للفهم والنقد، أم امتحانًا للطاعة؟ فإذا كان تعظيم الشخصية لا يستقيم إلا بمنع السؤال وتجاوز قواعد الاستدلال، فإن ما يحتاج إلى المراجعة هو هذا التعظيم نفسه. فمكانة علي لا تثبت بتعطيل العقل، وقيمة أي تراث تظهر أيضًا في قدرته على تحمّل الأسئلة.

