قادة الأحزاب يُعطّلون تحرير كوردستان، وكلٌّ يتّهم الآخر – د. محمود عباس

 

 

على امتداد قرون، تغيّرت رايات الخلاف الكوردي، وبقيت كوردستان تدفع الثمن، زعامات تتنازع القرار، وقوة تُستنزف في الداخل، وأعداء يستثمرون الانقسام. من القبيلة والإمارة إلى المذهب والولاء للإمبراطوريات، ثم إلى الحزب والإيديولوجيا، تبدّلت أدوات الصراع وبقي منطق احتكار السلطة.

يا قادة الأحزاب، حين تجعلون هزيمة شريككم أولويةً على انتزاع حقوق شعبكم، فأنتم تُعطّلون التحرّر، مهما بالغتم في رفع شعاراته. وكلّما طُرحت مسؤوليتكم، أشار كلٌّ منكم إلى الآخر؛ كأنّ خطأ الخصم يمحو خطأه، وكأنّ كوردستان تستطيع الانتظار حتى تنتهوا من تبرئة أنفسكم!

في المرحلة القبلية والإماراتية، دار التنافس على الأرض والمراعي والجباية ومكانة الزعامة. امتلكت الجماعات قدرة على حماية مجالاتها، لكنها لم تجمع تلك القدرات في قرار كوردستاني يحمي الجميع. وحين صار الأمير يرى في جاره الكوردي منافسًا على سلطته، أمكن للقوة الخارجية أن تدخل من باب التحالف معه ضدّ شريكه في الأرض والمصير.

ثم تداخل المذهب مع الصراع السياسي، واتّسعت الخلافات داخل التنافس العثماني الصفوي. أصبح النزاع المحلي جزءًا من معادلة إمبراطورية، يستقوي طرف بهذه الدولة، ويردّ الآخر بالاحتماء بمنافستها. انتقل الخلاف من حدود الزعامة إلى حدود الإمبراطورية، لكنّ الثمن بقي كورديًا، انقسام الأرض، واستنزاف السكان، وربط القرار بمصالح الخارج.

ومع قيام الدول الحديثة، تبدّلت أدوات الاستقطاب. دخلت أجهزة الأمن والحدود والوظائف والامتيازات في صناعة الولاءات. تعلّمت السلطات كيف تكافئ المتعاون، وتعزل المعارض، وتستثمر تنافس الجماعات. صار بإمكانها تقوية طرف، وتخويف آخر، وتحويل حاجتهما إلى الحماية إلى وسيلة للتحكم بهما. وهكذا انتقلت بعض الخصومات الداخلية إلى اصطفافات تخدم الدول التي تتقاسم كوردستان.

جاءت الأحزاب بوعد تجاوز القبيلة والمذهب وبناء وعي قومي حديث. لكنّ قسمًا منها نقل العصبية القديمة إلى التنظيم، حلّ القائد محلّ الزعيم، وصارت الطاعة الحزبية معيارًا للوطنية. رُفعت شعارات الاشتراكية والقومية والمحافظة والإسلام السياسي، ثم اختُزلت أحيانًا إلى أدوات لتصنيف الكوردي الآخر وإقصائه. تغيّرت لغة الخصومة، وبقي احتكار التمثيل والسلطة غايتها.

وفي المرحلة الإيديولوجية الراهنة، اتّسع الخلاف إلى معنى التحرّر نفسه، الدولة القومية، والفيدرالية، والحكم الذاتي، والكونفدرالية الديمقراطية. هذه خيارات تستحق النقاش، لكنّ تحويلها إلى شروط للاعتراف بوطنية الآخر يجعل الشعب رهينة للمشروع الحزبي. يصبح المطلوب أن ينتصر التنظيم أولًا، وأن تنتظر كوردستان إلى أن يُهزم منافسوه؛ فتُصرف الطاقات على إسقاط الشريك أكثر مما تُصرف على انتزاع الحقوق.

هنا تظهر ضحالة وعي بعض قادة الأحزاب، يخلطون بين الحنكة في المناورة الحزبية والقدرة على بناء سياسة قومية. يعرفون كيف يُضعفون منافسًا، ويحتكرون قرارًا، ويحرّكون جمهورًا؛ لكنهم يعجزون عن تحويل هذه القدرة إلى قوة تحمي كوردستان. إتقان الخديعة الحزبية لا يصنع رجل دولة، ونشر العداء لإثبات الزعامة يكشف فقرها السياسي. والمؤلم أن شريحة من الأتباع تنساق وراءهم، معتقدةً أنها تدافع عن كوردستان، بينما تستنزف قوتها في الطعن بالكورد الآخرين. يتحوّل الولاء الأعمى إلى خدمة لأعداء كوردستان، يُنجز لهم الأتباع ما يريدونه، ثم يسمّونه نضالًا قوميًّا.

وحين تتحوّل الخصومة إلى اقتتال، أو قمع سياسي، أو استدعاء دعم خارجي ضدّ طرف كوردي، تتكرر المعادلة القديمة بأدوات جديدة. ما كان صراعًا بين إمارتين يصير صراعًا بين حزبين؛ وما كان حمايةً من سلطان يصبح ارتباطًا بدولة أو جهاز أمني. يتقدّم التنظيم داخل كوردستان، بينما تتراجع قدرة كوردستان على مواجهة مَن يتحكّم بها.

وسيعترض بعضهم بأنّ مواجهة الخارج تستوجب «تنقية الداخل» أولًا. لكنّ التنقية التي تعني إلغاء المنافس تؤجّل التحرّر إلى ما لا نهاية؛ فالخارج يغذّي الخلافات باستمرار، ويمنح كلّ طرف حجة لاستكمال حربه الداخلية. نقد القمع والفساد والارتهان ضرورة، أما تحويل النقد إلى تجريد الشريك من حقّه في العمل والوجود، فيعيد إنتاج الاستبداد الذي نزعم محاربته. ولا يصبح التخوين وعيًا قوميًّا لمجرد صدوره عن كوردي.

الخروج من هذا المسار يحتاج إلى قرار ملزم، منع الاقتتال والاستقواء بالقوى المعادية للحقوق الكوردية، وضمان التعدد السياسي والمذهبي واللغوي، وإخضاع السلاح والمال للمساءلة، وبناء مؤسسات مشتركة تحمي الناس وتدير الخلاف. لا تُشترط وحدة العقيدة لتوحيد المصلحة؛ المطلوب أن تتنافس الأحزاب على خدمة كوردستان، وأن تفقد حقّ تعطيلها لحماية نفوذها. ويُقاس التزامها بما تبنيه من قدرة وحقوق ومؤسسات، لا بما ترفعه من شعارات.

كوردستان غالية، لكنّ الوعي الذي يضع الحزب أو المذهب أو الزعامة فوقها أعجز من حمل مسؤولية تحريرها. لن نبلغ الهدف بقوة منهكة وأدوات معطّلة؛ ولن يصبح التحرّر مشروعًا عمليًا ما دام كلّ طرف يريد كوردستان على مقاس سلطته، ويقبل خسارتها حين لا تكون له وحده.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

13/10/2026 م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *