الوعود الحكومية بين المصداقية والتنفيذ: مليون قطعة أرض ومدن عصرية تنتظر الإنجاز- بقلم صبيح الكعبي

لا تُقاس مصداقية الحكومات بكثرة ما تعلنه من مبادرات ووعود، بل بقدرتها على تحويلها إلى واقع يلمسه المواطن في حياته اليومية. فالمواطن العراقي، الذي طال انتظاره لحل أزمة السكن، لا يحتاج إلى تصريحات جديدة بقدر حاجته إلى أرض صالحة للبناء، وخدمات أساسية تحفظ كرامته، وخطط واضحة لا تتعثر عند حدود الإعلان.

وفي هذا السياق، تأتي مبادرة رئيس مجلس الوزراء، السيد علي الزيدي، لتوفير مليون قطعة أرض سكنية مخدومة بالبنى التحتية، بوصفها خطوة تستحق المتابعة والتقييم الموضوعي. وقد أشارت التصريحات الحكومية الأخيرة إلى تفاوت نسب التقدم بين المحافظات، مع تهيئة مئات الآلاف من القطع، فيما شدد رئيس الوزراء على ضرورة استكمال الإجراءات والمضي في وضع حجر الأساس قبل نهاية العام. وهذه الأرقام، على أهميتها، تظل مؤشرات أولية لا تكتمل قيمتها إلا عندما تتحول إلى أراضٍ مهيأة، وخدمات منجزة، وتوزيع عادل يصل إلى مستحقيه.

ومن هنا تنتقل المسؤولية إلى الحكومات المحلية؛ فالمحافظ ليس متلقيًا للتوجيهات فحسب، بل شريك أساسي في تنفيذها، تقع على عاتقه مسؤولية حسم إجراءات تخصيص الأراضي، وإزالة العقبات الإدارية والقانونية، والإعلان بشفافية عن نسب الإنجاز والجداول الزمنية. ولا ينبغي أن تتفاوت فرص المواطنين تبعًا لسرعة محافظة أو تأخر أخرى، أو أن تتحول المبادرات الوطنية إلى ملفات مؤجلة بفعل الروتين وضعف المتابعة.

ولا تنفصل معالجة أزمة السكن عن مبادرة رئيس الوزراء الأخرى لإنشاء مدن عصرية جديدة بالقرب من مراكز المحافظات، بمساحات واسعة وبنى تحتية متكاملة، تراعي خصوصية كل محافظة وتاريخها واحتياجات سكانها. وتمثل هذه الرؤية فرصة لدعم التنمية والاستثمار وتخفيف الضغط عن المدن القائمة، شريطة أن تستند إلى تخطيط واقعي، وأن تتوافر فيها شبكات الماء والكهرباء والصرف الصحي والطرق والمدارس والمراكز الصحية والمساحات الخضراء؛ كي لا تتحول إلى تجمعات سكنية تسبقها الأبنية وتتأخر عنها الخدمات.

وليس المهم أن نضع حجر الأساس هنا أو نعلن مشروعًا هناك، بل أن نضمن استمراره حتى الاكتمال. كما أن المشروعات التي أُعلن عنها سابقًا ولم تتضح نتائجها تستوجب المراجعة والمساءلة، لكشف أسباب تعثرها ومصير الأموال والجهود التي رُصدت لها، ومنع تكرار الأخطاء ذاتها.

ومن هذه النقطة، نضع أمام صاحب القرار والمحافظين مسؤولية اعتماد جداول زمنية معلنة، ومؤشرات إنجاز قابلة للقياس، ورقابة دورية تكشف مواطن التأخير وتعالجها، إلى جانب إطلاع الرأي العام على مراحل التنفيذ ونتائجها. فالسكن حق أساسي، والتنمية مسؤولية مشتركة، والنجاح لا يُقاس بعدد المبادرات المعلنة، بل بالمشروعات التي تُنجز وتنعكس آثارها على حياة الناس.

إن المواطن لا ينتظر وعدًا جديدًا بقدر ما ينتظر أن يرى الوعود تتحقق؛ فبين الإعلان والتنفيذ تُختبر مصداقية الدولة، وبالإنجاز تُستعاد ثقة الناس بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *