باب خيبر بين النقد الحديثي والحكم التاريخي: قراءة في مقال الدكتور مالك الجبوري- بقلم: صبيح الكعبي

أثار مقال الدكتور مالك الجبوري، المنشور في صحيفة «صوت كوردستان» بتاريخ 18 أكتوبر 2026، تحت عنوان «علي بن أبي طالب وباب خيبر: صناعة الخرافة باسم البطولة»، نقاشًا يتجاوز حدود رواية تاريخية بعينها، ليمسّ منهج التعامل مع التراث الإسلامي، والتمييز بين الرواية التي تحتاج إلى تحقيق، والحكاية التي يُحكم عليها بالاختلاق، والواقعة التي يصعب القطع بتفاصيلها في ضوء ما وصل إلينا من مصادر.

ومن حيث المبدأ، فإن إخضاع الروايات التاريخية للنقد والتمحيص أمر ضروري، ولا ينبغي أن تتحول مكانة الشخصيات التاريخية أو الدينية إلى حاجز يمنع السؤال والتحقيق. غير أن المنهج النقدي لا يكتمل بمجرد التشكيك في رواية، بل يحتاج أيضًا إلى أدلة متماسكة، وموازنة بين المصادر، وتحديد دقيق لما تثبته الأدلة وما لا تثبته. ومن هنا، فإن مناقشة مقال الجبوري لا تستلزم التسليم بكل ما ورد في رواية باب خيبر، كما لا تقتضي قبول الحكم عليها بأنها خرافة لمجرد وجود اختلافات في نقلها.

تتمثل إحدى النقاط الأساسية في هذا الموضوع في أسانيد الرواية. فقد نقلت بعض المصادر خبر اتخاذ الإمام علي بن أبي طالب باب الحصن ترسًا يوم خيبر، ثم استخدامه بعد ذلك في سياق المعركة. إلا أن الروايات الواردة في هذا الباب ليست على درجة واحدة من القوة، وقد أشار ابن كثير، عند مناقشته أحد طرق الخبر، إلى وجود جهالة وانقطاع في إسناده. وهذه ملاحظة حديثية مهمة لا يصح تجاهلها، لكنها لا تعني، من الناحية المنهجية، أن كل ما ورد بشأن الواقعة قد ثبت اختلاقه عمدًا؛ فضعف الإسناد يعني أن الطريق المعين لا ينهض وحده لإثبات الخبر وفق شروط القبول، أما إثبات الوضع أو التعمد في الاختلاق فيحتاج إلى دليل آخر يناسب هذا الحكم.

وتزداد الحاجة إلى الدقة عندما ننظر إلى اختلاف الروايات في عدد الرجال الذين عجزوا عن تحريك الباب أو قلبه بعد انتهاء المعركة. فقد وردت أعداد مختلفة في بعض المصادر، منها ما يتحدث عن سبعة رجال، ومنها ما يذكر أربعين أو سبعين. وهذا الاختلاف يفتح باب التساؤل حول دقة النقل، ويستوجب فحص أسانيد كل رواية ومتونها ومصادرها، بدل جمع الأرقام المختلفة في صورة واحدة ثم التعامل معها وكأنها قياسات ثابتة لواقعة موثقة من جميع جوانبها. فالاختلاف قد يضعف الثقة ببعض التفاصيل، لكنه لا يمنحنا تلقائيًا حق الجزم بتفسير واحد له، ما لم تسنده قرائن إضافية.

أما الحسابات الفيزيائية المتعلقة بوزن الباب وأبعاده والقوة اللازمة لرفعه أو تحريكه، فهي تبدو للوهلة الأولى مدخلًا علميًا مفيدًا، لكنها لا تصبح دليلًا حاسمًا إلا إذا استندت إلى معطيات موثقة. فهل نعرف على وجه الدقة مادة الباب وأبعاده وسماكته؟ وهل نملك وصفًا تاريخيًا موثوقًا لطريقة تثبيته، أو مقدار ما انفصل منه عند نزعه، أو كيفية استخدامه في تلك الظروف؟ إن غياب هذه البيانات يجعل أي حساب قائم على أوزان وأبعاد مفترضة تقديرًا نظريًا، لا اختبارًا تاريخيًا نهائيًا. ويمكن لهذه الحسابات أن تطرح أسئلة مشروعة، لكنها لا تحسم الواقعة ما لم تتوافر معلومات موثوقة يمكن البناء عليها.

ولا بد، في هذا السياق، من التمييز بين قصة الباب وبين فضائل الإمام علي الثابتة في مصادر الحديث. فقد ورد في صحيح مسلم خبر إعطاء النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، الراية لعلي يوم خيبر، وبشارة النبي له بالفتح على يديه. وهذا الخبر مستقل عن رواية الباب، فلا يصح اتخاذ ضعف إحدى الروايات طريقًا إلى التشكيك في كل ما ثبت من فضائل الإمام علي، كما لا يصح الاستناد إلى مكانته لإثبات تفاصيل رواية لم تثبت أسانيدها. فلكل خبر دليله، ولكل حكم حدوده، والإنصاف يقتضي ألا نجعل ثبوت واقعة دليلًا على صحة جميع الروايات المرتبطة بها، ولا نجعل ضعف رواية سببًا لإسقاط وقائع أخرى ثابتة بدليل مستقل.

