يشهد إقليم كردستان منعطفاً تاريخياً خطيراً، حيث تحول الجمود السياسي الذي دام لعامين إلى انفجار مؤسسي. محاولة الحزب الديمقراطي الكردستاني فرض أمر واقع عبر عقد جلسة برلمانية بـ 52 نائباً (بما فيهم 6 منشقين من الاتحاد الوطني والجيل الجديد)، ومقابل ذلك لجوء الاتحاد الوطني للمحكمة الاتحادية، يطرح إشكاليات عميقة على عدة مستويات:
أولاً: التحليل القانوني (شرعية النصاب و شرعية الإجراء)
- خرق النظام الداخلي للبرلمان: حجة الاتحاد الوطني بشأن عدم إبلاغ “أكبر النواب سناً” لترأس الجلسة الأولى هي حجة قانونية . فالأنظمة البرلمانية (بما فيها نظام إقليم كردستان) تنص صراحة على أن الجلسة الافتتاحية أو جلسة انتخاب الهيئة الرئاسية يجب أن يترأسها أكبر الأعضاء سناً لضمان الحياد. تجاوز هذا الإجراء يمنح المحكمة الاتحادية في بغداد ذريعة قانونية قوية لإلغاء مخرجات الجلسة.
- انشقاق النواب”: قانونياً، النائب يمثل الشعب وليس حزبه فقط، لكن الأنظمة الداخلية للأحزاب وقوانين الأحزاب السياسية تجيز تجميد عضوية أو فصل أي نائب يخالف قرار الكتلة البرلمانية دون مبرر قانوني مقنع. إذا ثبتت صحة معلومات “شراء الذمم” أو تقديم إغراءات مالية ومنصبية لهؤلاء النواب الستة، فإن ذلك تهدر “الشرعية المعنوية” للجلسة، حتى لو كانت تتوفر فيها “الشرعية العددية” (النصاب).
- ورقة المحكمة الاتحادية: يلعب الاتحاد الوطني على وتر “الفيدرالية”، حيث إن اللجوء للمحكمة الاتحادية ليس مجرد طعن إجرائي، بل هو رسالة لبغداد بأن هناك طرفاً كردستانياً لا يعترف بشرعية هذه الحكومة، مما يمنح بغداد فرصة للتدخل في الشأن الداخلي الكردستاني تحت غطاء “حماية الدستور”.
ثانياً: التحليل للعملية السياسية الداخلية (نهاية عهد “التوافق”)
- تحول من “التوافق” إلى “الأغلبية المصطنعة”: لطالما اعتمدت العملية السياسية في كردستان على “توافق الحزبين الرئيسيين” (الديمقراطي والاتحاد الوطني). محاولة الحزب الديمقراطي تشكيل حكومة بمفرده بالاعتماد على نواب منشقين وحلفاء صغار هو تغيير جذري في قواعد اللعبة. فهو يحول النظام من “توافقي” إلى نظام “أغلبية هشّة”.
- أزمة الثقة وشلل العامين: الجمود الذي دام لسنتين كان نتيجة صراع على الحصص (منصب الرئيس، الموازنة، النفط). اللجوء الآن إلى “كسر العظم” عبر جذب نواب بالجملة يدل على فشل آليات الحوار الداخلية، ويخلق سابقة خطيرة تجعل من “الولاء الحزبي” سلعة قابلة للمساومة، مما ينخر في بنية الأحزاب التقليدية من الداخل.
ثالثاً: الانعكاسات الدولية والإقليمية
- الولايات المتحدة: واشنطن تنظر بعين القلق الشديد لأي انقسام كردي. حكومة كردستانية تشكلت عبر “انشقاقات” تُعتبر حكومة ضعيفة وغير مستقرة. من المرجح أن تمارس واشنطن ضغوطاً دبلوماسية مكثفة لمنع هذا المسار، لأنها تحتاج إلى شريك كردي موحد لضمان الاستقرار الأمني ومواجهة النفوذ الإيراني، وحكومة منقوصة الشرعية لا تخدم هذا الهدف.
- إيران: ستستغل طهران هذا الانقسام ببراعة. فإيران تملك نفوذاً تاريخياً وعميقاً في محافظة السليمانية ومع أجنحة داخل الاتحاد الوطني. انقسام كردستان يضعف الجبهة الكردية ويجعل الإقليم أكثر قابلية للابتزاز الإيراني، خاصة في ملفات الأمن الحدودي والتبادل التجاري.
- تركيا: رغم علاقات أنقرة الوثيقة مع الحزب الديمقراطي الكردستاني، فإن تركيا تفضل التعامل مع حكومة كردستانية لضمان استمرارية مشاريع الطاقة (مثل خط أنابيب النفط) والتعاون الأمني ضد حزب العمال الكردستاني (PKK). الانقسام الداخلي يعقد هذه المعادلات ويجعل الاستثمار التركي أكثر خطورة.
- الحكومة الاتحادية في بغداد: هذا هو الرابح الأكبر من هذا الانقسام. الخلاف الكردي الداخلي يمنح بغداد ورقة ضغط قوية لتأخير إقرار موازنة الإقليم، أو عرقلة تصدير النفط، أو حتى فرض وصاية مالية وأمنية بحجة “عدم وجود شريك كردي شرعي ومتفق عليه”.
رابعاً: إشكالية التمثيل وخطر الانشقاق إلى حكومتين
- أزمة التمثيل: حكومة تُشكل بـ 52 نائباً (فقط 2 أكثر من النصاب)، وتعتمد على 6 نواب منشقين عن أكبر كتلتين معارضتين، لا يمكنها أن تدعي تمثيل “كردستان” ككل. ستُوصم فوراً بأنها “حكومة أربيل” أو “حكومة الحزب الديمقراطي” فقط، وستفقد الشرعية السياسية في عين الشارع الكردستاني والمجتمع الدولي، مما يعيق قدرتها على اتخاذ قرارات مصيرية.
- سيناريو “حكومتين” (الكابوس الإداري): هذا هو الخطر الوجودي الأكبر. إذا مضى الحزب الديمقراطي قدماً في تشكيل الحكومة في أربيل، فمن المرجح جداً أن يرد الاتحاد الوطني والجيل الجديد برفض الاعتراف بها، والبدء في تشكيل “إدارة موازية” أو حكومة تسيير أعمال في السليمانية ودهوك والمناطق الخاضعة لسيطرتهم.
- تداعيات الانشقاق: هذا سيعيد شبح التسعينيات إلى الواجهة، حيث ينقسم الإقليم إدارياً ومالياً وأمنياً (قوات بيشمركة موالية لأربيل وأخرى للسليمانية). هذا الانقسام سيؤدي حتماً إلى شلل اقتصادي، وتوقف تصدير النفط، وتآكل قيمة العملة، وفقدان الإقليم لأي ثقل تفاوضي مع بغداد أو المجتمع الدولي.
إن ما يحدث ليس مجرد خلاف سياسي عابر، بل هو “زلزال مؤسسي”. محاولة فرض حلول أحادية الجانب عبر “انقلابات برلمانية” قد تنجح شكلياً في قاعة البرلمان، لكنها تفشل سياسياً على أرض الواقع. إذا لم تتدخل القوى الدولية (خاصة الولايات المتحدة) بشكل حاسم لفرض طاولة حوار حقيقية، وإذا لم يدرك الحزبان أن “الانتصار على الخصم الداخلي” يعني بالضرورة “الهزيمة الجماعية أمام الخصم الخارجي”، فإن إقليم كردستان يقف على حافة هاوية الانقسام الإداري والسياسي الذي قد يكون هذه المرة أصعب بكثير من الانقسامات التاريخية السابقة.
Views: 3