كذلك فإن الاستشهاد بكتابات مؤرخين غربيين، مثل إدوارد جيبون وواشنطن إرفنغ، لا يغني عن العودة إلى النصوص الأصلية والتحقق من سياقها. فمكانة المؤرخ أو شهرته لا تجعل كل ما ينقله حجة نهائية، كما أن اتفاق بعض الكتاب أو اختلافهم لا يحسم المسألة وحده. والمطلوب هو تحديد النص الذي استند إليه كل منهم، ومعرفة ما إذا كان يتحدث عن الواقعة نفسها، وما طبيعة المصادر التي اعتمد عليها. ومن دون هذه الخطوات، قد يتحول الاستشهاد بالأسماء المعروفة إلى وسيلة لإضفاء القوة على الرأي، بدل أن يكون دليلًا يمكن للقارئ فحصه ومراجعته.

ومن المسائل التي تستحق التوقف عندها أيضًا انتقال النقد من رواية تاريخية محددة إلى أحكام عامة على المجتمعات الإسلامية وطريقة تفكيرها. فمن المشروع نقد تقديس الروايات أو قبول الأخبار دون تمحيص، لكن تعميم هذه الظاهرة على مجتمعات كاملة يحتاج إلى شواهد ودراسات أوسع من مجرد اختلاف الناس حول خبر تاريخي. فالتفكير النقدي لا يتحقق برفض الموروث جملة، مثلما لا يتحقق بقبوله دون سؤال؛ بل يقوم على قراءة المصادر، وتمييز درجاتها، ومقارنة الأدلة، والاستعداد لمراجعة الأحكام حين تظهر معطيات جديدة.

إن قيمة البحث التاريخي لا تكمن في الدفاع عن رواية لمجرد ارتباطها بشخصية محبوبة، ولا في نفيها لمجرد أنها تبدو مستبعدة أو مخالفة للتصور الشخصي. فالباحث المنصف لا يبدأ بحكم ثم يبحث عما يؤيده، بل يبدأ بالسؤال، ويفحص الأدلة، ويفصل بين ما ثبت وما ترجح وما بقي موضع خلاف. وإذا كانت الروايات المتداولة بشأن باب خيبر تحتاج إلى مزيد من التحقيق في أسانيدها وتفاصيلها، فإن الأمانة العلمية تقتضي التصريح بذلك بوضوح، من دون أن نستبدل اليقين غير المبرر بيقين معاكس لا يقل عنه افتقارًا إلى الدليل.

وفي الختام، فإن الدفاع عن الحقيقة لا يكون بالمبالغة في تمجيد الشخصيات، ولا بالتسرع في وصف الروايات بالخرافة، وإنما بإقامة الحكم على الدليل، والتمييز بين النقد العلمي والموقف المسبق. وتبقى مكانة الإمام علي بن أبي طالب، وفضائله الثابتة، موضوعًا يُبحث بأدلته الخاصة، كما تبقى رواية باب خيبر موضوعًا يحتاج إلى فحص مستقل لا تحسمه العاطفة ولا الافتراضات وحدها. وبين هذين المسارين تتجلى مسؤولية الكاتب: أن يطرح السؤال بشجاعة، ويناقش الرأي بإنصاف، وألا ينسب إلى التاريخ أكثر مما تسمح به مصادره.

المصادر والمراجع

1.   ابن كثير، إسماعيل بن عمر. البداية والنهاية، خبر فتح خيبر وروايات باب الحصن. تُراجع إحالة الجزء والصفحة بحسب الطبعة المعتمدة؛ وقد نُقل عنه تضعيف أحد طرق الخبر لوجود جهالة وانقطاع.

2.   البيهقي، أحمد بن الحسين. دلائل النبوة، 4/212 في إحدى الطبعات المتداولة، ضمن أخبار خيبر والروايات المتعلقة بالباب. ينبغي مقابلة النص والصفحة على الطبعة المستخدمة قبل النشر.

3.   ابن أبي شيبة، عبد الله بن محمد. المصنف، الرواية المنقولة في بعض الطبعات برقم 32802؛ يختلف الترقيم باختلاف الطبعات.

4.   مسلم بن الحجاج. صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، حديث رقم 2404، في فضائل علي بن أبي طالب يوم خيبر. وهو شاهد مستقل عن رواية الباب.

5.   الجبوري، مالك. «علي بن أبي طالب وباب خيبر: صناعة الخرافة باسم البطولة»، صحيفة صوت كوردستان، 18 أكتوبر 2026.
https://sotkurdistan.net/2026/10/18/علي-بن-أبي-طالب-وباب-خيبر-صناعة-الخرافة/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *